معتقلات النظام لا تزال تغلق أبوابها أمام حرية تنتظر أكثر من 140 ألف معتقل وعشرات آلاف الأمهات ينتظرن أبناءهن للخروج والأقدار تفرق آخرين

26

يطغى الوجع السوري، وتكاد تغطي صرخات الاستغاثة كل الأصوات، إلا أصوات الحرب التي لا يريد لها الكثيرون أن تتوقف، ليُخلق الوجع تلو الآخر، ويزداد يوماً تلو اليوم، لحين أن تشاء الأقدار أن تفرق شمل العوائل السورية، وتفككها، فكأن الحرب يزداد سعيرها في كل يوم حتى تلتهم أجساد السوريين وتصعِّد من أوجاعهم، وفي مشهد مأساوي مستمر منذ آذار من العام 2011 وما قبلها، لا يزال المغيبون في سجون النظام والميليشيات الموالية لها، يعانون مأساة غير مسبوقة، من تعذيب وإذلال وإهانة وتجويع وقتل.

لم تقف المأساة في داخل السجون، بل خرجت مع الخارجات من الجثث، وتعدى الأمر لمأساة عاشها أهالي المعتقلين، فلا تزال عشرات آلاف الأمهات ينتظرن أبناؤهن، لعل الأقدار تخرجهم أحياء من براثن الموت الذي يمارسه النظام بعناصره على رؤوس من اقتيدوا إلى هذه المعتقلات وغياهب السجون، بتهم التظاهر ضد النظام، ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان واحدة من الحالات التي أنهى فيها الموت انتظار أم ثكلت بأبناءها وفجعت بأحفادها، إذ فارقت الحياة السيدة السورية نجاح قاسم البطين، المنحدرة من مدينة نوى، في الريف الشمالي الغربي لإدلب، فارقتها عند أعتاب الأمل، الذي لم يكلل لها الأمنيات نجاحاً، فغادرت الحياة وهي تنتظر ابنها المعتقل في السجون السورية، وتحدث ذووها للمرصد السوري لحقوق الإنسان عن أن قوات النظام اعتقلت ابنها لدى محاولته الوصول إلى الأراضي اللبنانية، ليلتحق بأخويه بغية العمل هناك، إلا أن سلطات النظام أوقفت حياة ابنها في معتقلاته، لتفجع الأم خلال سجن ابنها باستشهاد اثنين من أولادها واستشهاد 3 من أحفادها، ولتبقَ تنتظر ابنها المعتقل للخروج إليها، إلا أن الموت الحائم في سوريا، عاجل السيدة السورية ليفجعها، بعد أن كان حالها كعشرات آلاف السيدات والعوائل اللواتي ينتظرن أبناءهن، ومنهم أشقاء ثلاثة من آل صهيوني في مدينة بانياس، اعتقلوا منذ العام 2011 ولا يزالون في سجون قوات النظام، حيث فارق والدهم الحياة دون أن يتمكن من رؤيتهم أحراراص من جديد.

ورغم أن المرصد السوري لحقوق الإنسان كان رصد خلال الأشهر الفائتة، عمليات إفراج عن مئات المعتقلين بشكل مجتمع ومتفرق، من عدد من السجون والمعتقلات، وتراوحت المدد الزمنية بين معتقل وآخر وسجين وآخر، إلا أنه لا يزال عشرات آلاف آخرين قيد السجن والاعتقال، في عشرات المعتقلات الأمنية وعشرات السجون ومراكز الاحتجاز لدى قوات النظام والمسلحين الموالين لها في مناطق سيطرتها داخل الأراضي السورية، حيث وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من 140 ألف معتقل ممن لا يزالون في سجون ومعتقلات النظام السوري، وذلك بعد أن وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان استشهاد 14759 شهيد مدني هم:: 14580 رجلاً وشاباً، و120 طفلاً دون سن الثامنة عشر، و59 مواطنة فوق سن الـ 18، ممن قضوا منذ انطلاقة الثورة السورية في الـ منتصف آذار / مارس من العام 2011، وحتى اليوم الـ 4 من شهر حزيران / يونيو من العام الجاري 2018، من أصل ما لا يقل عن 60 ألف معتقل، استشهدوا داخل هذه الأفرع وسجن صيدنايا خلال أكثر من 7 سنوات، إما نتيجة التعذيب الجسدي المباشر، أو الحرمان من الطعام والدواء، حيث أن قوات النظام سلمت جثامين بعض المعتقلين الشهداء لذويهم، حيث تم إبلاغ المرصد السوري لحقوق الإنسان من عدد من المصادر الموثوقة بمعلومات أفادت بما سبق، بالإضافة لإبلاغ آخرين بأن أبناءهم قد قضوا داخل المعتقلات، وطلبوا منهم إخراج شهادة وفاة لهم، كما أُجبر ذوو البعض الآخر من الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب داخل معتقلات النظام، على التوقيع على تصاريح بأن مجموعات مقاتلة معارضة هي التي قتلتهم، كما وردت إلى المرصد السوري لحقوق الإنسان معلومات تشير إلى وجود الكثير من الحالات لمواطنين استشهدوا تحت التعذيب داخل معتقلات النظام، تحفظ فيها أهاليهم وذووهم، على إعلان وفاتهم، خوفاً من الملاحقة الأمنية والاعتقال.

إن المرصد السوري لحقوق الإنسان، وبعد تحويل قضية عشرات آلاف المختطفين والمعتقلين، إلى ورقة تتلاعب بها الأطراف المختلفة، سواء أكان النظام وحلفاؤه، أم الأطراف السورية المعارضة، وتغييب الملف بعدها بشكل كامل، يدعو إلى إعادة تفعيل قضية المعتقلين بقوة بعد أن غيِّبت بفعل أطراف جعلت من ملفات أخرى ومن مصالح فئوية أولويتها، كما يدعو المبعوث الأممي السيد ستيفان ديمستورا والجهات الدولية الفاعلة، والمنظمات الإقليمية والدولية إلى العمل الحثيث والجاد، ليكون ملف الإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين والمختطفين في أولوية أي لقاء سياسي أو مؤتمر أو مفاوضات، وأن لا يُكتفى بالقول فقط، بل أن تكون هناك خطوات عملية لبدء الإفراج عن المعتقلين، كذلك يحث المجتمع الدولي وبالأخص الأمين العام للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، بالعمل الفوري من خلال الضغط على النظام السوري، من أجل الإفراج عن ما تبقى من معتقلين على قيد الحياة، والعمل على إنشاء محكمة لمحاكمة الجلادين المجرمين القتلة وآمريهم، الذين انعدمت الإنسانية في قلوبهم وضمائرهم، وقاموا بقتل هذا العدد الكبير من أبناء الشعب السوري.