مهالك أمريكا «الربيعية» تقرّب خريفها المحتوم..!

31

لا يمكن القول أن أمريكا منسحبة من قضايا المشرق، ومن المسألة السورية على الخصوص. لا يمكن اختصار موقفها بأوصاف أخلاقية سلبية، كاتهامها بالخذلان أو بالتآمر والتلوّن. أمريكا أوباما قد تحمل كل هذه الخصائص لكنها تظل فائضة عن حدودها. ذلك أن سلوك أمريكا هذه السنوات العُجاف الأخيرة ما بين سوريا والعراق كان متميزاً دائماً بقسط من الغموض في كل واقعة أساسية. فهي التي كانت تختار لنفسها الموقع الملتبس من كل تحد سياسي مداهم. كانت تعتصم بالوقوف في مفترق الطرق. فلا يكاد المراقب يعثر عليها جارية في طريق حتى تكون قد انزاحت إلى طريق آخر، ولكن دون أن تغلق مسارها الأول تماماً، ودون أن تقفز كلياً إلى المسار الآخر.
أمريكا اليوم، وفي هذه العقدة الكبرى التي بلغتها حالة ما يُسمى بالحل السلمي للمقتلة السورية تظل هي الفاعل الأول، ليس في مجال ما تعلنه من مواقف سياسية أو عسكرية فقط، بل حتى في مجال ردود الفعل من قبل الآخرين على تحركاتها. هذه الخاصية العجيبة التي تمتعت بها أمريكا منذ أن أمسكت بزمام القيادة الأول للسياسة العالمية، لاتزال تؤهلها للتشبث أكثر بمركزية أدوارها في صميم الحدث العربي عامة، والسوري منه خاصة. فالحفاظ على هذه المركزية وامتيازاتها معها، تجعل أخطاء الممارسة التي أبرزت الدولة العظمى وكأنها أمست دولة فاشلة في الكونيات، أو عاجزة بل متخاذلة في أحيان كثيرة، بينما تظهر المراقبة الهادئة لتطورات تلك الممارسة أنها كانت قادرة غالباً حتى على استثمار أخطائها في اتجاه خدمة غير مباشرة لأهدافها الاستراتيجية الثابتة على قواعدها منذ انتصاراتها الحاسمة على الحرب الباردة.
ينبغي ألا يغيب عن ذهن كل باحث عن سرّ التفوق الأمريكي أن أمريكا استمدَّت تميزها دائماً من معين لا ينضب مما يُطلق عليه مصطلح (الطاقة التأسيسية) المستديمة لعناصرها الحضارية التي قلما توفرت مثيلاتها لدى أندادها من الدول الكبرى المعاصرة. يكفي كمثال حي استعادةُ تجربة الانهيار الاقتصادي الأعظم للأزمة العالمية المالية أواخر القرن الماضي. فالأزمة كادت أن تذهب بالنظام الرأسمالي الغربي إلى غير رجعة.. وكادت أمريكا وهي قائدة ذلك النظام العاملي. أن تصير كذلك هي قائدة الإنهيار العالمي، لكنها سرعان ما استطاعت أن تبدل تراجيديا الزوال بسمفونية الصمود والصعود ثانية. وقد اكتملت تلك الأعجوبة مع تسلّم أول رئيس زنجي للسلطة المطلقة. إذ لم تتسلّم الزنجيةُ رئاسة دولة العالم الأولى كحدث عرضي أو صدفوي بل غدا انقاذ إمبراطورية الإنسان الأبيض على يد رجل بمثابة أسود مدخل رمزي لعالم ما بعد الأزمة. كأنما كتب التاريُخ على أمريكا أن تفارق عزلتها الوجودية نهائياً. ألا تبقى في هامش العالم أو في ذروته، بل أن تصير أمريكا العالَم أجمع، أي تكون لأبيضه وأسوده معاً؛ بمعنى أن وصول الرجل الملون إلى أعلى سلطة لإمبراطورية الإنسان الأبيض وبأسلوب الديمقراطية وحدها، لم يكن نتيجة انتصارٍ حربي للكيان الأسود على الكيان الأبيض مثلاً بل كانت نصراً دستورياً لكفاح المدنية الجامعة وفاشيتها العرقية المدمرة.
فما تعنيه هذه الصيرورة الفريدة في تاريخ الإنسانية لن تكون مجرد حالة طغيان فائض لنظام دولة نخبوية على أنظمة الدنيا كلها، كما ولم تكن غنيمة للصراعات السياسوية التي تتناولها كقضية حروب نفوذ وتسلط بين جبابرة ضد ضعافٍ أو متخاذلين، فلقد انقضت أزمان تلك الصراعات العقيمة لتبرز مكانها قضايا الشعوب المضطهدة والمهمشة. وعلى رأس هذه القضايا تتقدم مسألة الاعتراف بوجود الشعب ككل، وليس التغني بفئة منه طائفياً أو طبقياً، أي ليس بانسلاخ شرذمة عن الشعب من أجل طمس كتلته الكبيرة، واستثمار بعض شظايا من بركانه المقموع، واصطناع منها أدواراً تتخطى مدعيها دائماً.
