من جبهة النصرة إلى تحرير الشام…خطاب متغيِّر وبحث عن توسيع الحاضنة..اعتماد على حملات دعائية خطابية ومحاولة إنتاج صورة جديدة ملمَّعة

36

جبهة النصرة لأهل الشام، تنظيم القاعدة في بلاد الشام، جبهة فتح الشام، وأخيراً هيئة تحرير الشام، كلها أسماء لتنظيم واحد، سلكت ذات الطريق، وتحولت مع تغيرات المناخ العسكري والسياسي المحلي والإقليمي والدولي، وباتت النصرة بتسمياتها المتلاحقة، بين نصير ورافض، بين قاعدة شعبية انقلبت عليها، وقاعدة أخرى انخفضت في نسبتها المؤيدة، بعد تكشِّف الغيوم عن الممارسات المتكررة، بدءاً من التضييق على الأهالي في مناطق سيطرتها، لحين تحولها بقوة إلى الاقتتال مع الفصائل المحلية السورية، ومع كل هذه المتغيرات المرحلية، صاحب التحركات العملية على أرض الواقع، أسلوب دعائي، خطابي، تجلى بأشكال متعددة، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان زبدته، عبر متابعاته المتواصلة للساحة السورية اليومية

جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) والخطاب الدعائي المتطور

نتيجة للتصادم مع رافضين لها داخل مناطق سيطرتها، ومنعاً للتصادم المباشر مع الفصائل العسكرية المتواجدة بها في المناطق ذاتها، عمدت جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) إلى البحث عن طريقة تزيد فيها من أعداد مقاتليها، وليس أيما مقاتلين، بل مقاتلين يتوغل فكرها لداخل عقولهم، عبر دفع المدنيين إلى التطوع بشكل إرادي، تكون خلفياته الرئيسة في نفوس الأخير هي الرضا الكامل عن هذا التنظيم، والذي سيفتح الباب أمام تشكَّل الولاء الكامل لجبهة النصرة، ولتحقيق هذا الهدف فقد عمدت جبهة النصرة إلى تنظيم حملات سواء عبر المنشورات الورقية التي تقوم بتوزيعها في مناطق سيطرتها، أو عبر تركيز الخطب في المساجد ضمن المناطق ذاتها، أو عبر مناظرات ولقاءات وندوات تعقد في مناطق سيطرتها والتي تموضعت في الفترة الأخيرة بشكل أكبر ضمن محافظة إدلب في الشمال السوري وما يتصل بها من مناطق في المحافظات المحيطة، ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان تنظيم جبهة النصرة لحملة تحت مسمى (انفر)، والتي هدفت إلى تطويع أكبر عدد من المقاتلين ضمن صفوفها، بحيث ركزت على المقاتلين الفتيان والشبان من الغير متزوجين، حيث تعمد جبهة النصرة إلى استخدامهم في عمليات خاصة تتمثل بما أكدته مصادر موثوقة للمرصد السوري أنها “أعمال تجسس لصالح النصرة وقتال الفصائل الأخرى وإحكام قبضتها على محافظة إدلب”، على الرغم من إعلانها الصريح بأن هدف الحملة وجبهة النصرة هو “قتال النظام والميليشيات الشيعية”، وأردفت المصادر قائلة أن هدف الحملة يتحقق عبر خلق الولاء المطلق في نفوس المتطوعين، وتعزيز قوتهم عبر تصريحات متلاحقة، في عمليات التدريب، وخطابات شبه يومية، تؤكد لهم قوة النصرة وتقدمها، وقدرتها على صد أي هجوم أو عملية ضدها، سواء أكانت من النظام أم من المسلحين الموالين لها أم من الفصائل العاملة على الأرض السورية

