من غوانتانامو إلى سجن غويران “الطبعة الأخيرة للحرب على الإرهاب”

خرج المتحدث باسم “وحدات حماية الشعب” YPG نوري محمود ليتحدث في اليوم السادس بعد التمرد الذي وقع في سجن غويران (الصناعة) في مدينة الحسكة، “كاشفا” عن محاولة “تركية أردوغانية” للاستيلاء على مدينة الحسكة، وباقي مناطق سيطرة قسد عبر معتقلي السجن من القيادات الخطيرة لتنظيم داعش. “محاولة أنفق عليها MIT وفق تصريحه حتى الآن خمسة عشر مليون دولار، لكن الشعب وقف مع قسد وأفشل المشروع“[1]. مندوب سوريا في الأمم المتحدة يقول أن ماحدث “يهدف بوضوح إلى إعادة تدوير عناصر تنظيم داعش الإرهابي، وإيجاد الذرائع لاستمرار الوجود اللا شرعي للقوات الأمريكية على الأراضي السورية، ومواصلة تدخلها في الشؤون الداخلية ونهبها للثروات الوطنية، ودعم ميليشيات انفصالية تعمل على تهجير السكان العرب من أهالي المنطقة.[2]  في حين تٌختصر المواجهة بين المندوب الروسي ونائب المندوبة الأمريكية، في جلسة نفسها، بإنموذج لبروباغندا التوظيف الفائق وتزوير المعلومات في حقيقة ما يحدث في الجزيرة السورية . وغياب أية اقتراحات عملية من أجل وضع حد لوضع بشري مأساوي يعيشه 100 أضعاف من البشر، لما ضمته أسياج منتجع غوانتانامو.

وسائل الإعلام كانت تكتفي بنقل ما يصلها من بعض المنظمات السورية غير الحكومية، أما الأمم المتحدة فاكتفت بتصريحات لمؤسساتها المختصة: سواء حول نزوح آلاف المدنيين من منطقة “التوتر” أو اليونيسيف التي أبدت قلقها على مصير 700 طفل محتجز في الطابق العلوي من السجن لا يوجد معلومات عن مصيرهم.

من المثير للاشمئزاز، هذا الاحتقار لعقول الناس، وهذه السطحية في التعامل مع موضوع بهذه الخطورة. فنحن في مواجهة أكبر مشكلة للتعامل مع مجموعات بشرية واسعة لا سابق لها من حيث الحجم، منذ إطلاق جورج بوش الابن ما سماه “الحرب على الإرهاب”. مشكلة متعددة الأبعاد، إنسانية وجيو سياسية وحقوقية، تتعلق بمصير أكثر من 60 ألف شخص (من رجال ونساء وأطفال)، جرى تكديسهم في مخيمات اعتقال/لجوء وأكثر من عشر سجون، في ظروف لا إنسانية، بكل المعاني، يعاملهم البعض باعتبارهم طاعون الإرهاب الأسود، والبعض الآخر باعتبارهم ورقة من أوراق الصراع الإقليمي والدولي على سوريا.

متناسين أن مجرد وجودهم، يخلق حالة “تطبيع” مع استمرار وجود عشرات آلاف المعتقلين في سجون السلطات السورية، وآلاف المعتقلين في أحد عشر سجنا بنتها مخابرات جبهة النصرة/هتش…

مجرد وجودهم، يعني أن الحل السياسي، ضمن هذه العقلية، لا يمكن إلا أن يكون في مفاوضات بين “المتقاتلين” ممن تلوثت أيديهم بالدماء والفساد،

مجرد وجودهم، يعني سيطرة “الكادرو”/العسكري شرقي الفرات، على كل مفاصل ما يسمى بالإدارة الذاتية وهيئاتها وأحزابها، ولكن أيضا حقول النفط والغاز والثروات الزراعية..

مجرد وجودهم، يضع الأغلبية العربية شرقي الفرات، تحت سلطة أمر واقع لا يعرفونها، ولا يتعرفون على أنفسهم بها… ويضع على جبين كل رافض لها، وسمة “الداعشية”؟

مجرد وجودهم بعني أن التراجيديا السورية ما زالت تنتظرها سنوات أخرى من الأوجاع والمآسي.

