معتقلات النظام الأمنية في العام 2021.. 55 شهيداً تحت التعذيب ونحو 3000 حالة اعتقال تعسفي

المرصد السوري يشدّد على ضرورة محاسبة المتورطين بقتل وتعذيب المدنيين السوريين داخل سجون النظام

معتقلات النظام الأمنية في العام 2021.. 55 شهيداً تحت التعذيب ونحو 3000 حالة اعتقال تعسفي

 

لم تشهد سورية عبر تاريخها موجة خطيرة من المداهمات والاعتقالات مثلما حدث منذ انطلاق الثورة السورية في العام 2011، والتي صاحبتها انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان وسط غياب للعقاب الدولي، في واقع حرب كتمت أصوات المعتقلين وأهاليهم وحالت دون وصول أنّاتهم إلى العالم الخارجي الذي يبدو أنه أصبح غارقا في أنانيته وخذلانه للمبادئ التي طالما وظفها لمصالحه فقط دون الالتفات إلى معاناة جزء كبير من البشرية.
يحدث هذا في وقت ما فتئت دول عديدة تسيّس مبدأ التعامل مع حقوق الإنسان وفق مصالحها في تجاوزات للإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والعهد الدوليّ للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، الذين يشددان على أن الحقّ في الحياة حقٌّ ملازمٌ لكلّ إنسان، وأن على القانون حماية هذا الحق، حيث لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً، وأن هذا الحقّ لا يمكن تعطيله حتى في حالات الطوارئ، ضمانا لكرامة أي إنسان يُعتقل بسبب أرائه وتسلب منه حريته بدون قرارٍ قضائيٍّ فقط لمعارضته السلطةَ القائمة، في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسيّ، أو دعمه لمعارضين، أو مساعدته لهم.
وبتهمة المسّ من السلطة أو ازدرائها أو المسّ بالملك أو الرئيس يشترك العالم بأسره في السماح بالاعتقال التعسفي بل وتقنينه في بحث عن إسناد سياسي يسمح بالقبض على المعارضين من سياسيين وحقوقيين وناشطين وإعلاميين، وهي ممارسات تمثل انتهاكاً صارخا لحقوق الإنسان الأساسية، ومن ضمنها الحق في حرية التعبير والرأي.
ولايزال السوريون يذوقون مرارة الاعتقال نساءً ورجالا وأطفالاً، على الرغم من مرور أكثر من عقد على انطلاق الثورة السورية.
مرارة أن تسحب من بيتك أو من عملك أو تُطارد بسبب موقفك من السلطة القائمة أو من موضوع ما، اعتقالات يصطحبها سلب للإرادة وإهانة للذات البشرية انطلاقا من طريقة الإيقاف وصولا إلى الاحتجاز الذي يُمنع خلاله -إن لم يقتل- من التواصل مع العالم الخارجي والأهل، علاوة على الحرمان من المتطلبات الصحية والطبية وعدم توفير وجبات طعام بقيمة غذائية كافية لكل معتقل للحفاظ على صحته، فضلا عن عدم مراعاة التغيرات المناخية والفصول في طريقة اللباس التي يجبر فيها المعتقلون على ارتداء زيّ يتعارض مع حقّه في توفير ملبس نظيف.
هذا فضلا عن حرمان المعتقلين من حقّهم في الإقامة في مساحة محترمة بسبب كثرتهم وضيق المكان المخصّص لهم بأوامر السلطة التي تتفنّن في تعذيبهم انتقاما من مواقفهم السياسية والفكرية التي سجنوا من أجلها.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، وانطلاقاً من واجبه كمؤسسة حقوقية، واكب ملف الاعتقالات ضمن مناطق نفوذ نظام بشار الأسد وتمكن من توثيق 2982 حالة اعتقال منذ مطلع العام 2021، وذلك على فترات متفاوتة، بتهم متنوعة أبرزها “مطلوب للخدمة الإلزامية والاحتياطية، والتواصل مع جهات خارجية”، وجرى الإفراج عن قسم كبير منهم لاحقاً بعد دفع ذويهم لإتاوات مادية، بينما لا يزال نحو 514 شخص قيد الاعتقال.
وتصدر الجنوب السوري المشهد خلال العام بأكثر من 667 حالة اعتقال معظمهم في محافظة درعا، وجاءت حلب بعد الجنوب بنحو 489 حالة اعتقال، تليها محافظة ريف دمشق بما لا يقل عن 429 حالة، ثم دمشق بنحو 394 حالة، كما تم تسجيل 328 حالة اعتقال في دير الزور والحسكة والرقة، و286 حالة في الساحل السوري، و197 حالة في حمص، وأخيراً حماة بنحو 192 حالة اعتقال.

