ملاحظات سوريّة خطِرة على وقع سقوط مرسي

765881Untitled-4_1_

الطريف في سوريا أنّ الجميع يتفاءلون بما جرى في مصر ويعتبرونه في مصلحتهم. الرئيس بشّار الأسد يحتفل بسقوط متراس آخر لـ«الإخوان المسلمين». أمّا الخصوم فيخاطبونه قائلين: هل رأيتَ ماذا تفعل إرادة الشعب؟ أنت التالي…
قالها النائب وليد جنبلاط: “العالم كلّه، والولايات المتحدة خصوصاً، تخلّى عن الشعب السوري بعدما أغدق عليه الوعود الجميلة، وفي مقدّمها الوعود بتنحّي الأسد عن السلطة”. وهذا الكلام هو الأكثر وضوحاً في التعبير عن الخيبة من الدعم الأميركي لـ”الثورة” في سوريا. وهو يضع حدّاً للطموحات التي لطالما رسمها جنبلاط وفريق “14 آذار” لجهة الرهان على إسقاط الأسد.

منذ اللحظة الأولى للحراك الشعبي السوري، قبل عامين ونصف العام، يراهن “الآذاريون” اللبنانيون على أنّ الفرج في الداخل سيأتي هذه المرّة من سوريا، عندما يسقط الأسد. وكان رهانُهم في السابق على أنّ المحكمة الدولية ستُسقِط المنظومة السورية – الإيرانية بالضربة القاضية. وقبل ذلك، كان الرهان على إستدراج “حزب الله” إلى “الحالة اللبنانية”، أي فكّ إرتباطه بطهران ودمشق.

المراهنة الثالثة إذاً، أي سقوط الأسد، تترنّح كثيراً. والبعض يقول إنها انتهت. وكلام جنبلاط يرجّح ذلك. ويتعزّز الإنطباع بأنّ ما يجري اليوم في سوريا وسائر دول الشرق الأوسط، هو ترجمة لاتفاق غير معلن بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته القوي جون كيري من جهة، والرئيس الروسي القوي فلاديمير بوتين في إيرلندا. وقد تمّت ترجمة هذا الاتفاق في مؤتمر أصدقاء سوريا في الدوحة.

فكلّ الأحداث التي سبقت مؤتمر الدوحة وواكبته وأعقبته صبَّت في هذا الإتجاه: التغيير في قطر، النأي التركي بالنفس عن الأزمة السورية وإلغاء مشروع “تقسيم”، إنهاء حالة الشيخ أحمد الأسير وضبط حلفائه في لبنان، ولا تبدو اللعبة في مصر بعيدة عن هذا السياق. ولكن لا يمكن إغفال الوقائع السورية أيضاً. وليس إسقاط القُصير، بدعم مباشر من إيران و”حزب الله”، سوى البداية.

فبعد ذلك بدأ الصراع في سوريا يتّخذ طابعاً جديداً يتميّز بعاملين أساسيين:

– التقدّم العسكري المُطّرد لقوات النظام وحلفائها في مناطق محيطة بالعاصمة وحمص وحلب وصولاً إلى الساحل. وهذا التقدّم يعني السيطرة عمليّاً على المناطق الأكثر أهمّية في سوريا، والتي يتمركز فيها قرابة الثلثين من مجموع السكّان.

– الصمت المطبق من جانب الإعلام العالمي عمّا يقع في سوريا، على رغم أنّ حجم المعارك والخسائر والأضرار والضحايا لم يتراجع عمّا كان عليه قبل أسابيع، حين كان الإعلام العالمي يضع الحدث السوري في واجهة اهتماماته.

ويبدو أنّ المعارضة السورية تستلحق نفسها من خلال التوافق على شخصية جديدة تتولّى إدارة الائتلاف من إسطنبول. ولكن بات واضحاً أنّ الاتجاه الذي يسلكه المعارضون هو الإعتراف بأن لا مفرّ من محاورة النظام. وهذا ما يعني، وفق المفهوم الأميركي، أنّ الأسد سيبقى في السلطة حتى تمّوز 2014، موعد الإنتخابات الرئاسية. وخلال العام الفاصل عن هذه الإنتخابات ستكون المعارضة مجبرة على وقف القتال، لأنّ النظام سيستوعب الموقف برفع شعار الاستعداد للحوار.

إذا استجابت المعارضة للحوار، انتهت الثورة تماماً قبل الإنتخابات. وإذا لم تستجب، فهي ستثبت أنّها تتوخّى الوسائل الدموية وأنّها مسؤولة عن استمرار الحرب الأهلية. وعندما يأتي تمّوز المقبل، سيرفع الأسد شعار استحالة إجراء الإنتخابات في ظلّ الوضع الأمني المتفجّر. وفي أيّ حال، هو قادر على تمديد ولايته حتى إشعار آخر، بناءً على هذه الذريعة. وما قام به حلفاؤه في لبنان يثبت ذلك.

والأنكى أنّهم استحصلوا أيضاً على براءة ذمّة من جنبلاط و”14 آذار”! فإذا كان الاتّفاق الأميركي – الروسي يقضي بتعويم دور الجيوش ووضعها في مواجهة الإسلام السياسي، فإنّ ذلك قد يَفي بالغرض في حالات معينة كما في لبنان، البلد التعدّدي، لكنّ الوضع مختلف كثيراً في مصر، حيث القوى الإسلامية تتمتّع بوضع قويّ شعبيّاً، وحيث لا تزال صورة المواجهة بين الشعب والعسكر، قبل عام، ماثلة في الأذهان.

ومن يضمن مستقبل العلاقة داخل “الثلاثية المصرية”: الجيش والشعب و”الإخوان” التي ستنفجر على الأرجح كما “الثلاثية اللبنانية”: الجيش والشعب و”حزب الله”. أمّا في سوريا، فالسؤال له أبعاد خطرة: أيّ جيش سيقف في وجه الإسلاميين؟ هل هو جيش النظام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنّ الثورة في سوريا قد تعرّضت لطعنة أليمة في الظهر.وستثبت الأيام ما إذا كانت قاتلة أم لا.

البعض يعتقد أنّ الأميركيين والروس التقت مصالحهم على ضرب “الغول الإسلامي”، فلم يجدوا أمامهم سوى “غول الجيش”. وحتى يقضي أحد الغولين على الآخر، ستكون الديموقراطية قد انسحقت “تحت الدعس”!

الجمهورية