النصرة تلبس أهدافها المبطنة رداء الاستعطاف الديني لتحقيق أهداف حملاتها

بعد حملة “انفر” التي تطوع فيها عشرات الشبان والفتيان، كان قسم كبير منهم من قاطني المخيمات السورية، التي جرت فيها هذه الحملة، بإشراف كبار القياديين في جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في بلاد الشام)، بدأت النصرة باسمها الجديد “هيئة تحرير الشام”، حملة أطلقت عليها تسمية “جاهد بمالك لتجهيز مجاهد”، والتي تجري في هذه الآونة من العام 2017، واتهم أهالي ومزارعون هيئة تحرير الشام، بسيلان لعابها على مواسم الزيتون ورؤوس أموال، الأمر الذي أثار استياء البعض الذي قال صراحة، أنه “رغم الاستيلاء على الغنائم وتفكيك المعامل ونهب المرافق العامة، فإن الجبهة تمادت إلى أملاك خاصة لمواطنين””، فيما أكدت مصادر أخرى للمرصد السوري أن “حملة جاهد بمالك لتجهيز مجاهد”، هي حملة تناسب أي وقت، ومن الممكن إعادة تطبيقها أكثر من مرة، إذ تهدف الحملة إلى جمع تبرعات مالية، يقدمها تجار أو مواطنون، حيث أن الأمر دفع بعض المواطنين أو التجار وأصحاب رؤوس الأموال، إلى تقديم مبالغ مالية بشكل دوري، عن رضا نفسي تجاه هذه الحملة، ودونما السؤال عن الجهة التي تذهب إليها أموالهم التي يدفعونها، إلا أن البعض الآخر وفق ما أكدت مصادر أهلية للمرصد السوري، عمدوا إلى دفع المبالغ على أساس منفعي كامل، يقوم على تأمين هيئة تحرير الشام الحماية لهم بشكل غير مباشر، ودعمهم وتسهيل تسيير أعمالهم، وغض الطرف عن تجاوزاتهم، وانتقد البعض تحرير الشام بأنها “تعمد إلى استخدام الاستعطاف الديني كوسيلة للوصول إلى غايتها في جمع الأموال”، كما يُعتمد بشكل متلاحق على المنشورات الدعائية والتحريضية، والدعوة للانضمام إلى صفوف هيئة تحرير الشام، والتي يجري توزيعها في الأسواق وعلى مفارق الطرق وفي الأماكن العامة، والتي ترافقها عملية الكتابة على الجدران ونشر فكر هيئة تحرير الشام وتعليماتها، بأسلوب يصل إلى العامة، والتي تضمنت بعضها شعارات تحريضية للانضمام، وأخرى “شرعية” تدعو للالتزام بـ “الشريعة الإسلامية” والعفة والحياء للمرأة”، كما تعدت بعض المنشورات إلى تقديم أفكار ومقولات تناهض الديمقراطية واعتبارها شعارات “كافرة”

الاعتماد على خطباء ذوي تأثير على المواطنين

لتتمكن هيئة تحرير الشام من إحداث التأثير المنشود من دعواتها وحملاتها، كان يجب الاعتماد على خطباء ذوي تأثير فكري، وقادرين على إشعال الحماسة في نفوس العامة والمستمعين إلى هذه الخطب، إذ تعمد إلى التجوال على متن سيارات مجهزة بمكبرات صوت ضخمة، تجول في المدن والأرياف ضمن مناطق سيطرة تحرير الشام، وتبحث عمن يمكنها تحقيق هدفها فيهم، بالاعتماد على خطباء وأشخاص ذوي تأثير خطابي عاطفي، فيما رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان تحول الخطاب العام لهيئة تحرير الشام، بحيث أعادت إدخال مصطلحات كانت مرفوضة في خطابها الداخلي والعام سابقاً، مثل “الحرية – المظاهرات – الثورة السورية””، وتحدث أهالي ومصادر للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلين:: “”الخطاب الديني تطور لدى جبهة النصرة لحين تحولها إلى هيئة تحرير الشام، بحيث باتت في تطورها الأخير تتحدث عن مصطلحات غيبتها عمداً، بل وتعدى التغييب بشكل عملي إلى التصدي لمظاهرات كانت تطالب بالديمقراطية والحرية والمساواة وتمجد الثورة السورية، إلى حد إنزال رايات الثورة السورية في عدة أماكن بمحافظة إدلب ومناطق سورية أخرى، كما واصلت عملية استعطافها الديني بالاعتماد على أقوال دينية وقصص تتحدث عن عمليات دعم مالي للمجاهدين، فيما ذهبت تحرير الشام لحد تنصيب نفسها وصية على هذه الثورة””

تحرير الشام ترقع نفسها بعد الأثر السلبي الذي تركه اقتتالها وممارساتها تجاه الجهات المعارضة وحاضنتها