كما وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، استشهاد 55 شخص بينهم سيدة تحت التعذيب في معتقلات النظام الأمنية، وذلك خلال العام 2021، مع استمرار آلة القتل داخل المعتقلات التي تعد “مسالخ بشرية”.
ومع استشهاد المزيد من الأشخاص، يرتفع عدد الذين استشهدوا في سجون النظام منذ انطلاق الثورة السورية، إلى 47517 مدني، ممن وثقهم “المرصد السوري” بالأسماء، وهم: 47114 رجلاً وشاباً و339 طفلاً دون سن الثامنة عشر و64 مواطنة منذ انطلاقة الثورة السورية.
وذلك من أصل أكثر من 105 آلاف علم “المرصد السوري” أنهم فارقوا الحياة واستشهدوا في المعتقلات، من ضمنهم أكثر من 83% جرى تصفيتهم وقتلهم ومفارقتهم للحياة داخل هذه المعتقلات في الفترة الواقعة ما بين شهر آيار/مايو 2013 وشهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2015، -أي فترة إشراف الإيرانيين على المعتقلات-، وأكدت المصادر كذلك أن ما يزيد عن 30 ألف معتقل منهم قتلوا في سجن صيدنايا سيئ الصيت، فيما كانت النسبة الثانية الغالبة هي في إدارة المخابرات الجوية.

ولم يفلح قانون سيزر أو قيصر الذي أصدرته الإدارة الأمريكية لمعاقبة نظام الأسد في الحدّ من الجرائم المرتكبة في حق المدنيين، وبرغم مرور سنتين لم يحقّق ربع نتائجه سيما بخصوص وضع المعتقلين قسريا والمختفين والمغيبين الذين لايعرف أي طرف إلى حدّ اللحظة مصيرهم إن كانوا قد قتلوا أو تم الزج بهم في معتقلات النظام الأبدية.