بالنسبة للقيادة الأمريكية للتحالف الدولي ضد الإرهاب، ولأسباب عديدة، بعضها داخلي، وبعضها الآخر إقليمي.. ما زالت الكفة تميل إلى بقاء قوة عسكرية أمريكية في سوريا ضمن مبدأ “صفر خسائر”. لذا صدّرت أنموذجها للشركات الخاصة لإدارة السجون، بتكليف اسمي مباشر لقوات سوريا الديمقراطية (في واقع الأمر لوحدات حماية الشعب الكردية وجهازي الأمن ومكافحة الإرهاب المنبثقين عنها). بالمقابل، تضمن القوات الأمريكية بقاء السيطرة الكاملة لمناطق النفط والغاز، لهذه القوات، لتخفيف الأعباء المالية على “البلد الأغنى في العالم”. وكأية صفقة تجارية/عسكرية، باستعمال تعبير الرئيس السابق رونالد ترامب، تتحمل “الشركة” المسؤولية القانونية والمادية عن ما يحدث في منتجعات ومخيمات الاعتقال. وكما تتدخل FBI  لمساعدة الشركات الخاصة المتعهدة لسجون أمريكية، عند حصول تمرد أو مشكلة، فإن القوات الأمريكية، جاهزة لتقديم ما يحتاجه “الكادرو” المكلف بإدارة شؤون “نفايات الحرب على الإرهاب”. إضافة لذلك، تقدم قوات التحالف للشركة المحلية، ما تحتاجه للتسويق الخارجي من Respectability: زيارات قناصل عشرات الدول لمتابعة شؤون “رعاياهم”، التواصل مع المؤسسات الدولية المعنية، فتح مكاتب في العواصم الغربية “للإدارة الذاتية”، بل استقبال عدد من كبار المسؤولين الغربيين لهم.

في حفلة النفاق الجماعية هذه، قام (أبو عبد الرحمن وأبو الفاروق “من المهاجرين”) من تنظيم داعش، بعملية انتحارية بشاحنتين مفخختين استهدفت جدران سجن غويران (الثانوية الصناعية سابقا) في مدينة الحسكة، حيث جرى تكديس أكثر من 3600 معتقل من التنظيم السيء الذكر بينهم 700 فتى قاصر[3]. عادت سوريا للصحافة والإعلام بعد غياب طويل، وعاد “المختصون في شؤون الإرهاب” إلى الشاشات، وخرج المحللون من إجازة الكوفيد19 الطويلة، وقفز من جديد موضوع “النفايات البشرية للحرب على الإرهاب” إلى السطح. ورغم قيام القوات الأمريكية بعملية خاصة، لقتل عبد الله قرداش، “خليفة البغدادي”،  لقلب سريع لهذه الصفحة، لم يعد بإمكان أحد أن يغمض العين عن قضية سجون ومخيمات شرقي الفرات…

أعلمتنا صحفية بريطانية، في أيلول/ سبتمبر 2021 أنها وجهت السؤال لأحد “المسئولين” في سجن غويران، عما إذا كانت إدارة السجن مطلعة على “القواعد الدنيا لمعاملة السجناء” للأمم المتحدة لعام 1984 فطلب منها استيضاحا لأنه لم يسمع بهذا التعبير قبلا. وعندما عرضت عليه لمحة عنها، سارعها بالقول: “هؤلاء ليسوا سجناء، هؤلاء وحوش قتلة لا علاقة لهم بما تقولين”. قالت له: إن كانوا وحوشا قتلة، كيف تضعونهم في مهاجع جماعية مكتظة، ألا تخشون من تكرار ما حدث في سجن التاجي وأبو غريب في العراق في 2013؟”. تفاجأت زميلتنا بأن محدثها لم يسمع أيضا بالهجوم على السجنين العراقيين وفرار أكثر من ألف داعشي قبل تسع سنوات.

منذ انتهاء معركة الباغوز، في 23 آذار/مارس 2019، وتجميع سجناء داعش وعائلاتهم، كانت الأنباء الأولى الموثقة، تأتينا عن دفع مبالغ مالية كبيرة لتهريب بعض العناصر القيادية إلى تركيا[4]. ومعروفة أسماء الكثيرين ممن تورط في هذه “التجارة” من “وحدات حماية الشعب” أو أقاربهم. ومن المضحك أن يتم الحديث عن أموال “تركية” لدعم عملية غويران ومازال بيت مال داعش حتى اليوم، مصنفا من حيث تقدير موارده المالية، في الموقع الثاني، بعد حزب العمال الكردستاني PKK، بين مختلف التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب في أوربة عند عدد من مراكز الدراسات المختصة.

في مطلع العام، وفي حديث مع قيادي من شرقي الفرات، حذر أحد معدي التقرير من القنبلة الموقوتة التي تشكلها معتقلات داعش شرقي الفرات. وقال لمتحدثه حرفيا: “إذا وضعت 4000 داعشيا في مكان مكتظ، وصلى كل واحد الصلوات الخمس ثلاث مرات زيادة عن الفرض وصلى التراويح وصام كل خميس، وترتيل الأدعية وقرأ سورة البقرة والمائدة، يبقى عنده عشر ساعات فراغ، حسب معلوماتنا شبكة الاتصالات بين السجون وخارجها موجودة، بما فيها المراسلات والخليوي، ورشوة الحراس معروفة. لا تستغبوا هؤلاء، من قام بتمرد سجن صيدنايا وفك أكثر من ألف داعشي من سجني التاجي وأبو غريب، سيجد ألف وسيلة لمتابعة “جهاده” من خلف القضبان، توقفوا عن الترقيع والتعامل بالقطعة، يجب وضع ملف السجون والهول وروج على الطاولة، من أجل حلول جذرية تحترم القواعد الأساسية لحقوق الإنسان”. كان جوابه “الأمور تحت السيطرة بإمكانياتنا القليلة، لكن هذه مسؤولية دولية وليس لدى قسد الإمكانيات المادية والبشرية للقيام بها وحده”.

من غوانتانامو إلى الجزيرة السورية!

في 2002، بعد تجهيز وزراة الدفاع الأمريكية لمنتجع غوانتانامو في الحادي عشر من يناير/ك2 لاستقبال من يُعتقل من “المقاتلين الأعداء” في أفغانستان وباكستان وحيث أمكن. تداعى أحد محرري هذا التقرير، مع محامين وحقوقيين من مختلف دول العالم، لتشكيل “التحالف الدولي لإغلاق غوانتانامو”. بعد عشرين عاما، ما زال في ذاكرتنا بيان “منظمة العفو الدولية” الذي وصف غوانتانامو “بهمجية العصر”، أما بيان “اللجنة العربية لحقوق الإنسان” فقد دق مبكرا ناقوس الخطر: “الشر لا يعالج بالشر، إن كانت الإدارة الأمريكية تواجه “الإرهاب” بأساليب همجية، فما الفرق بين سلوكها وسلوك الإرهابيين؟ السجون السرية والقوائم السوداء و”السماح بالتعذيب” وغوانتانامو، ستصبح، عاجلا أو آجلا، المنتج الأول للإرهاب على الصعيد العالمي” (13/05/2003). بلغ عدد معتقلي غوانتانامو في قوائم المراسلات التي كشفتها ويكيليكس 779، بينهم طفلان تحت سن الثامنة عشرة، وهناك قرابة 132 اسم غيرهم صنف في خانة “غير معروف” (12 منهم قتل في سوريا بعد 2013). عند انطلاقة ما يعرف بالربيع العربي، كان قد أفرج عن معظم المعتقلين باستثناء أربعين معتقلا، وفي احصاءاتنا، توفي ثمانية معتقلين في غوانتانامو (لا يمكن التأكد من سبب الوفاة لرفض إدارة السجن تسليم الجثث لأهاليهم). يتحدث المحامي البريطاني كليف ستافورد سميث الذي كان من المناضلين لإغلاق غوانتانامو، بعد زيارة لشرقي الفرات قبل سبعة أشهر يقول: كان هناك 780 معتقلاً في غوانتانامو، جميعهم رجال، لذلك كان من المعقول على الأقل أنهم قد شاركوا في قتال القوات الأمريكية في أفغانستان. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى يتمكن جميع القادة الأوروبيين تقريبًا من إدانة نظام غوانتانامو، والدعوة لمنح السجناء حقوقهم، وإغلاق الثقب الأسود القانوني. وحتى الآن تم الإفراج عن 740 (95 في المائة) ، مع اكتشاف أنهم في الواقع لم يشكلوا تهديدًا لأي شخص…. قارنوا الوضع بسوريا اليوم: لقد احتجز مخيم الهول وحده مائة ضعف عدد الأشخاص في غوانتانامو، والأغلبية الساحقة من الأطفال الصغار الذين يستفيدون، في ظل الإملاءات الطبيعية للحضارة، من افتراض لا يقبل الجدل بشأن البراءة”[5].

في تعقيب على وفاة ثمانية أطفال في مخيم الهول في آب/أغسطس 2021، قالت المديرة التنفيذية لمنظمة يونيسف، هنرييتا فور، في بيان لليونيسيف: “إن وفاة أي طفل هي مأساة، لاسيّما إذا كانت لأسباب يمكن تجنبها”. وأضافت تقول: ” تستمر معاناة نحو 40 ألف طفل من أكثر من 60 دولة في مخيم الهول. هؤلاء يفتقرون للوصول إلى الخدمات الأساسية، ويتعيّن عليهم تحمّل حرارة الصيف القائظ وصدمة العنف والنزوح“.

قبل عشرة أيام من هجوم سجن غويران، أعرب المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا، عمران رضا، والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية، مهند هادي، عن الأسف في أعقاب وفاة عامل إغاثة سوري – قُتل في هجوم مسلح على منشأة صحية في مخيم الهول. وجاء في بيان نشر على الموقع الأممي: “منذ كانون الثاني/يناير 2021 حتى هذا التاريخ، تلقت الأمم المتحدة بلاغات عن 90 حادثة قتل لسكان سوريين وعراقيين في المخيم، بمن فيهم عاملان إغاثيان على الأقل. وأصيب كثيرون آخرون بجراح خطيرة[6].

تروي الصحفية بيل ترو، بعضا من أهوال الهول، وشهادات مؤلمة، إثر زيارة لها للمنطقة في نوفمبر 2021. مضيفة: “في الواقع ، تقول جماعات حقوق الإنسان الدولية، التي تم استهداف موظفيها ومقارها الرئيسية أيضًا، أنه من حيث معدل جرائم القتل للفرد هذا العام، فإن مدينة الهول أكثر دموية من كاراكاس، فنزويلا، العاصمة الأكثر دموية في العالم”.[7]

في تقرير لها حول الأجانب في المخيم، قالت هيومان رايتس وتش: “إن نحو 43 ألف أجنبي من الرجال، والنساء، والأطفال المرتبطين بـ تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف بـ داعش ما زالوا محتجزين في ظروف لا إنسانية أو مهينة من قبل السلطات الإقليمية في شمال شرق سوريا. يحدث ذلك غالبا بموافقة صريحة أو ضمنية من الدول التي يحملون جنسياتها، بعد عامين من اعتقالهم أثناء سقوط التنظيم.

لم يمثل المعتقلون الأجانب قط أمام محكمة، ما يجعل احتجازهم تعسفيا وإلى أجل غير مسمى. بينهم 27,500 طفل، معظمهم في مخيمات مغلقة و300 على الأقل في سجون مزرية للرجال، وعشرات آخرون في مركز مغلق لإعادة التأهيل. يعاني المعتقلون من تصاعد العنف وتقلص المساعدات الأساسية، بما فيها الرعاية الطبية. في إحدى الحالات، رفضت فرنسا السماح لامرأة لديها سرطان القولون المتقدم بالعودة إلى بلادها لتلقي العلاج. قالت امرأة محتجزة لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد الحراس دهس طفلا بسيارة فكسر جمجمته.[8]

ووفق المنظمة الأمريكية: موّل الجيش الأمريكي، الذي يقود “التحالف الدولي ضد داعش”، إجراءات لتعزيز الأمن وتخفيف الاكتظاظ في بعض السجون، وفقا لـتقارير إعلامية، والحكومة الأمريكية مع ذلك، يبدو أن الإجراءات لم تفعل شيئا يذكر لجعل السجون تمتثل لمعايير الاحتجاز الدنيا. علاوة على ذلك، لم تمول الولايات المتحدة ولا أعضاء آخرون في المجتمع الدولي، بما فيها الدول التي لديها مواطنون محتجزون في شمال شرق سوريا، أية إجراءات لتوفير الإجراءات القانونية الواجبة للسجناء”.

“وقد اشتكى محتجزون وآخرون قابلتهم هيومن رايتس ووتش من المياه الملوثة، وفيضان المراحيض، ونقص الطعام الطازج وحفاضات الأطفال، وتسرب المياه من الخيام أو اشتعالها، وتفشي الأمراض، وعدم كفاية الرعاية الطبية، وغياب شبه كلي لتعليم الأطفال أو الإرشاد لسكّان تعرّضوا لصدمات شديدة.

سجون خارج القانون

وفقا لمعلومات المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان، يوجد قرابة 10 آلاف رجل، وهناك أكثر من 700 فتى على الأقلّ (من مختلف الجنسيات، وتتراوح أعمار غالبيتهم بين 12 و17 عاما)، في 14 سجنا مكتظا ومؤقتا للمشتبه في انتمائهم إلى داعش أهمها:

  • سجن غويران:
    يقع في مدينة الحسكة، كان مدرسة صناعية ثانوية تم تحويلها إلى سجن، وصل عدد المعتقلين فيه إلى الخمسة آلاف أحيانا. جمع فيه عدد من قيادات التنظيم الوسيطة، وفي الطابق الأعلى منه يحتجز قرابة 700 فتى قاصر.
  • سجن كامبا البلغار:
    يقع في مدينة الشدادي بريف الحسكة، ويضم آلاف العناصر من مقاتلي التنظيم، ويخضع لحراسة مشددة، وتقع بالقرب منه قاعدة عسكرية أميركية.
  • سجن الشدادية:
    يقع في الشدادي أيضا، ويحتجز فيه المئات من عناصر التنظيم.
  • سجن ديريك:
    ويقع في ريف الحسكة أيضا، وتحديدا في بلدة المالكية (ديريك) ويحمل اسم البلدة نفسها، ويقدر عدد نزلائه بالمئات من عناصر التنظيم.
  • سجن نافكر:
    يقع في ريف الحسكة أيضا ويقبع فيه المئات من مقاتلي التنظيم.
  • سجن رميلان:
    ويقع في مدينة القامشلي، ويقبع فيه المئات من مقاتلي التنظيم أيضا.
  • سجن الكسرة:
    يقع في دير الزور، وتشير مصادر إلى أن معظم نزلائه من قادة تنظيم الدولة.
  • سجن الرقة المركزي:
    يحوي سجن الرقة المركزي في محافظة الرقة مئات العناصر من التنظيم، حيث كانت المدينة عاصمة له في سوريا.

في مختلف هذه السجون، تغيب تماما القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، وليس ثمة أفق لأية إحالة قانونية للسجناء. وقد جرى تدريب عدد من الأشخاص للعلاقات العامة، للتباكي واعتبار أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، يعتذر العسكريون الأمريكيون عن أية تصريحات معتبرين أنفسهم “خارج المسؤولية”. وتؤكد مندوبة الولايات المتحدة في نيويورك على حرص بلدها “على احترام مختلف الأطراف لقواعد القانون الدولي الإنساني”، تضطر الدول الغربية من وقت لآخر للسماح لطفل أو أكثر من رعاياها بالعودة، في حين ترفض النقاش مع منظمات حقوق الإنسان موضوع عودة لمواطنيها. وقد عبر لنا أكثر من مسؤول في بلدان المغرب الكبير، عن عدم قدرة أو استعداد بلده لاستعادة حاملي جنسيتهم[9].

من منطلق براغماتي محض، تعتبر سلطات الأمر الواقع شرقي الفرات منتجعات الاعتقال الجماعية في الجزيرة السورية أهم ورقة تمتلكها لمواجهة مخاطر أي هجوم عسكري تركي عليها أو أي انسحاب أمريكي من الأراضي السورية. خاصة بعد خسارة ما تسميه “كانتون عفرين” وإقامة تركيا لإسفين عسكري بين الجزيرة وكوباني وقبولها للشروط التركية بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية عن المناطق الحدودية. أما بالنسبة للقوات الأمريكية، فهي لا تبدي أي استياء من استمرار الأوضاع على حالها. ورغم وجود قرابة 20 ألف عراقي وعراقية في هذه المحرقة، فهي لا تعتبر نفسها طرفا في عبورهم 150 كم تفصلهم عن العراق..

في كلمته أمام مجلس الأمن، تحدث مندوب العراق عن “أهمية وضرورة التعاون بين الأطراف الدولية عبر شراكات طويلة الأمد لوقف هذا التنظيم الإرهابي العابر للحدود الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، والقضاء عليه”، وقال إن بلاده تعمل بكل طاقتها الأمنية والاستخبارية لحماية أراضيها وحدودها من تسلل الإرهابيين ومن الهجمات على مؤسساتها ومواطنيها وممتلكاتهم. ودعا المجتمع الدولي إلى “التعاون البناء في لإيقاف هذا التصاعد والحد من قدرات تنظيم داعش الإرهابي، عبر الالتزام بقرارات مجلس الأمن ودعواته إلى منع التمويل وقطع الطريق أمام تهريب الآثار والنفط من كل من العراق وسوريا.[10]” إلا أن سعادة السفير لم ينطق كلمة واحدة حول موقف بلاده من وجود عشرين ألف عراقي على الأراضي السورية بين “النفايات البشرية للحرب على الإرهاب” أو أية اقتراحات لحكومته حول مصيرهم؟ وعلينا الإكتفاء بما قاله المبعوث الخاص للأمين العام لسوريا غير بيدرسون لملامسة جوهر ما يحدث: “الحادث الأخير يدل على الحاجة الملحة لبذل جهود دولية متضافرة لمعالجة قضية السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا التي تحتجز مقاتلي داعش المشتبه بهم والأفراد الذين ينظر إليهم على أنهم على صلة بالتنظيم، بما في ذلك الأطفال، بطريقة فعالة ومستدامة. “معظم هؤلاء الأفراد لم توجه إليهم تهم قط بارتكاب جريمة، ومع ذلك ما زالوا رهن الاعتقال المطول، غير متأكدين من مصيرهم[11].”

تجارة البؤس !

منذ سقوط الباغوز، وجدت سلطات الأمر الواقع أمام مشكلة أكبر بكثير من أن تتمكن من إدارتها، فالجموع البشرية المعتقلة في معظمها دون سجلات تعريف شخصية، ولم يكن بالإمكان، مع كادر عسكري وأمني محدود الخبرة والكفاءة، ويفتقد لأوليات المعرفة القانونية المحلية والدولية، إدارة الاعتقالات الجماعية بشكل مقبول بالمعنى الإداري والإنساني والقانوني. لذا ظهرت تجارة تهريب عدد من المعتقلين مقابل مبالغ مالية كبيرة، باعتبار “المهرّب” لهم، أشخاص كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، أو جرى التغرير بهم. واستمرت هذه التجارة مع توزيع المساجين على السجون، حيث صار لإدخال الخليوي ثمن، وإدخال الدواء تسعيرة ونقل رسالة من سجين لأهله تسعيرة أخرى. في رسالة من الدكتور عبد العزيز الخير من سجن صيدنايا في 1998 كتب: “يأتي الحرس ويطلبون من كل معتقل مبلغ من المال مقابل إدخال تلفزيون لمهجعهم، وبعد جمع مبالغ كبيرة يتم إدخال التلفزيون لشهر أو شهرين، بعدها تقوم السلطات الأمنية بكبسة على المهاجع وتصادر كل التلفزيونات والكتب إلخ… بعد شهرين أو ثلاثة يعاودون الكرة، ويجمعون مبلغا جديدا من المعتقلين للعملية نفسها.”

يبدو أن تجارة البؤس هذه، قد دخلت سجون شرقي الفرات منذ الأيام الأولى، فمرتب الحارس يقارب 150 دولار، في حين تدر عليه تجارة البؤس أضعاف هذا المبلغ. أما في المخيمات، فقد قامت الخلايا الداعشية النائمة بمهمة الابتزاز عبر طلب دفع الخوات وتكليف النساء والأطفال ببعض المهمات تحت طائلة القتل (أكثر من 100 شخص قتلوا في مخيمي الهول وروج حتى نهاية عام 2021).. يمكن كتابة تقرير خاص عن الفساد في مخيمات ومعتقلات البؤس شرقي الفرات، ولعل من نتائج عملية “سجن غويران”، أنها تطرح على المجتمع السوري والإقليمي والدولي، أسئلة حول “تجارة البؤس” هذه. كيف تمكن أكثر من 270 داعشيا، ليس فقط من الهرب من سجن غويران، وإنما الوصول إلى “ملاذات آمنة”، وأحيانا كثيرة، بأوراق مهمة Mission رسمية موقعة من مسؤول محلي في الإدارة الذاتية[12]؟ أو ورقة “إقامة” مما ابتكرت الإدارة الذاتية للسوريين من خارج المنطقة عند دخولهم لها؟

لم يكن حزب العمال الكردستاني يسيطر إلا على جبال قنديل عندما كتب عبد الله أوجلان نقدا حادا لما أسماه “وجود العصابات ونهج قطّاع الطرق المفتوح والغباوة الفلاحية وعدم مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية وعجزها”[13] من الصعب على “الكادرو” اليوم إجراء مراجعات جدية في ممارسات سلطة الأمر الواقع، التي حققت “ثورة الإنسانية والديمقراطية التي لا مثيل لها في أي مكان في العالم[14]؟؟

فاق عدد القتلى في الهجوم على “سجن غويران” في العشرة الأواخر من كانون الثاني/يناير 2022، الخمسمئة قتيل.. بينهم حراس ودواعش وأطفال… وبعد أسابيع، لن يتحدث أحد عن مأساة آلاف المحتجزين والمسجونين في الجزيرة السورية، اللهم إلا صحفي/ة جرئ هنا، أو مسؤول/ة في منظمة إنسانية هناك.. تتابع الدول الغربية، التي سهل العديد منها، وصول المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق، تهربها من تحمل أدنى حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية، ويعيد تنظيم داعش بناء خلاياه واستراتيجيات عمله، من تحت أنقاض هزيمته العسكرية قبل ثلاث سنوات، عبر قيادة جماعية باشرت ممارسة مهامها قبل أشهر من قتل “الخليفة”،. نجح المحور القطري- التركي في الإلغاء العملي للمادة الثامنة من القرار 2254[15] وتجميل ثياب جبهة النصرة، عبر “حكومة إنقاذ” تسيطر على قسم هام من محافظة إدلب، أكثر من مليون نازح يعيشون في مخيمات بائسة وعشوائية غربي الفرات، وأكثر من نصف السوريين يعانون حصارا لا يختلف عما عاناه العراق في التسعينيات في ظل سلطة دموية، أما الفقرة الرابعة من القرار 2249 (نوفمبر 2015)، والتي تنص على “وجوب محاسبة جميع الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب أعمال إرهابية أو المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، أو انتهاكات أو تجاوزات لحقوق الإنسان”، فلم يعد يتحدث عنها أحد..

المصدر: المعهد الاسكندنافي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد