المرصد السوري لحقوق الانسان

معارك افتراضية تركية

نشرت مجلة «الحياة الحقيقية» المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، في عددها الجديد الصادر مؤخراً، مقالة بعنوان: «إن لم يكن الآن فمتى؟ إن لم تكن أنت فمن؟ استعدوا لعودة الخلافة» دافع فيها كاتبها سليمان شاهين عن ضرورة استعادة مؤسسة الخلافة التي تم إلغاؤها، في العام 1924، تحت ضغط القوى الامبريالية. فيما دافع الكاتب الإسلامي عبد الرحمن ديليباك عن الفكرة ذاتها، في حوار نشرته المجلة نفسها في العدد نفسه، قائلاً إن عودة الخلافة شرط لا بد منه من أجل وحدة العالم الإسلامي.
أما بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي الذي لا يحمل أي صفة رسمية، فقد انتقد تغيير الأبجدية من العربية إلى اللاتينية، مقارناً بالصينيين واليونانيين الذين حافظوا على أبجدياتهم ولم يمنعهم ذلك من دخول الحداثة.
وهناك تكهنات تضيف إلى ذلك نوايا السلطة بشأن استعادة صفة العاصمة السياسية لمدينة إسطنبول بعد قطيعة استمرت ما يقارب القرن من الزمان، بعدما نقل مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك العاصمة من إسطنبول إلى مدينة أنقرة المغمورة وسط صحراء الأناضول.
كل هذه الإشارات والتكهنات اشتعلت في الرأي العام التركي بعد قرار إعادة فتح «جامع آياصوفيا الكبير» أمام المصلين، مغلقاً بذلك قوساً زمنياً بمدى 86 عاماً كان فيه هذا الصرح المعماري متحفاً. وليكتمل استفزاز التيار العلماني صعد رئيس الشؤون الدينية محمد أرباش منبر آياصوفيا، يوم الجمعة 24 تموز، حاملاً السيف وقرأ خطبة الجمعة الافتتاحية التي قال فيها كلاماً اعتبر بمثابة إساءة لمصطفى كمال. فقد ذكر أرباش أن السلطان محمد الفاتح حين قرر تحويل كنيسة آياصوفيا إلى جامع قال إن هذا القرار أبدي، واعتبر أرباش أن من خان هذا القرار ستلاحقه اللعنة! معروف أن من قرر تحويل الجامع إلى متحف هو مصطفى كمال، على رغم أن مجلس الوزراء في 1934 هو الذي وقع على القرار.
اضطر الناطقون باسم الحكومة إلى الالتفاف على هذا المعنى الخطير لكلام أرباش فأعادوا تأويله بما لا ينطوي على إساءة إلى أتاتورك. كذلك فقد حذفت إدارة الشؤون الدينية تلك الجملة من خطبة رئيسها من موقع المؤسسة على شبكة الانترنت. ترى هل تنوي السلطة حقاً إجراء كل هذه المراجعات في نوع من الانقلاب على «انقلابات أتاتورك» التي يدرسها تلامذة المدارس بوصفها إجراءات ثورية غيرت وجه تركيا تغييراً جذرياً، أم أن الأمر لا يعدو كونه توجسات غير مبررة من التيار العلماني الذي لديه حساسية مرضية تجاه التيار الإسلامي؟

هل تكرر تركيا ذات الأحلام الإمبراطورية مسار الجمهورية الإسلامية فتلعب على زعامة العالم السني عبر مؤسسة الخلافة كما فعلت إيران حين لعبت على زعامة العالم الشيعي؟

