موسكو تراجعت خطوة عن دعم الأسد لكنها لا ترى بديلاً

31

ا

جتهدت أوساط ديبلوماسية غربية ووسائل إعلام في الترويج أخيراً، لما وصف بأنه «مؤشرات الى انقلاب في الموقف الروسي حيال الازمة السورية»، مستندة الى أمثلة ودلائل بينها تراجع حدة اللهجة الروسية في التعليق على تطورات الموقف الميداني والحراك السياسي حول سورية، إضافة الى بروز تطور لافت عبر الإقرار بضرورة ان يواصل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة شن عمليات عسكرية ضد مواقع تنظيم «داعش» في الاراضي السورية، بعدما كانت روسيا تعارض الى ماض قريب «انتهاك سيادة سورية» وتدعو التحالف لتنسيق تحركاته مع حكومة دمشق.

وبين التكهنات والتحليلات برزت «تسريبات» في اكثر من موقع اعتبرها بعضهم دليلاً على حدوث تغيير جدي في الموقف الروسي منها الحديث عن مناقشة «تقسيم سورية كواحد من الحلول المطروحة» خلال زيارة وزير الخارجية الاميركي جون كيري الى سوتشي قبل اسابيع، ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين والوزير سيرغي لافروف، ومنها ايضا ما تردد عن مناقشة مجموعة الدول الصناعية الكبرى خلال اجتماع «السبع الكبار» أخيراً، موضوع الخطوة التالية بعد سقوط نظام الاسد واحتمال «نفيه» الى روسيا.

في كل الاحوال، كان الرد الروسي واضحاً بنفي صحة التسريبات جملة وتفصيلاً، فموضوع التقسيم لم يكن جزءاً من أجندة الحوار مع كيري، كما قالت مصادر ديبلوماسية لـ»الحياة» اوضحت ان الوزير كيري تحدث عن «امر واقع تغيرت فيه موازين القوى» وبات الاسد يسيطر على نحو عشرين في المئة من الارض السورية فقط، ما يصعب تحوله لجزء من الحل، بينما حمل الرد الروسي تأكيداً على عدم وجود بدائل عن تسوية سياسية تأتي عبر الحوار بين كل الاطراف وتوحيد الجهود خلال المرحلة المقبلة لمواجهة تمدد تنظيم «داعش» وان الخيار الذي بات مطروحاً حالياً لا يقف عند «هل نريد الاسد في المرحلة الانتقالية ام لا» باعتبار ان النتائج التي ستترتب على انهيار مفاجئ لنظام الاسد ستكون كارثية على سورية والمنطقة.

ايضا، نفت أوساط ديبلوماسية روسية صحة المعطيات التي تحدثت عن مناقشة مصير الرئيس السوري بشار الاسد خلال اجتماع قمة «السبع الكبار» الاخيرة، وقال ديبلوماسي قريب من الملف لـ»الحياة» ان «هذا الحديث حتى ان كان طرح في القمة وهو أمر مثار شك، فهو لا يخص روسيا» موضحاً ان موسكو لا تزال تستند الى اتفاق جنيف كأساس لحل سياسي يقوم على التوافق بين مكونات الشعب السوري.

لا تمنح تلك المؤشرات التي سيقت للتدليل على «تراجع في الموقف الروسي» ما يؤكد ان روسيا بدأت عملية المراجعة الشاملة لمواقفها، لكن في المقابل يشير خبراء الى ان الموقف الروسي وان كان لم يتغير لكنه بات يميل اكثر الى التريث انتظاراً لما قد تسفر عنه التطورات الميدانية المتسارعة.

ويمكن على الاقل ملاحظة ان روسيا خفضت سقف توقعاتها، وبعدما كانت في مرحلة مبكرة تحض نظام الاسد على «انجاز المهمة بأسرع وقت ممكن» كما حدث خلال الزيارة اللافتة التي قام بها وزير الخارجية سيرغي لافروف برفقة رئيس جهاز الاستخبارات ميخائيل فرادكوف في شباط (فبراير) 2012 وتقدم له الضمانات والدعم الكافيين لذلك، باتت اكثر تحفظاً في الوقت الحالي وهي تراقب التطورات لدرجة ان المحللين المقربين من الكرملين ودوائر صنع القرار باتوا يدرسون احتمالات وقوع تطورات دراماتيكية مثل انهيار مفاجئ للنظام او سقوط دمشق ومدن حيوية اخرى فجأة.

