موسكو تحوّل دفة الخطاب حول سوريا بعيداً عن مصير الأسد

جوهر الأزمة السورية وجود تأزم سياسي وليس إعادة تشكيل ميادين القتال
 «المضي قدماً»… هي العبارة التي استخدمها كل من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ونظيره الروسي سيرغي لافروف فيما يتعلق بالصراع السوري الذي دخل الآن عامه السابع.
وخلال اجتماعه الذي امتد لـ126 دقيقة مع دونالد ترمب في هامبورغ الجمعة الماضية، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تعمل واشنطن وموسكو «معاً»، للوصول إلى تحليل مشترك للأزمة السورية وسبل وضع نهاية لها.
بيد أن السؤال هنا: ما المقصود من «المضي قدماً»؟
حسب لافروف، تتمثل الخطوة الأولى، في إقرار ودعم وقف إطلاق نار في جزء من الجنوب السوري. ومع ذلك، فإنه من الصعب النظر إلى هذا الإجراء باعتباره «مضي قدماً» بالنظر إلى أنه على امتداد العامين الماضيين جرى التفاوض بشأن، وأحياناً انتهاك، أكثر عن 30 اتفاقاً محلياً بوقف إطلاق النار في أجزاء مختلفة من البلاد التي تمزقها الحرب. ويكمن جوهر الأزمة السورية حالياً في وجود حالة تأزم على الصعيد السياسي، وليس الحاجة إلى إعادة تشكيل ميادين القتال المحلية.
من جانبها، قالت ماريا دوبوفسكوفا التي تترأس (نادي دراسات الشرق الأوسط في موسكو): «توصل اجتماع ترمب وبوتين إلى وضع إطار عمل نشط وشامل للتعاون حول سوريا، وحل مشكلات إقليمية أخرى، لكن ذلك يتطلب تعاوناً وتنسيقاً إقليمياً من جانب الأطراف المعنية، وبخاصة تركيا والسعودية».
اللافت أنها لم تذكر إيران، ما يشير ضمنياً إلى أن «إطار العمل» الذي عرضه بوتين على ترمب يحمل في طياته تهميشاً هادئاً للجمهورية الإسلامية؛ الأمر الذي من المفترض أنه سيدفع الأميركيين نحو المشاركة في الخطة الروسية.
والمثير كذلك، الإشارة إلى «مشكلات إقليمية أخرى»؛ ذلك لأنها مصممة للتقليل من أهمية الصراع السوري، مع منح روسيا في الوقت ذاته دوراً في مناطق أخرى لا تشارك بها حالياً.
في هذا الصدد، أعرب تيم كونيل، باحث في شؤون الشرق الأوسط لدى الكثير من شركات النفط، عن اعتقاده بأن «بوتين يحاول وضع القضية برمتها على مسار آخر، فهو يرغب في تقليص دائرة الأمر برمته، وحصرها في وقف إطلاق نار محلي، وربما لاحقا، إنشاء ما يطلق عليه (مناطق التهدئة)». من جانبهم، يطلق الفرنسيون على هذا التكتيك تعبير «إغراق السمك».
ويعني كل ذلك أن السبب الجذري وراء الصراع، أي رفض النظام الاستبدادي لبشار الأسد من جانب السواد الأعظم من السوريين، ستتم تنحيته جانبا. ويركز الروس على قضيتين أساسيتين من ناحيتهم: الأولى: ضرورة تعاون القوى الكبرى للحيلولة دون حدوث انهيار منظم يحول سوريا إلى دولة أخرى فاشلة لا تخضع أراضيها لأي سيطرة.
ومع ذلك، فهذا تحديداً ما حدث على أرض الواقع، ذلك أن نظام الرئيس بشار الأسد لم يعد له وجود كحكومة فاعلة. واللافت أن العملية العسكرية الوجيزة التي شنها الأسد داخل حمص وحماة، وكذلك اللاذقية تركت تأثير عكس المرجو منها بتسليطها الضوء على حدود الوجود العسكري لنظامه.
في كل الأحوال، المؤكد أن أياً من جماعات المعارضة الكبرى والقوى المشاركة داخل سوريا، لا ترغب في تدمير الهيكل البيروقراطي والقوات المسلحة بالبلاد، وإنما كل ما تطالب به التخلص من عصبة صغيرة استولت على السلطة لعقود بهدف إفساح المجال أمام فترة انتقالية نحو حكومة تمثيلية بالمعنى الحقيقي.
في الواقع، سبق وأن جرى التفاوض سراً عام 2013 في إطار ما عرف بمفاوضات المسار الثاني حول تصور يقوم على إقرار حكومة انتقالية تحت قيادة واحد من نواب الأسد في إطار استراتيجية أكبر ترمي لبناء هيكل جديد وانتخاب حكومة جديدة.
وشكلت صور متنوعة من هذا التصور، العمود الفقري للجهود التي بذلها ثلاثة ممثلين متعاقبين للأمم المتحدة، وإطار عمل ما أطلق عليه «اتفاقات جنيف». إلا أن هذا التصور لم تكن أمامه فرصة تذكر للنجاح في وقت لم تكن روسيا مشاركة بقوة في البلاد بعد، بينما أبدى الكثيرون من أفراد حاشية الأسد استعدادهم لإبرام صفقات لضمان الاحتفاظ بنصيب من السلطة.
وتبعا لما ذكره سياسي لبناني شارك في محادثات «المسار الثاني»، فإن هذا التصور اصطدم بحائط سد عندما أقدم الرئيس باراك أوباما، لأسباب مجهولة حتى الآن، على تهميش مستشاريه وإعلان شعار ضرورة رحيل الأسد، بجانب مجموعة من «الخطوط الحمراء» التي أعلنها.
ويعني ذلك أن ثمة إطار عمل موثوقا به قادر على الحيلولة دون الانهيار المنظم لسوريا كان قائماً بالفعل. إلا أنه بدلاً عن «المضي قدماً»، انطلاقاً من هذه النقطة، ربما سيتعين علينا الآن العودة إلى الوراء لإحياء هذا الإطار.
أما ادعاء لافروف بأن المطالبة بضرورة رحيل الأسد تشكل السبب الرئيس وراء الأزمة القاتلة القائمة الآن، فإن أقل ما يمكن وصفه به هو الخداع. وقد تكرر هذا الادعاء على لسان الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون الذي يبدو أنه اقتنع بجزء من الخطاب الروسي بعد اجتماعين له مع بوتين.
من جهته، قال ميشيل كيلو، المعارض السوري البارز في المنفى بباريس: «إذا كان (ماكرون) يقول إنه يجب بقاء الأسد في المفاوضات حتى يتم العثور على بديل، فإن هذا ما اقترحته (اتفاقات جنيف) بالفعل، فالأسد سيرحل بعد بناء البديل». وبذلك، نجد أن المشكلة لا تكمن في مطالبة المعارضة بضرورة رحيل الأسد، وإنما في الموقف الروسي والإيراني غير المنطقي القائم على فكرة أنه «لا يجب على الأسد الرحيل أبداً».
في هذا الصدد، قال ناصر زماني، الباحث الإيراني المعني بقضايا الشرق الأوسط: «لو أردنا تلخيص الأزمة السورية في أمر واحد، فهو كيف يمكن لسوريا غلق صفحة آل الأسد وبدء حقبة جديدة؟ وطالما بقي هذا التساؤل دون إجابة، سيبقى سفك الدماء مستمراً».
ومع ذلك، تبدو موسكو عاقدة العزم في الوقت الراهن على تشتيت الانتباه بعيداً عن هذه القضية. وخلال اجتماع هامبورغ، دعا بوتين إلى «التعاون» في إعادة بناء سوريا، رغم استمرار الأسد داخل الجيب الذي يسيطر عليه في دمشق.
ويتمثل ادعاء آخر تعمد موسكو وإيران إلى الترويج له، في أنه في الوقت الراهن ليس ثمة بديل للأسد. وقد كرر ماكرون هذا الادعاء، متجاهلاً بذلك تجربته المتمثلة في تقديم بديل لفرنسا جاء تقريباً من الفراغ تماماً في غضون عام واحد فقط.
من جهته، يعتقد كيلو أن بديل الأسد، ممكن، بل وينبغي أن يأتي من المجتمع المدني السوري، مشيراً إلى أن وجود سلطة انتقالية سيدفع سوريا نحو الديمقراطية. وأضاف: «هناك مئات الآلاف من السوريين بالخارج. هناك أساتذة جامعات وباحثون وأكاديميون في هذا الشتات، يعملون بمختلف أرجاء العالم، وبمقدورهم توفير إطار العمل اللازم لسوريا كي تعيد بناء نفسها، بل وربما في الوقت المناسب تقود العالم العربي نحو التقدم. إلا أن ذلك يعني من جديد ضرورة رحيل الأسد».
على أي حال، منحت الديمقراطيات الكبرى بالعالم اعترافاً ضمنياً فعليا، بالهيئة العليا للمفاوضات السورية (المعارضة)، باعتبارها الصوت الشرعي للشعب السوري. وخلال مقابلة مع مجلة «أوبس» الفرنسية الأسبوعية، قال كيلو إنه حتى لو لم يكن هناك بديل للأسد، فإنه يبقى لزاماً عليه الرحيل لأنه «مجرم».
وأضاف: «لم تكن هناك بدائل لهتلر وموسوليني وستالين. ومع ذلك، كان من الواجب إيقافهم». وأوضح، أن القائد ينبغي الحكم عليه من خلال صلاته بشعبه، لكن الأسد فقد هذه الصلات.
ويرى بعض المحللين أن «المبادرات الدبلوماسية» المتنوعة التي أطلقتها روسيا، الهدف منها عقد اجتماعات في آستانة وجنيف، من غير المحتمل أن توفر سبيلاً لإنهاء الصراع طالما ظل مصير الأسد بعيداً عن رأس الأجندة المطروحة.
المصدر: الشرق الأوسط