وقد وثّق المرصد عديد الشهادات الحيّة تحدّث فيها سياسيون وحقوقيون عن مرارة تعذيبهم وتفنّن النظام في ذلك، حيث أفادنا الحقوقي راشد الصطوف، الذي سبق وأن اعتقل في 17 نيسان من العام 1987، بأن اعتقاله جاء بسبب الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي، عن طريق كمين محكم على موعد حزبي في مقهى الحجاز بدمشق، والذي تم اقتياده بالعنف إلى سيارة الأمن، وبمجرد وصوله إلى فرع فلسطين بدأت حياته هناك بـ”حفلة” تعذيب شديدة لدفعه إلى الاعتراف السريع برفاقه في الحزب وعلى أماكن وجودهم والبيوت السرية التي يرتادونها حيث استخدم المحققون وفي مقدمتهم العميد مظهر فارس، رئيس الفرع، أساليب قذرة في التعذيب.
ويروي محدثنا بحزن شديد، قائلا:” تم تعذيبي بالكرسي الألماني مع الضرب بالكابل الرباعي وهو أكثر وسائل التعذيب قسوة وإيلاماً، إضافة إلى الضرب بالهراوات والسوط والصعق الكهربائي، وتم الدوس-تماما كما حصل لرفاقي- على أقدامي وعلى الأعضاء التناسلية وربطها بالتيار الكهربائي، إنه غوانتانامو عائلة الأسد، غوانتانامو بمجرد أن أتذكر شريط ويلاته يتعكّر حالي، ولكنني لم أعد يوما نادما.. فثمن الحرية باهظ”
وفي سؤال المرصد عن هوية المعتقلين الذين كانوا رفقته، أجاب بالقول: “هنالك معتقلون من تنظيم الإخوان المسلمين، وتنظيم القيادة القومية (بعث العراق)، وتنظيم البعث الديمقراطي (23 شباط)، وتنظيم المكتب السياسي (جماعة رياض الترك)، ومعتقلون فلسطينيون ينتمون في أكثريتهم إلى حركة فتح أبو عمار، وبعض المنتمين الى أحزاب ناصرية، والعديد من الحالات الفردية المتنوعة إضافة إلى معتقلين لبنانيين من تنظيمات سياسية معارضة للوجود السوري في لبنان”.
وتمت محاكمة صطوف عبر محكمة أمن الدولة الاستثنائية، وحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً قضّى منها أربعة عشر عاماً وثمانية أشهر في ظروف مزرية ولا إنسانية.
وعن الظروف التي أقام فيها، قال محدثنا للمرصد، “أمضيت عدة أشهر في فرع فلسطين وفي فرع التحقيق العسكري وقرابة الخمس سنوات في سجن تدمر وجميعها كانت أقرب إلى الجحيم، وبالطبع دون زيارات ودون أن يعرف أهلي شيئا عن مصيري وظروفي” .
وعن خفايا المعتقلات، أفاد الحقوقي بأن” المعتقلات السورية متنوعة ومختلفة في درجة السوء لكنها جميعا لا تضمن الحد الأدنى من حقوق السجناء الإنسانية والقانونية، وأسوأ السجون السورية على الإطلاق هو سجن تدمر الذي يشبه المعتقلات النازية”.
أما “ماريا راغب” وهو “اسم مستعار” لسجينة حقوقية، فقد تحدثت في شهادتها للمرصد عن تجربتها بعد الثورة في سجن عدرا المركزي للنساء بمدينة عدرا التابعة لمحافظة ريف دمشق، حيث لم تختلف كثيرا عن شهادة راشد الصطوف في تشبيهها للمعتقل الذي تُزج فيها النساء بأنه ” معتقل نازي يتجرّد المشرفون عنه من الإنسانية ويرتدون جبّة الوحوش البشرية يعاملون النساء كسبايا فضلا عن اغتصابهن وإلحاق أضرار جسيمة بأجسادهن وتشويههن أحيانا، انتقاما منهن”.
وتضيف ماريا التي ذاقت مرارة الحرمان من الأكل لمدة أسبوع بسبب موقفها وكلمتها الحرة، وبرغم ما لحق بها من ضرر حيث فقدت عينها اليسرى، “إنها لم تندم”، مبدية “استعدادها للإنخراط في كل الأشكال النضالية التي تنادي بالحرية والكرامة”.
وشددت على أهمية الدعم النفسي والمجتمعي للمحررات من المعتقلات لاعتبار أن غالبيتهن يخرجن وهن يعانين من أمراض نفسية وجسدية كبيرة، وسط محاصرتهن بنظرة من المجتمع الذي يزدري سجن امرأة ولو كان ذلك بسبب كلمتها الحرّة وموقفها السياسي.
وتطرّقت إلى تعرضها للتعذيب بالماء الساخن ما نتج عنه تشوه في وجهها، فضلا عن استخدام الكوابل الكهربائية لدفع المعتقلات إلى الاعتراف حتى بما لم يقترفنه، مجبرات على الاعتراف بكل ما نسب إليهن من تلفيق بالاانتماء إلى تنظيم إرهابي أو فصل مسلح. كنا ننتظر الموت، وسط حرمان من محاكمات عادلة ونزيهة ومنعنا من التواصل مع أهلينا.
ووصفت الأوضاع النفسية وحالات التعذيب بأنها موت بطيء، جوع وتنكيل، وعالم أشبه بالخيال لايصدّق ولا يوصف، سجن نازي، وحوش بشرية مؤجّرة للتنكيل بنا، معتقلات تتنافى وأبسط مقومات حقوق الإنسان وتتعارض مع حق الإنسان في التعبير والحياة، نعم هناك سلبت حياة العشرات من النساء، لكننا سنلاحقهم مهما طال الزمن ولم نهدأ حتى نحاسب كل من أجرم بحقّنا، لن نغفر لمن عذبنا ويتّم أطفالنا، لن نهدأ مادمنا أحياء ولو بعين واحدة، سنلاحقهن لردّ الاعتبار لإنسانيتنا وكرامتنا”.
وعبّرت عن خوفها من استدعائها مجددا من قبل قوات النظام في دمشق، حيث أجبرت على الهرب إلى إدلب تجنبا لتكرار تجربة اعتقالها المريرة وما لحق بها من عنف وتنكيل، فضلا عن مرارة فقدان الاتصال بعائلتها منذ ست سنوات وعدم معرفة مصيرها وسط تضارب الأخبار عن هروبها (العائلة) إلى تركيا.
من جهته، روى لنا الحقوقي مروان حمزة قصته وقدّم لنا شهادته، حيث أكّد أنه اعتقل خمس مرات على خلفية مشاركته في مظاهرات سلمية عام 2011، إلى جانب إيقافات أخرى بسبب كتابات على صفحته الخاصة بفيسبوك، ولكن ما جلب انتباه محدثتنا هو وجود أطفال لم يتجاوز عمرهم 14 عاماً بحجة المشاركة في المظاهرات السلمية، موضحاً أن أوضاع المعتقلين صعبة وبائسة جدا وتدعو إلى التدخل العاجل.
وأشار إلى أن ظروف الإقامة مأساوية وتتعارض مع القوانين الدولية الضامنة لإنسانية الإنسان والتي فقدت في سورية وتم دوسها وتجاوزها بشكل فاضح.

تجارب الاعتقال السياسي المرّة سواء طريقة النظم الأوتوقراطية التي تلجأ إلى سجن الأصوات الحرّة ولجمها وإسكاتها، هي صرخة من الأعماق نأمل أن تحرك أصحاب الضمائر الحية والمنظمات الحقوقية والإنسانية وكذلك الدول التي لا تزال تحترم توقيعاتها على المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان.

وينبّه المرصد السوري لحقوق الإنسان من خطورة عدم احترام الاتفاقيات الدولية التي تنخرط فيها سورية، ويحذّر من مواصلة الاستهتار من قبل الأطراف المتصارعة بملف المعتقلين والمغيبين قسريا، ويدعو المجتمع الدولي إلى التحرّك للكشف عن مصير هؤلاء وفضح كل الأطراف المتواطئة.
ويشدّد على مساعيه المستمرة لإيلاء الملف الأهمية القصوى وإيصال صوت المعتقلين وأهاليهم إلى العالم، وينبّه من استخدام “قوانين مكافحة الإرهاب” لتبرير الاعتقال السياسي والحقوقي، ويدعو إلى زيارة مرافق الاعتقال في جميع أنحاء سورية، لاسيما سجون نظام بشار الأسد، للوقوف على حقيقة أوضاع المعتقلين ومعرفة مصير من ضاعوا أو قتلوا في غياهب السجون والمعتقلات.