من بورما إلى كشمير ومن إدلب إلى عدن إحزن يا قلبي! (3)

حقا لماذا نحمّل الغرب، مُدعي حقوق الإنسان، مسؤولية الاعتداءات بحق المسلمين، واللوم بل الإجرام كله يقع على عاتق الحكام المسلمين الذين يحرضون علينا ويمكّنون منا، بما يرتكبونه من جرائم وحشية في حق شعوبهم؟

فمجازر السفاح “بشار الأسد” التي بدأت مع ثورة الشعب السوري ضد نظامه الفاشي المستبد عام 2011، لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، ولا زالت طائراته تُلقي بمئات البراميل المُتفجرة على شعبه الأعزل في إدلب، ولا يزال حليفه الروسي الذي استنجد به ليحميه من ثورة شعبه ضده، يقصف بطائراته وصواريخه المحملة بالقنابل الفوسفورية، المُحرمة دولياً، السوريين في إدلب وريف حماة وريف حلب وبعض المناطق في اللاذقية المجاورة. ولا تزال فرق الحرس الثوري الإيراني بقيادة “قاسم السلماني” ومليشيات حزب الله الذي استعان بها السفاح بشار في معركته مع شعبه؛ تعيث في الأرض الفساد، وتحرق الأخضر واليابس في سوريا الحبيبة.. هذا القصف المتواصل أسفر خلال الثلاثة أشهر الماضية فقط، وفق بيان للأمم المتحدة، عن قتل الألاف من السوريين المدنيين العزل، من بينهم مئات الأطفال، ودفع أكثر من 400 ألف سوري إلى الفرار من لهيب النيران والنزوح إلى شمال غرب سوريا على الحدود؛ حيث لا مأوى لهم إلا أشجار الزيتون!

نتحدث هنا فقط عن معارك إدلب الأخيرة، ولا نتكلم عما ارتكبه نظام السفاح “بشار الأسد” وحلفاؤه الروس والإيرانيون في سوريا من مذابح خلال ثماني سنوات، هي عمر الثورة السورية المغدورة، حيث يقترب عدد الشهداء إلى المليون شهيد. فحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، يُقدر عدد القتلى من المدنيين منذ بداية الثورة وحتى آذار/ مارس 2018؛ بـ511 ألفا، من بينهم 19811 طفلاً، في حين قُتل في الوقت ذاته أكثر من 12 إمرأة، وتوفي أكثر من 60 ألف سجين سياسي تحت التعذيب.

وقدرت “منظمة العفو الدولية” أن حوالي 13 ألفا أعدموا في عمليات إعدام جماعي، وأوضحت أن هؤلاء يضافون إلى 17700 شخص قُتلوا في سجون النظام وسبق أن أحصتها المنظمة في سجن صيدنايا، منددة بسياسة الإبادة التي ينتهكها النظام.

وأصيب ثلاثة ملايين بجروح، بينهم مليون ونصف المليون يعيشون اليوم في إعاقة دائمة، و86 ألفا اضطروا للخضوع لعمليات بتر أطراف. ونصف مليون شخص اعتقلوا في سجون النظام منذ بدء الثورة. كما أرغمت الحرب أكثر من ستة ملايين شخص على الفرار خارج البلاد، كلاجئين في شتى بلاد العالم، وستة ملايين آخرين نزحوا لمناطق أخرى في الداخل السوري بعيداً عن أماكن القصف، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين.

هذه الأرقام يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان، ويقف أمامها الكيان الصهيوني والهند والصين وبورما خجلاً بالمقارنة بمجازرهم في حق المسلمين في بلادهم!! إن ما يرتكبه الحكام العرب من جرائم في حق شعوبهم أعظم وأفدح مما يرتكبه من يوصفون بـ”أعداء الأمة” في حق المسلمين!

