مقاربة سورية: ماذا بعد تحويلنا إلى جمهور؟

ينطوي الشعب على قوة كامنة قابلة للتحول من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، لحظة توافر الظروف الذاتية والموضوعية لذلك. ويكشف الشعب في سياق تطوره الطبيعي، عن قدرة تغييرية يزيد من غناها وفاعليتها التنوع والتباين. ما يعني أنه يحمل في داخله دينامية متعددة الأبعاد والأشكال والمستويات، إضافة إلى قابلية للتجدد والتطور. وقد أجمع العديد من منظري العقد الاجتماعي على أن «السيادة للشعب، المكوَّن من أفراد أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، ويتمتعون بالإرادة، في ظل حكم مدني يقوم على فصل السلطات». وأشار الراحل إلياس مرقص في كتابه «نقد العقلانية العربية»، إلى أهمية العلاقة بين الفردية والحرية بقوله: «عندما ندرك في الوطن العربي أننا 250 مليون أنا فردية، نكون قد خطونا أولى الخطوات إلى الحرية». ويتقاطع ما ذكره مرقص مع تأكيدات للفكر السياسي الحديث على حقوق الأفراد، وأهمية المساواة القانونية كمدخل إلى تمكين الفرد من حرية الإرادة.

ومن البداهة في مكان أن الإنسان في عالمنا العربي ما زال محكوماً بأنظمة قهرية سحقت الأنا الفردية، وذوبتها ضمن أنا جمعية مقهورة اختزلها حكامنا تدريجاً في إطار حزب أيديولوجي عقائدي. وتزامن ذلك مع الاشتغال على اختزال البلاد والعباد في الأنا المتضخمة للحاكم، وتحويل الإنسان (الفرد) أداة أيديولوجية وظيفية فاقدة أياً من حقوقها المشروعة. وذلك في دول يتسيَّد حكامها ويسنّون القوانين ويصدرونها باسم شعب يدَّعون تمثيله، وأنه المصدر الرئيس لسلطة الحاكم وشرعيته.

ومعلوم أن السلطة في سورية وغير بلد عربي ما زالت تتعامل مع مواطنيها كركام بشري، أو حالات قطيعية غوغائية وانفعالية ضمن كتلة رجراجة منفعلة، محكومة بردَّات فعل يغيب عنها التفكير العقلاني والمنهجي. وعليه، فإنهم غير قادرين على تقدير مصالحهم وتحديد أهدافهم، وعاجزين عن إدارة شؤونهم العامة، ما يعني من وجهة نظر السلطة/ الحاكم أنهم يحتاجون إلى وصاية قائد «تاريخي ـ رمز ملهم» يضبط السياق العام لحركة التطور والتاريخ، وأيضاً المجتمع/ الشعب. في هذا المستوى، يتم تجريد المواطن (الفرد) من حقه في تقرير مصيره ونمط حياته وأشكالها. إضافة الى ذلك، يُنظر إليه كأداة وظيفية ومصدر للنهب، وموضوع للتسلط.

وينافح أركان السلطة في سورية بأنهم يستمدون مشروعيتهم السياسية من الشعب. لكنهم يتجاهلون أنهم ما زالوا يشتغلون في سياق تلاعبهم بعقول السوريين على تحويل الشعب إلى جمهور منفعل، مسلوب الإرادة. وبناءً عليه، يختزلون استخدام مفهوم الشعب، دعائياً وإعلامياً وفي المهرجانات الخطابية، إلى أغراض وظيفية تزيد من غربة الإنسان (الفرد) عن إنسانيته.

أما عن آليات التعامل مع السوريين في اللحظة الراهنة، فإنها تتجاوز حدود تحويلنا إلى جمهور. إذ نعيش جميعاً لحظة يتم فيها تجريدنا من الشعور بآدميتنا، ما يثير غضب وحقد السوريين واحتقانهم. فأشكال وطبيعة الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تمارسها الجهات المسؤولة تهدف كما يبدو الى تجريدنا من أية مشاعر، أو روابط لنا بالطبيعة الإنسانية، ولفرض التكيف القسري مع أقسى أشكال الحياة وأكثرها قهراً. كأنَّ الهدف من ذلك لا ينحصر بتركيع السوريين، لكنه يستهدف وجودهم البيولوجي. ويتساوق مع السياسات المذكورة، ما تقوم به قطعان النهابين والشبِّيحة والمرتزقة، وجلَّهم يتمنى للمقتلة ألَّا تنتهي، في وقت يعمل بعضهم على إذكاء نيرانها الكامنة كلما لاحت بوادر حلٍّ. ومعلوم أن الطبيعة السلوكية لهؤلاء تُفاقم حدة احتقان السوريين وحقدهم.

وكما بات واضحاً، يضطر السوريون مرغمين بحكم غريزة البقاء وتمسكهم بالحياة، للتكيف والتعايش مع تلاشي مقومات الحياة الطبيعية، وانتشار الخراب والدمار والقتل، يضاف الى ذلك البرد القارس والظلام الدامس والجوع الكافر والحرمان الجائر والغربة القاتلة.

واليوم، يحس السوريون بضرورة الانتقال إلى الديموقراطية وضمان الحاجات المادية والقيم ما بعد المادية. لكنَّ ذلك لا ينفي إدراكهم أن المدخل لتحقيق أهدافهم راهناً يتحدد بوقف شامل لإطلاق النار ثم اجتثاث جذور التطرف والإرهاب وتجلياته كافة، فإطلاق حوار وطني واسع ومسؤول وعميق لا يُستثنى منه أي من مكونات المجتمع أو فصائله، والتوافق على آليات سياسية تضمن الانتقال إلى «حكم رشيد» يتجاوز إشكاليات المراحل الماضية ويؤدي الى تمكين الارتقاء الاجتماعي والأمن الاقتصادي والحريات السياسية والمدنية وجسر الهوة بين الدولة/ السلطة والمجتمع.

 

 

المصدر:الحياة