وقد يكون هذا السبب الرئيس في تراجع انتقادات موسكو لتحركات التحالف الدولي، بل والميل احيانا الى اعلان دعم موسكو لنشاط التحالف «حتى وان كنا نفضل ان تكون تحت مظلة مجلس الامن» كما قال أخيراً لافروف.

ويرى محللون أن قدرة موسكو على إعاقة تحركات واشنطن محدودة للغاية، وعقب نجاحات «داعش»، لا يمكن لموسكو أن تقف بقوة أيضاً ضد توجيه ضربات لسورية مثلما فعلت قبل عام مضى.

ويقول ليونيد إيسايف الباحث العلمي في مدرسة الاقتصاد ان « الأميركيين يقصفون الآن الأراضي التي يسيطر عليها هذا التنظيم الإرهابي، وأن أي انتقاد لهذه العملية سيقود إلى أسئلة عما إذا كانت روسيا تؤيد الإرهاب وفكرة الدولة الإسلامية».

لذلك، يعتبر الخبير ان موسكو باتت تميل لمحاولة إقناع الولايات المتحدة الأميركية بوضع اطار قانوني للتحركات ضد «داعش» عبر مجلس الامن.

ويوضح سيرغي كوستيايف، الأستاذ في قسم العلوم السياسية التطبيقية في جامعة موسكو الحكومية الروسية ان «الخطة البديلة الروسية» هي محاولة إقناع واشنطن بضرورة الحصول، إذا لم يكن على موافقة السلطات السورية، فعلى موافقة مجلس الأمن الدولي على الأقل.

ولكن هنا أيضاً توجد صعوبات، فإذا كان المسؤولون الروس يتحدثون عن استعدادهم للمساهمة في الإسراع باتخاذ قرار مجلس الأمن، إلا أن بعض المحللين السياسيين يرى أن هذه العملية ستطول على أرض الواقع، ويعود سبب ذلك إلى تجربة الحرب الأهلية التي شهدتها ليبيا منذ وقت غير بعيد، ويعيد ليونيد إيسايف إلى الأذهان بأن « القرارات المتخذة في مجلس الأمن، تتصف بعموميتها، فهناك دائماً يمكن أن نجد ثغرة ما، مثلما تصرفت الولايات المتحدة في ليبيا».

ويعد هذا الكلام مؤشراً على فقدان الثقة الذي سببه تردي العلاقات الروسية – الاميركية بسبب الملف الاوكراني، فروسيا لن تنسى أبداً انها «خدعت» في ليبيا، وانها مررت قرار فرض منطقة الحظر الجوي ولم تكن تتوقع ان يستخدم لاسقاط نظام القذافي.

لذلك تبدو محاولات اعادة ملف نشاط التحالف الدولي الى مجلس الامن، محدودة التأثير، فروسيا ليست لديها حجج قوية لمعارضة نشاط التحالف ضد الارهاب، وهي صوتت لصالح القرار الاممي ضد تنظيم «داعش» في سورية والعراق في شباط عام 2014 لكن ليست لديها اي ضمانات في إن العملية ضد « الدولة الإسلامية» لن تتحول حتماً في اللحظة المناسبة الى عملية ضد نظام الأسد، وهي تستند كما يقول خبراء روس فقط الى إحجام الرئيس باراك اوباما عن توسيع عمليات التحالف بسبب نقص الوسائل والإمكانات، وباعتبار ان إسقاط نظام الأسد يشكّل عملية صعبة للغاية، وستكون بحاجة إلى عملية برية، لن تكون واشنطن متحمسة لها أبداً.

رغم ذلك، توجد مخاوف من فكرة «انهيار نظام بشار الأسد في غضون أشهر» كما كتبت أخيراً صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الحكومية، في تقرير لفت الانظار اليه لأنه يتحدث بلهجة جديدة لم تستخدمها موسكو من قبل.

ونقلت الصحيفة آراء خبراء موالين ومعارضين لسياسة الكرملين، في الملف السوري تحديداً بينهم غريغوري غوساش، أستاذ في الدراسات الشرقية في الجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية، وهو من منتقدي سياسة الكرملين الخارجية، اعتبر ان التطورات الجديدة في سورية ستشكّل صداعاً جديداً لروسيا، لكن يجب النظر إلى ذلك كجزء من سياق السياسة الروسية، التي رأى انها ساهمت على أرض الواقع في ظهور المتطرفين الإسلاميين في المنطقة، وبخاصة الدولة الإسلامية. وزاد ان رحيل الأسد بشكل مفاجئ ضمن تطورات دراماتيكية لن يقنع موسكو اذا وقع بضرورة تصحيح أخطائها والعمل على استعادة العلاقات. وحتى لو اعترفت موسكو بضرورة القيام بذلك، فإن هذا قد يستغرق وقتاً طويلاً.