ربما من الصعوبة بمكان أن تترك السلطة كل مشكلات تركيا في الداخل والخارج لتهتم بإجراءات تفتقر إلى إجماع وطني لا بد منه حين يتعلق الأمر بمراجعة أسس الجمهورية التركية كالأبجدية والعاصمة ومؤسسة الخلافة وغيرها، في نوع من الثأر المتأخر من إجراءات أتاتورك التي فرضت بالقوة على مجتمع محافظ لم يتقبلها بسهولة. ولكن هناك من يقولون إن السبب نفسه الذي يجعل من هذه الافتراضات خيالية جداً، قد يكون دافعاً لتحويلها إلى واقع. كيف ذلك؟ في نظر المعارضة تمر السلطة، منذ بضع سنوات، بأزمة عميقة، وتتفاقم مشكلات تركيا الداخلية والخارجية باطراد بسبب عجز السلطة عن معالجتها، وهو ما قد يدفعها إلى نوع من الهروب إلى الأمام بفرض أجندة غرائبية من نوع الإجراءات المفترضة المذكورة للتغطية على المشكلات الحقيقية في ميادين الاقتصاد والحريات وتوازن السلطات والفصل بينها وغيرها.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام بسجالات حامية بشأن إساءة رئيس الشؤون الدينية لأتاتورك، أو بشأن الدعوات إلى استعادة مؤسسة الخلافة أو الأبجدية العربية أو نقل العاصمة، أقر البرلمان، قبل بدء إجازته السنوية، قانوناً لتنظيم مواقع التواصل الاجتماعي يعتبره المعارضون بمثابة تضييق الخناق أكثر على حرية التعبير والحق في الحصول على معلومات، بعدما قضت السلطة على الإعلام المستقل، بالترهيب أو الاحتواء، خلال السنوات القليلة الماضية. بل إن بعضاً من ممثلي السلطة أطلقوا تصريحات، في الفترة السابقة على إقرار هذا القانون، شملوا فيها منصة الأفلام السينمائية والمسلسلات «نتفليكس» بالتوعد بالتضييق عليها، على رغم أنها ليست مكاناً للتعبير عن الرأي. صحيح أن القانون لم يشمل، بالنتيجة، نتفليكس أو غيرها من المنصات المنافسة، لكن مشكلةً حدثت فعلاً مع نتفليكس تتعلق بإنتاج مسلسل محلي بتوجيه وتمويل من المنصة المذكورة، وانتشرت توقعات باحتمال انسحابها من السوق التركية بسبب خلاف مع السلطات التركية بشأن مضمون المسلسل. فقد رضخت الشركة المنتجة لطلب السلطات بتغيير جزء من السيناريو يتحدث عن المثلية الجنسية بدعوى أنها «تتعارض مع المنظومة الأخلاقية الوطنية».
بيد أن المشكلات الأخطر التي تواجهها تركيا تتعلق بالصراعات الإقليمية التي أصبحت طرفاً فيها، ولا يعرف أحد هل ستخرج منها رابحة أم خاسرة. وإضافة إلى سوريا وليبيا والعراق وشرقي البحر المتوسط، بدأت تركيا تتدخل أيضاً في الصراع المستجد بين أذربيجان المدعومة تركياً وأرمينيا المدعومة روسياً، وهو من الصراعات المزمنة التي تهدأ حيناً وتعود للاشتعال حيناً ليس بغير تحريض من أطراف خارجيين لهم مصلحة في استمرار الصراع.
آخر أخبار النزاع بشأن التنقيب عن الغاز والنفط في شرقي المتوسط أن ألمانيا حذرت تركيا من عواقب وخيمة قد تترتب على معاندة أنقرة في برنامج التنقيب. واستجابت تركيا بأن علقت عمليات التنقيب. القصد أن هذا السلوك الامبراطوري يتطلب إمكانات امبراطورية لا تملكها تركيا، تماماً مثل إيران التي تتصرف كإمبراطورية على رغم بنيتها الداخلية الهشة.
هذه المقارنة مع إيران تسمح لنا بالعودة إلى فرضية استعادة الخلافة: فهل تكرر تركيا ذات الأحلام الإمبراطورية مسار الجمهورية الإسلامية فتلعب على زعامة العالم السني عبر مؤسسة الخلافة كما فعلت إيران حين لعبت على زعامة العالم الشيعي عبر مؤسسة ولاية الفقيه؟ وما هي حظوظها في النجاح مقارنة بفشل المحاولة الإيرانية المدوي؟

الكاتب:بكر صدقي – المصدر:القدس العربي

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول