من هو «داعش» الحقيقي؟

52

لا أحد يستطيع أن يقدم إجابة شافية لهذا السؤال، فالعارف -أظنه- ضمن قائمة المستحيلات السبع كالعنقاء والخل الوفي.

المتتبع لظهور تنظيم داعش في العراق وسورية، ثم ليبيا، سيلمس أنه ليس تنظيماً واحداً؛ فهناك تنظيم بثوب إسلامي متطرف، وبلحى مطلقة، وثياب أفغانية عشوائية، وأسلحة على الكتف، وظهور سافر من دون أقنعة، حتى في موتهم، فشخصياتهم حقيقية وليست وهمية، وأسماؤهم معروفة، ومن السهل الوصول إليهم ولعائلاتهم ولسجلاتهم المدنية حتى وإن مزقوا جوازاتهم والتحقوا بتنظيم يدَّعي أنه دولة إسلامية. الضحايا المستهدفة لذلك التنظيم هم في الغالب من تنظيمات أخرى يتهمونها بالكفر، وأحياناً ضحايا متفرقون كمن لا يجيد الصلاة، أو من لا يعرف عدد الركعات، أو زانية، أو متهم بخيانة دولتهم. صوت هذا التنظيم بدأ بالخفوت في الآونة الأخيرة، إذ اختفى الجهاد والشهداء وقطع الرؤوس.

وكأن «داعش» الحقيقي يراقب ويحصي جمهوره، ما الذي يشده، وبما أن الناس ملوا من المسلسلات الركيكة الشبيه بالمسلسلات التاريخية في رمضان أيام الثمانينات. ظهر «داعش» آخَر بثياب سود متقنة الخياطة والقياسات يرتديها ملثمون وضحاياهم دوماً برتقاليون.

هذه الأخيرة تستهدف ضحايا لتستفز بهم دولهم؛ فتارة ضحيتها صحافي أميركي، وتارة أخرى صحافي ياباني، وطيار أردني، وأخيراً 21 قبطياً مصرياً، وعلى رغم أن ضحاياه لا تزال مشكوكاً في أمرها.. هل قتلوا أم لا، وهل كان إعدامهم بتلك الطريقة حقاً؟ إلاّ أن هناك من يصدق الإعدامات البرتقالية، وهناك من يقسم أنها مجرد أفلام ذات تقنية حديثة. وهناك من يحب أن يصدق كي لا يتهم بأنه من أصحاب نظرية المؤامرة الكلاسيكية التي عفى عليها الزمن.

الإعلام ليس بقادر على تكوين رؤية حقيقية ومقنعة حول الشخصيات الداعشية التي تقوم بتنفيذ الإعدامات البرتقالية، مهما تم من تلفيق لبروفايل، حول ملثم يظهر في مقطع تسجيلي ينفذ إعداماً مشكوكاً فيه، مستقى من مصادر أجنبية. ولا الدول العربية تعرف من هو «داعش» الحقيقي اليوم، حتى وإن تراشقت فيما بينها بالاتهامات بأن هذه الدولة أو تلك تدعمه، على رغم أن هناك دولاً داعمة للقلاقل والفتن في المنطقة، إلا أن تلك الدول لم يحق لها إلى الآن شرف معرفة «داعش» الحقيقي، بل ظلت كالبقرة الحلوب تدعم، ليأتي دورها في أن يُضحى بها على مصطبة للقرابين.

اللافت في «داعش» أنها بدأت بهوية عملت عليها شركة متخصصة في صنع الهويات، لم يصنعها ثلة ممن يستسهل استحصانهم (كي لا يغضب بعضهم من المسمى الآخر) هذه الهوية صُنعت ليكرهها الناس، راية سوداء، ملابس سوداء، لحى وشعور كثة وسوداء، إضافة إلى جيش ممن يستسهل استحصانهم. مات منهم من مات وعاد من عاد لتستضيفهم القنوات التلفزيونية، ليسردوا على مسامعنا حكايات تافهة، تشبه حياة المستحصنين أصلاً.

أما «داعش» الأخير فرجاله ضخام القامة، ملثمون، وأسراهم -دوماً- يرتدون ملابس برتقالية، كالمحكوم عليهم بالإعدام في السجون الأميركية، أما مكان الحدث فمجهول في الحقيقة، حتى وإن ادّعوا أنه في العراق، أو سورية، أو ليبيا. جميع الأسرى في كل الأماكن يرتدون الزي البرتقالي ذاته، وكأن «داعش» العشوائي الأشعث يهتم بزي أسراه. إن ذلك الاهتمام المبالغ فيه يجعلنا نتساءل: من هو داعش الحقيقي؟ ولماذا يريد منا أن نفكر في الزي البرتقالي؟ هل لأن الحقيقة في الجهة المعاكسة أم كل ما في الأمر أنها أفلام في أفلام؟

 

عبير الفوزان

المصدر : الحياة