لكن وجهة النظر هذه لا يوافق عليها يفغيني ساتانوفسكي، رئيس معهد دراسات الشرق الأوسط في موسكو، وهو من الخبراء الموالين بشكل أعمى لاسرائيل.

ويقول ساتانوفسكي ان التطورات الحالية قد تسفر عن انهيار الدولة، لكن السؤال الذي يبرز هنا هو: هل ستتقسم سورية إلى أربع أو خمس دويلات، وهل سيسيطر على بعضها الإسلاميون المتطرفون. هذا سيعني وجود قائد آخر، ليس الأسد، لكن قد يكون أحد الضباط أو السياسيين، وذلك لحكم جزء من سورية الذي سيبقى تحت سيطرة الأسد.

ومن ثم ستكون بقية سورية، حيث سيعيش العلويون والدروز والمسيحيون معاً من دون الخوف من مجازر الإبادة الجماعية.

ووصل الى نتيجة مفادها ان على روسيا ان تراقب عن بعد التطورات لأن «نحن لسنا جزءاً من المنطقة. نحن خارجها، وسنبقى خارجها. وستبيع روسيا السلاح والذخيرة لمن يريدها. وستحاور روسيا كل من يرغب في الحوار في المنطقة. وبسب الضغط التركي والسعودي والقطري، فإن محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة والإخوان المسلمين أو أي قوى أخرى مدرجة في أجندة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنها ليست مدرجة في الأجندة الروسية. لا نحتاج إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أرضنا. أما الأميركيون، فإذا كانوا يريدون ذلك، فليقوموا به».

لكن كلام ساتونوفسكي الذي يعكس قناعة عند البعض ان مساحة المناورة عند موسكو ضعيفة لا يحظى بقبول عند كثيرين يرون ان من الصعب إنكار أن موسكو تحتفظ ببعض النفوذ والأدوات للتأثير في التطورات الجارية بالشرق الأوسط. حيث يمكنها استغلال إرث التعاون السابق وإغراء التجارة المربحة، وتصدير النفط والغاز والمعدات العسكرية، ونقل التقنيات، مثل توليد الطاقة النووية. أما بالنسبة لسورية الممزقة بسبب الحرب، فمن الصعب أن تكون وجهة مفضلة للسلع والاستثمارات الروسية. ورغم ذلك يقر غالبية المحللين ان على موسكو حالياً ان تتريث وتراقب التطورات بدقة.

اللافت اكثر في الحديث، الاشارة الى ان روسيا «ليست جزءاً من المنطقة ولا تمتلك فيها مصالح حيوية» وهو لم يصدر عن ساتانوفسكي وحده بل وافقه خبراء مقربون من مراكز صنع القرار مثل رئيس معهد الاستشراق فيتالي نعومكين الذي كلف اكثر من مرة بمهام خاصة للخارجية الروسية، كان احدثها ادارة الحوار السوري- السوري في موسكو.

يرى نعومكين ان مواقف ومصالح موسكو وواشنطن في هذه المنطقة تقف على طرفي نقيض، خلافاً لآراء كثيرة تعتبر ان ثمة اتفاق ضمني بين موسكو وواشنطن في سورية. ويبرر موقفه بالاشارة الى ان الولايات المتحدة الأميركية تبقى حتى الآن المستورد الأهم لنفط الشرق الأوسط. كما أن عدداً من دول المنطقة يرتبطون معها باتفاقيات دفاعية وأمنية، إضافة إلى تواجد قواعد أميركية هناك، بينما تفتقد روسيا كل ذلك.

لكنها في الوقت نفسه، تتعاون مع دول لها علاقات متوترة مع واشنطن، رغم أن موسكو ترتبط في بعض الحالات بعلاقات وثيقة مع بلدان شريكة للولايات المتحدة ، من بينها تركيا على سبيل المثال.

ويرى نعومكين في مقالة نشرتها صحيفة «كوميرسانت» الرصينة أخيراً، أن موسكو لا تملك مصالح حيوية جداً في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإنه لا توجد بين موسكو وواشنطن تناقضات عميقة، حتى إذا كانت قيادات البلدين، تنظر كما في السابق بصورة مختلفة إلى بعض الأنظمة أو الأحداث، وهنا تتشكل فرضياً إمكانات لتعاون في تلك المجالات التي تتطابق فيها مصالح هاتين القوتين العظميين.