“الهيئة تمتلك شرعيين مرقِّعين”، هذا ما وصفته مصادر موثوقة مقربة من هيئة تحرير الشام وعلى إطلاع بخطابها، والذي أضاف أنهم يؤثرون بشكل كبير على شريحة واسعة من المجتمع الذي تتواجد فيه الهيئة، ويتعدى تأثيرهم إلى مناطق أخرى في الداخل السوري، عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد عليها، ويأتي الترقيع بحسب المصادر نتيجة استمرار التأثير على المواطنين ومحاولتها إعادة تلميع صورتها، عقب دخول تحرير الشام في اقتتال مع عدد من الفصائل العاملة في ريف حلب وريف إدلب، من حركة أحرار الشام الإسلامية وفيلق الشام وحركة نور الدين الزنكي وفصائل أخرى، إضافة لتسريب تسجيلات صوتية نسبت إلى قيادي مصري “أفتى الاقتتال مع الفصائل”، يدعو فيها لتصويب الرصاص إلى رؤوس معارضيها والمتقاتلين معها، وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات التي تكررت بشكل متلاحق على فترات ليست بالمتباعدة، أثَّرت في نفوس المدنيين بشكل خلق تنافراً بينها وبين الهيئة، إضافة لخلقها احتقاناً واستياءاً وكرهاً لقيادات جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام)

استخدام المساجد ومنابر الجمعة لتمرير رؤيتها لعامة الشعب ضمن مناطق تواجدها

يتحدث المقربون من هيئة تحرير الشام والمطلعون على سير سياساتها، عن أن هيئة تحرير الشام ابتعدت عن الخطابة الحرة على منابر المساجد في خطب الجمعة، وتحولت الخطب إلى خطب إما مركزية تتحدث عن الموضوع ذاته في معظم المساجد ويكون متفقاً مسبقاً على الفكرة ونقاط الحديث، أو تأتي بشكل محضر مسبقاً ومصاغ من قبل جهات مسؤولة عن خطب الجمعة في هيئة تحرير الشام، ويجري فرض عقوبات ومساءلات على الرافضين وغير الملتزمين بها، وتجلى هذا الأمر في توحيد الحديث عن التدخل التركي في سوريا بمنتصف أيلول / سبتمبر الفائت من العام الجاري 2017، واعتباره “احتلالاً” كما حثوا الخطباء على وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ “المرتد” وتكفير الحكومة التركية، الأمر الذي أثار استياء بعض المواطنين، وقاموا بطرد الخطيب المبتعث من الهيئة، كرد فعل منهم تجاه الخطب هذه، وبمثابة تعبير من الأهالي في المناطق التي طرد منها خطباء الهيئة، عن القبول بالتدخل التركي، على الرغم من أن الهيئة رافقت لاحقاً الوفود العسكرية التركية وقامت بحمايتها حين دخولها إلى الأراضي السورية في إدلب وريف حلب الغربي، وقامت بالتجوال معهم على تخوم عفرين، في عدة مرات دخل فيها الوفد قبيل وبعد دخول الأرتال العسكرية التركية وتمركزها في محيط عفرين، كما اغتيل في وقت سابق عدة خطباء وقياديين في التنظيم عرف عنهم معاداتهم للدخول التركي

هيئة تحرير الشام تعمل على تمجيد قائدها ووضع الفكر العام لمناصريها في سياق واحد

تعمد هيئة تحرير الشام إلى قولبة فكر مناصريها وعناصرها، ووضعها في سياق واحد، بحيث ينظر الجميع بالمنظار نفسه، حيث اتهمت الديمقراطية بدين الغرب وبأنها كفر، كما اتهمت تركيا بـ “الكفر” وأردوغان بـ “الرِّدَّة” وحركة أحرار الشام الإسلامية وفصائل أخرى بـ “العملاء وقطاع الطرق”، كما تقوم بتمجيد قادتها وعلى رأسهم زعيمها الرئيسي “أبو محمد الجولاني”، فيما يعزز قادة وعناصر النصرة تواجدهم، عبر مد حبال الوصل مع وجهاء القرى والبلدات والمدن، ومنظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية، لتقوية شبكة علاقاتها، وتقريب المسافة، وفرض نفسها كوسيط لحل لالخلافات المجتمعية والفصائلية وإصلاح ذات البين، كما تعتمد هيئة تحرير الشام على إنتاج صورة جديدة للهيئة ومشروعها، ووضعه ضمن سياقات غير مرفوضة من عناصرها ومناصريها وحاضنتها، بحيث تفنِّد خصومها المحليين والإقليميين والدوليين

هذا الواقع المستمر إلى الآن في الشمال السوري، والذي يفرضه وجود هيئة تحرير الشام، لا يزال يقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض، وثالث محايد، لا يرى في نفسه قابلية لمنع أي أمر واقع مفروض داخل البلاد، وكل يجد في نفسه الرضا أو الرفض أو بدون رأي، حسب ما يصنف به