لم تُقدم ثورة في التاريخ ما قدمته الثورة السورية من تضحيات، لقد قدمت فلذات أكبادها قرابين للحرية والكرامة، فإذا بالعالم أجمع ينقض عليها ويحاربها. وكان جرحها الأكبر من ذوي القربى، أخوة الدين والعروبة الذين تآمروا ضدها بدلاً من مساعدتها ودعمها، فلماذا يساعدها العالم وقد تخلى عنها بني جلدتهم؟! بل لماذا يساعدها والنظام يصف الثوار بالإرهابيين، وهو الذي يرفع شعار الحرب على الإرهاب؟ فنظام بشار يقوم بالحرب نيابة عنهم، لذلك حرصوا منذ البداية على ألا يسقط السفاح بشار، وإن كانوا قد راوغوا في البداية وموهوا بضرورة رحيله، على لسان رؤساء أمريكا ودول الغرب عامة، ثم انكشفت الخبايا، واتضح خداعهم، وكيف أنهم أكثر المتمسكين ببقائه، حماية للكيان الصهيوني؛ الذي في ظله أصبحت الجولان رسمياً داخل حدوده. بل إنني أجزم بأن دخول روسيا إلى سوريا، لإنقاذ السفاح بشار بعد أن كان آيلاً للسقوط، لم يكن ليحدث إلا بضوء أخضر من أمريكا وموافقة دول الغرب والكيان الصهيوني ومباركة الأنظمة العربية؛ التي تُدير الثورات المضادة من داخل مركزها المتصهين في دولة المؤامرات العبرية..

لقد حذرنا في مقال سابق عن الهدنة ووقف إطلاق النار التي أعلنها النظام القاتل وحلفاؤه الروس، بعدما فشلوا في دخول إدلب التي تحمل بين جنباتها الثورة السورية الباسلة، وقلت إن هذه الهدنة ما هي إلا خدعة كبرى كسابقاتها؛ لشراء مزيد من الوقت لإعادة تأهيل القوات ولمواصلة الهجوم من جديد، ولتستمر إراقة دماء السوريين، حيث لا ثمن للدم السوري ولا عقاب لمزهقيه!! وهذا ما حدث مباشرة بعد مؤتمر “أستانا 13″، إذ تجددت الاشتباكات في إدلب، ورغم بسالة الثوار في القتال ودفاعهم المستميت عن أرضهم، إلا أن روسيا اتبعت سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها من قبل في “جروزني” في الشيشان، واستطاعت أن تدخل “خان شيخون” على أنقاض جثث السوريين. وفي طريقها إلى “معرة النعمان” بعد سلسلة من المجازر أحدثتها في طريقها. وها هو النظام السوري وحلفاؤه يعيدون نفس الخدعة ويعلنون هدنة جديدة على لسان المحتل الروسي، وليس على لسان نظام السفاح!!

الكارثة الإنسانية في إدلب تفوق الوصف.. أكثر من ثلاثة ملايين سوري عالقين جراء القصف المكثف والمتواصل من الطيران الروسي، والعالم كله يشاهد ولم يحرك ساكناً، فلقد مات الضمير العالمي بعدما اشتري في سوق البترودولار..

للأسف، لقد أصبحت إدلب منطقة صراع دولى يدفع ثمنه السوريون من دمائهم ومقدراتهم وأرضهم، بتواطؤ من منظومة عربية متصهينة خائنة..

* * *

ولماذا نلوم العالم على المذابح ضد المسلمين، والصبيان المراهقان “ابن سلمان” و”ابن زايد” يرتكبان منذ خمس سنوات مجازر بشعة في اليمن، تشيب لها الولدان، وكلها ترقى إلى جرائم حرب؟

فتحت شعار ضال أطلق عليه ولي العهد السعودي “عاصفة الحزم” لاستعادة الشرعية في اليمن تحت غطاء زائف، سُمي “التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية”، غزا اليمن وأحرق البلاد والعباد فيها، ودمرها تدميراً، ومحى مدنا وقرى بأكملها وجعلها أثراً بعد عين، وأصابت صواريخه المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد، حتى حفلات الزفاف لم تسلم من صواريخه، ولم تنج حافلات مدارس الأطفال من صواريخه..

