من وحي إضراب الحرية والكرامة

15

منذ إعلان الأسرى في سجون إسرائيل بدء إضرابهم عن الطعام، حضرت سورية، ليس فقط لكون «الحرية والكرامة» هي التسمية التي أطلقت على كل من ثورة الشعب السوري التي اندلعت أواسط آذار (مارس) 2011، وعلى إضراب الأسرى، بل لأن هذا الأخير أعادني إلى ذلك الإضراب عن الطعام الذي قامت به مجموعة من فلسطينيي سورية قبل ستة عشر عاماً تضامناً مع انتفاضة الأقصى.

ففي تلك الفترة وفي سياق التفكير بأشكال التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية وطرق تقديم الدعم لها، ولدت فكرة، بل قرار، الاعتصام والإضراب عن الطعام، وقد اختير مقر الأمم المتحدة بدمشق كمكان لذلك النشاط الذي كنت واحداً من سبعة عشر شخصاً شاركوا فيه. انحصرت مطالب المضربين بأن يصدر الأمين العام للأمم المتحدة بياناً يعلن فيه إدانة إسرائيل على ما ترتكبه بحق الأطفال الفلسطينيين، وأن يسمح بإدخال الدواء إلى المناطق الفلسطينية المحاصرة.

بحكم طبيعته الاستبدادية، لم يكن مستبعداً عن النظام أن يمنع الإضراب ويقمعه، لذلك تم الاتفاق، في حال اعتقل المضربون، أن تقوم مجموعة أخرى بالإضراب وأن تضيف مطلباً إضافياً هو إطلاق من تم اعتقالهم.

بتاريخ 2/9/2001 نجح الناشطون في دخول مقر الأمم المتحدة وأعلنوا اعتصامهم وإضرابهم المفتوح عن الطعام إلى حين تحقيق مطالبهم. منذ اللحظات الأولى للإضراب بدا واضحاً ارتباك النظام في التعامل مع هذا الحدث، وترجّح سلوك العناصر الأمنية بين المرونة والتشدد، ليفاجأ المضربون في صبيحة اليوم الثاني للإضراب بموقف مفاده أن النظام لا يمانع استمرار الإضراب؟! بدأ التفاعل الإيجابي مع الإضراب والمضربين يأخذ منحى تصاعدياً من الشارعين الفلسطيني والسوري، ونجح في استقطاب مختلف وسائل الإعلام، بما في ذلك الفضائيات والصحف العربية.

وتحولت منطقة الإضراب إلى مسرح يؤمّه يومياً مئات المتضامنين ومن بينهم قيادات قوى فلسطينية وسورية، ووجوه ثقافية وفنية معروفة، وراح المضربون يستقبلون اتصالات التأييد وبرقيات التضامن. وكان من بينها اتصال مروان البرغوثي الذي يشارك اليوم في قيادة إضراب الحرية والكرامة، والذي كان يعتبر حينها القائد الأبرز في الانتفاضة. لقد أعطى الحماس للإضراب الذي أبداه مروان البرغوثي والراحل جورج حبش وشخصيات أخرى لها احترامها بين الفلسطينيين، والتأييد الشعبي للإضراب، وبدء الحديث عن إمكان القيام بإضرابات مماثلة في أكثر من بلد عربي، دفعاً قوياً للمضربين وحافزاً لهم على الاستمرار في الإضراب إلى ما شاء الله، وصولاً إلى التلويح بالإضراب عن الشراب أيضاً. لكن في اليوم التاسع للإضراب حصل ما لم يكن في الحسبان! في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ضربت أميركا، الدولة العظمى، في عقر دارها! للوهلة الأولى، لم يدرك المضربون حقيقة ما حصل وحجمه وتداعياته الممكنة. لكن مشهد ارتباك العناصر الأمنية في اليوم الأول للإضراب بدا وكأنه يعيد نفسه في يومه التاسع والأخير، مع اختلاف هو أن النظام اتخذ قراراً واضحاً بإنهاء الإضراب، بعد أن ترسخت لدى المضربين قناعة مفادها أن ما يقومون به هو عمل مهم وكبير، وبعد أن خبروا الجوع وألفوه، لم يكن سهلاً عليهم تقبل فكرة إنهاء الإضراب، لذلك جاء موقفهم برفض القرار والإصرار على استمراره.

لم تكن ظروف المضربين تسمح لهم بفهم ما جرى في أميركا، وتقدير حجمه وتداعياته، لكن نتائج نقاشاتهم مع الأصدقاء والمعنيين بالإضراب والحريصين على إنجاحه، كانت تقول إن ما حصل هو خطب جلل، وأن الأنظار ستشيح عن الإضراب، بل ربما عن الانتفاضة، وبالتالي فإن الفوائد المرجوة من الإضراب لم تعد ممكنة. الأمر الذي أكدته في ما بعد مجريات الأحداث.

في موازاة ذلك بدت واضحة جدية النظام في قراره، من خلال ما قام به على الأرض من تفريغ لساحة الإضراب من المتضامنين ومنع وصول متضامنين آخرين، وإرسال إنذاره الأخير بضرورة إنهاء الإضراب طوعاً خلال ساعة، وإلا فإنه سيفضه بالقوة. وبناء على ذلك، ونتيجة التشاور في ما بينهم ومع الآخرين، أصدروا بياناً يعلنون فيه إنهاء الإضراب لأسباب خارجة عن إرادتهم.

إذا كان هذا الإضراب المتواضع الذي استمر لتسعة أيام قد كشف أن ثمة أشكالاً سلمية مدنية للفعل السياسي والكفاحي تفوق في تأثيرها الأشكال التي ينظر لها أصحاب الشعارات الفارغة والكاذبة، فإن قرار النظام السوري حينها بإنهائه، كشف حقيقة وطنيته المزعومة وزيف شعاراته المنادية بالمقاومة والممانعة، الأمر الذي بات واضحاً اليوم وضوح الشمس.

سامي حسن

المصدر: الحياة