أمريكا (المختلفة) هذه، والتي تريد أن توصف بالموضوعية حتى بالنسبة لذاتها، باتت غير مهتمة بتطبيق استراتيجيتها التقليدية المعروفة تحت عنوان أَمركة العالم. فالعالم غدا يتأمرك تلقائياً، كما لو أنه بات مستقلاً عن إرادة وخطط صانعي السياسة الأمريكية. ههنا ينبغي أن تفهم الأمركة حضارياً وليس سياسياً فقط؛ لكن هذا البلد تحول أخيراً إلى وطن لسادة التكنولوجيا التي أمست هي بدورها سيدةَ العصر الصناعي للبشرية جمعاء. فأغلبية سكان عالم اليوم صاروا ملحقين بأجهزتهم الالكترونية. هذا الوضع العجيب وحده قد يؤمرك العالم تلقائياً. فلا حاجة لجيوش وحروب (البنتاغون) من أجل رفع العلم الأمريكي في أقصى المعمورة، بل ترك التقنية تمارس تفوقها الكوني تلقائياً لكي تنتج مجدداً تلك العنصرية المطلقة التي سوف تكتسح العالم تحت قبة صمتها الإلكتروني الصماء البكماء.
إذا كان العالم يتأمرك تقنياً والكترونياً تحديداً فهذا بدوره سيجعل عقل العالم أمريكياً، يفكر بحسب منهج السيد لكي تصبح طاعة المقودين الأتباع كأنها تعويض اختياري عن حريتهم المسلوبة منهم أصلاً. وبذلك لا تبقى العبودية مجرد تعبير عن خلل في توازن القوى بين المتفوق والمتخلف، بل تنتقل العبودية من شكل التبعية المقهورة، الملحقة دائماً بأسيادها، إلى كونها عنصراً مشاركاً لبنية السيادة نفسها. وفي هذه الحالة لا تتضاعف التبعية بذاتها، أي بتلبس مظاهر وأفعال سيدها فحسب، ولكنها قد تتطور إلى مستوى المزايدة على آمرها نفسه، وذلك بانتهاج أقسى فنون القمع وذلك بتجديد وسائله الوحشية.
والشاهد الحي على هذه الإنقلابات الغرائبية في الأدوار ما بين أمريكا واتباعها هو هذا التغيير البنيوي الهائل في طبيعة التَبَعية. هنالك بيئات كاملة ممن كان يسمى بالقوى التقدمية المناهضة لأمريكا الإستعمارية التقليدية، لا تزال سلوكاتها تتمترس وراء أقنعة الثوريات والمعارضات ضد (الشيطان الأكبر) لكنها في الوقت عينه تصطف عملياً إلى جانب أهدافه الأساسية، تمارس معها أشكالاً وألواناً من صيغ التحالفات الموضوعية بينهما. فانتشار التأمرك عالمياً ليس اقتصادياً فقط أو أنه يغطي مجال الأفكار والعادات والتقاليد الغربية ما بين أبعد مجتمعات المعمورة عن المركزية الجغرافية لأمريكا. فهناك المركزية السياسية التي تكاد تحشر مختلف تيارات السياسة الكونية في نادٍ واحد. فالكل هم أعضاء عاملون أو ناشطون في مشاريع ناديهم الواحد ذاك، وإنْ تحت عناوين وتسميات مختلفة.. لكن نتائج أفعال المختلفين في النهاية سوف تصب في مجرى واحد. تطبيقاً لهذه الموضوعة ينبغي أن يُعاد فهمُ وتأويلُ هذه الظاهرة المرعبة التي أصبحت تمثلها مؤسسة قائمة في ذاتها، بالغة القوة والنفوذ إلى ما لا نهاية، مختصة بتوليد فظاعات قهر جهنمي، متربص بكل واحة غابة خضراء وتحديداً في صحارى العرب والعالم الثالث خاصة، منتظراً تجفيف الحياة من عروقها، وتحويلها إلى أحطاب يُلقّن بها جوعه الأبدي للحم الحي والأرواح الحارة.
ربيعنا العربي المغدور كان هو الجبهة الواحدة الكبرى المفتوحة أمام هذه الجهنم، فقد كان عليه، واعياً أو غير واعٍ، أن ينزع عن المقتلات الهمجية أسماءها التقليدية ويكسوها بوابل من مصطلحات جنان عدن المفقودة من دنيا العرب من دهور.. فلم يكن أبداً ربيعاً عربياً بقدر ما كان ربيعاً أمريكياً. لم يكن حصيلة (مؤامرة) كالعادة. بل كان همه ارتكاب المعصيات الكبرى تحت أنظار الجميع وبأيدي قادتها ونخبها؛ لكن مع ذلك يجب المصارحة في هذا المنعطف الأخطر من عمر المؤامرة المزعومة، بالقول الواضح أن أهوال الربيع كانت في حقيقتها صنيعة ضحاياها أنفسهم، عَلِموا بهذا أو لم يعلموا.. لم تأت بهذه الأهوال شياطين جهنمية ساقطة من السماء أو صاعدة من عميق التراب. ذلك لأن مثلما كان من المفروض أن ينطلق البحث عن (الأمريكي) في جبهة القَتَلة كذلك كان ينبغي للأمر نفسه أن يتحقق في جبهة المقتولين ذلك أنه في (مشروعية) المقتلات الكبرى ليس هناك إلا مرجعية واحدة لقطبيها معاً الفاعل والمفعول.
ولقد قيل أنه في المقبرة العامة ليس لميت أن ينهض من قبره ويغدو دليلاً على قبور جيرانه.. مع ذلك فهذه الأسطورة لاتزال لها مكانتها الدهرية في ثقافتنا الذاتية..

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

القدس العربي