لقد قُتل وجرح مئات الآلاف من المدنيين العزل، وأصيب عشرات الآلاف بالأوبئة الخطرة، أبرزها وباء الكوليرا الذي حصد آلاف الأرواح من اليمنيين، ودخلت البلاد في شبه مجاعة بفعل هذا المغرور (ابن سلمان)، الذي غدر به صديقه وحليفه في التحالف (ابن زايد) واستولى على عدن، وقام بفصل جنوب اليمن عن شماله، من خلال مجلس انتقالى جنوبي تابع للإمارات، بعد مسرحية سخيفة ومفضوحة، وقامت طائراته الحربية بقصف الجيش اليمني (الذي هو تحت إمرة التحالف بقيادة ابن سلمان) في عدن وأبين، مما أسفر عن سقوط أكثر من 300 شخص بين قتيل وجريح.

وإنه لمن دواعى السخرية أن الإمارات في بيانها الرسمي تبرر قصفها للجيش اليمني؛ بأنه يندرج تحت حربها المستمرة على الإرهاب، وهكذا أصبح شريك الأمس في التحالف والذي خضتم الحرب من أجله؛ إرهابياً!!

“الإرهاب” هو الشماعة التي اخترعوها لإثارة الفتن في المنطقة، وإشعال الحروب فيها. ولا جدال في أن قوى الانقلابات والثورات المضادة؛ هي صانعة هذا الإرهاب والمستفيدة منه. وإنه لمن دواعي الحزن والأسف، أن الحكام العرب هم مَن يقسمون الأمة، ويشعلون الفتن والحروب فيها لحساب عدوهم الذي يتنافسون على مرضاته، إنهم الصهاينة العرب، وهم الأشد خطراً من الصهاينة الإسرائيليين..

كانت كل المؤشرات تشير إلى أن عُرى العلاقة بين السعودية والإمارات لا تنفصم على الساحة العالمية، إذ تعمد البلدان الظهور بمظهر مَن يتمتع بالنفوذ في الشرق الأوسط، والمقرب من صانع القرار في البيت الأبيض والمتمتع بتأييده، وأنهما أقوى بلدين في المنطقة يسيرانها حسب مصلحتهما. واستخدما كل ما يملكانه من سطوة مالية وقوة عسكرية في اليمن لإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة بما يتفق مع مصالحهما.

إننا أمام سيناريو لتقسيم اليمن بتوزيع أدوار بين التحالف والحوثي والمجلس الانتقالى الجنوبي برعاية أمريكية.. وما المعارك الدائرة حاليا على الأرض إلا تحديداً لنقاط التماس بين القوى المتصارعة، في ظل حديث عن توجه أمريكي لفتح حوار مع الحوثيين.

إن مشروع التقسيم في المنطقة جار على قدم وساق، وخارطة الوطن العربي يُعاد رسمها بدماء أبنائها على أسس عرقية ومذهبية وطائفية، ليس في اليمن فحسب، بل في كل البلدان العربية، ليبقى الكيان الصهيوني هو الأقوى والكل يدور في فلكه ويطلب وده.

لقد رجعت الأمة لحروب “داحس والغبراء”، بفضل خيانة وتآمر حكامها الصهاينة العرب، ولولاهم لما استباح الكيان الصهيوني كل الأراضي العربية دون رادع، فهو متناغم مع المنظومة المتصهينة في أمتنا، لذلك دخلت في تحالف معه، وهي متفقة على قصف الشعوب العربية ووصمها بالإرهاب، رغم أن هذه المنظومة هي الإرهابية.

فلا تلوموا الغرب ولا الهند ولا الصين ولا بورما رغم إجرامهم، فهم يسيرون على نهج الحكام العرب الصهاينة، الذين ينتهجون سياسات موالية لأعداء الإسلام في العالم كله. لقد آثروا مصالحهم الذاتية على مصالح الأمة، وهانت عليهم أنفسهم، فهانت الأمة على أعدائها، ولولاهم لما اضُطهد المسلمون في العالم كله، ولا جرأت أي دولة مهما بلغ حجمها عليهم، وما أجرم أي حاكم في حقهم “ومَن يُهنِ اللهُ فمَا لَهُ من مُكرمِ”..

المصدر: عربي 21