من أجل الشعب السوري!

هناك شيء غريب وغير قابل للتصديق في مشاهد الآلاف من المهجرين اللاجئين من السوريين، وهم يحاولون الهروب من جحيم نظام الأسد والجماعات الإرهابية المؤيدة له والدخيلة على مشهد الثورة، مشاهد تشل التفكير وتحير العقول وتعجز الكلمات عن وصف ما يحصل وتبريره. فلا منطق ولا سياسة ولا أخلاق ولا دين استطاع تفسير ما يحصل من جريمة مروعة، وعجز عالمي عن التفاعل الإيجابي مع ما يحصل من كارثة إنسانية بامتياز. ولعل أبرز «الفوائد» التي حدثت نتاج المشهد المروع هذا (إذا كان بالإمكان أن نقول إنه توجد فوائد أصلا)، هو أن دخول دول مثل السويد وألمانيا تحديدا على خط قبول اللاجئين والمهجرين فيهما، يجعل بشكل واقعي وعملي وحقيقي المسألة تتحول من شأن «عربي» و«إسلامي» إلى شأن إنساني وأخلاقي عالمي، وهو المطلب الأهم والأجدر.
والمذهل والمثير للاشمئزاز حقيقة، هو أنه باسترجاع المواقف المختلفة لدعاة إرسال المقاتلين إلى سوريا (سواء لقتال النظام أو الدفاع عنه) وإصدارهم للفتاوى والآراء الحماسية وإلقاء المهرجانات الخطابية الواحد تلو الآخر، نجد في الوقت نفسه غيابا كاملا لنشر وعي وثقافة ضرورة إغاثة المحتاج، وهي أصيلة في الشرع الديني والفطرة البشرية.
المشهد السوري المتعلق بتهجير الشعب وإجباره على خيارات مواجهة الموت، والذل والمهانة نتاج نظام ظالم ومتوحش وفاسد، وطاغية تسانده قوى الشر من سائر أنحاء العالم. والعالم ما زال متفرجًا، في الوقت الذي هرع فيه العالم لمساعدة أهل دارفور والصومال، وأمم أخرى، وما تم تقديمه لهم، وتبني المنظمات الخيرية والإنسانية الدولية لقضاياهم أهم بكثير مما تم للقضية السورية.
هناك العديد من المؤسسات الخيرية الدولية والعربية «المدينة» و«المتهمة» بعدم تقديم ما يكفي، مؤسسات مهمة مثل البنك الإسلامي للتنمية، والهلال الأحمر، وجامعة الدول العربية. الدول العربية والإسلامية قادرة جدا على المشاركة في تخفيف المعاناة باتخاذ قرارات سريعة فورية، لتأمين حياة كريمة لبعض الأعداد مثل أقرباء من هم موجودون أصلا في بلادهم، هذا وحده سيكون له مفعول إيجابي ومهم، كما أنه لم يتم «تسويق» القضية بالشكل الذكي المطلوب وتوظيف إحدى الشخصيات «المشهورة» المتعاطفة، تماما كما حصل مع قضية التيبت، حينما تبناها الممثل الأميركي الشهير ريتشارد غير، وقضية منطقة دارفور بالسودان، حينما تبناها الممثل الأميركي الأشهر جورج كلوني، اليوم القضية السورية ليس لها من النصيب ذاته إلا زيارات محدودة وتصريحات محدودة من سفيرة النوايا الحسنة أنجلينا جولي، الممثلة الأميركية المعروفة، ولكنها تتبنى قضايا أخرى وليست متفرغة تماما للقضية السورية. النظام السوري وحلفاؤه في لبنان والعراق يحاولون بشتى الطرق «قتل» القضية المتعلقة بالمهجرين السوريين، وتصويرهم «مجرمين» و«خونة» و«إرهابيين» لرفع درجة التحفظ منهم أمام المجتمع الدولي، وبالتالي التردد في إيوائهم والموافقة السريعة على طلبات اللجوء المقدمة منهم.
هناك الكثير من الممكن عمله لمساعدة السوريين في محنتهم غير الحزن والدعاء لهم والإحساس بالحرقة والألم، الوسائل والأدوات كثيرة، وهي متاحة، وكل حياة تُسفك على أيدي المجرمين أو في قاع البحار هي صفعة وإدانة لكل فرد شاهد وسمع ولم يفعل شيئًا، فالجريمة كبرى ومخجلة، والكل مسؤول ومعني ومتهم حتى يتم إيقاف ما يحصل.
الشعب السوري رأى الأهوال خلال حكم الأسد المرعب، من الظلم أن يرى أهوالا أخرى وهو يحاول الخلاص منه ليحيا بكرامة وحرية.
حسين شبكشي
المصدر : الشرق الاوسط