ويعتبر ان ابرز القواسم المشتركة الحرب على الارهاب. والحرص على استقرار المنطقة، وينطلق من قناعة بان «الفوضى القابلة للتحكم بها» في المنطقة، لن تتناسب مع المصالح الأميركية بعيدة المدى.

غير أن التعاون الروسي ـ الأميركي، حتى في المجالات التي تتطابق فيها المصالح، معرّض لتأثير عدد من القيود، أهمها: الحالة المزرية للعلاقات الثنائية، وبالتالي حالة من عدم الثقة العميق ما بين حكومتي البلدين. وحتى مع تسوية الأزمة الأوكرانية، فمن المستبعد أن يتغير الوضع بصورة جذرية.

وهو يضيف انه حتى لو نجح الطرفان في تنسيق جهود مشتركة لمواجهة الإرهاب على مستوى رفيع ويتناسب مع حجم التهديدات التي يحملها هذا الإرهاب، فإن روسيا لن تكون بأي حال من الأحوال مستعدة للإنضمام إلى أي ائتلاف تقوده الولايات المتحدة ، بينما لن تتخلى واشنطن أبداً عن دور»القيادة».

إذاً، ما هي البدائل عند روسيا، في ظل تراجع قدرتها على التأثير مع خسائر النظام المتوالية، ومع عودة طرح السؤال عن «مصالح روسيا في المنطقة»؟

يرى بعضهم ان الديبلوماسية الروسية باتت تميل الى توسيع دائرة المناورة في المنطقة تحسباً لخسارة محتملة في سورية، ومن الامثلة على ذلك الانفتاح الروسي الكبير على بلدان المنطقة وخصوصاً تلك التي كانت العلاقات معها تراجعت كثيراً في السنوات الاخيرة مثل قطر او السعودية، ويكفي ان موسكو ارسلت إخيراً وفداً ضم ممثلين عن عشرات الشركات الكبرى وكل الاقاليم الروسية لبحث مجالات توسيع الاستثمارات والتعاون الاقتصادي – التجاري مع السعودية، كما تتردد معطيات عن احتمال ان يقوم الرئيس فلاديمير بوتين الخريف المقبل بجولة تشمل بلداناً خليجية عربية.

على خط مواز، على المسار السوري، سعت موسكو الى تخفيف وطأة التطورات الاخيرة على حليفها الاسد، ونشطت جهودها لمحاولة انقاذ ما بقي من نظامه، عبر اعادة الروح لدعوات اطلاق المسار السياسي بالتوازي مع جهود المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.

وكان لافتاً ان ديبلوماسيين روساً كرروا خلال الاسابيع الماضية استعداد موسكو لاستضافة جولة حوار جديدة «سوري – سوري» لكن اللافت اكثر ان هذه الدعوات لم تقرن بتحركات على الارض، وقال نعومكين الذي ادار الجولتين السابقتين انه «لا يجري تحرك عملي حالياً لتنظيم جولة جديدة من الحوار».

دفع ذلك الى اعتبار تصريحات الديبلوماسيين حول الموضوع جزءاً من مناورة ديبلوماسية هدفها الحقيقي اعادة الملف الى جنيف حيث ستكون المجالات امام النظام اكبر من مساحة قدراته الحقيقية على الارض كما قال خبير معارض.

وانتظاراً لما قد تسفر عنه جهود دي ميستورا أطلقت موسكو حديثاً مع واشنطن وعواصم غربية حول ضرورة الاستناد الى بيان جنيف لكن مع وضع «افكار جديدة» تهدف كما يبدو الى تجاوز اشكالية تفسير المرحلة الانتقالية وصلاحيات الاسد فيها.

ورغم ان الاشارة الى «الافكار الجديدة» وردت على لسان اكثر من مسؤول روسي، لكن موسكو حافظت على التكتم في شأنها، وقال خبراء روس لـ»الحياة» ان بعضاً منها عرض خلال المحادثات مع كيري وان عملية «انضاجها» تجري حالياً.

ويقوم جزء من «الافكار» بحسب الخبير الى اعادة الاعتبار لفكرة قديمة كانت ترددت حول «التمديد للأسد لفترة عامين ربما على ان يغادر منصبه بعد ذلك بضمانات ويتم تنظيم انتخابات عامة ورئاسية جديدة» على ان توجه الجهود خلال الفترة الى مواجهة مشتركة للإرهاب.

 

الحياة