موسكو وجنوب سورية ؟

38

المروّجون أو المتوجسون من نجاحٍ ما لموسكو في سورية يقولون، كلٌّ من الزاوية التي ينظر إليها، إنّ روسيا نجحتْ، في إطار التنسيق مع أصدقائها في المنطقة في شأن عملياتها العسكرية في سورية، في تحييد مصر والأردن، أو على الأقل طمأنتهما، كما نجحتْ في ضبط حركة تركيا، وإرسال طمأنة من نوع خاص لإسرائيل.

في الأسبوع الأول من هذا الشهر خضع هذا القول للاختبار، حيث وردت أنباء عن استهداف الطائرات الإسرائيلية في منطقة القلمون شحنات من الأسلحة كان ينوي الجيش السوري نقلها إلى «حزب الله». كان التحرك الإسرائيلي منسجماً مع التفاهمات مع موسكو، حيث اتفق الطرفان منذ بدء التحرك الروسي على الحيلولة دون توظيف طهران و «حزب الله» الغارات الروسية لتهريب شحنات نوعية من الأسلحة لـ «حزب الله».

الضربات العسكرية الروسية تركزت أساساً على شمال سورية ووسطها، لكنّ ثمة ما يغري دمشق وطهران، وربما موسكو، في توسيع هذه الدائرة وتحقيق هدفٍ فشل النظامُ مراراً في إنجازه وهو قطع أيّ دعم لوجيستي أو تواصل عملياتي بين المعارضين السوريين في الجنوب وشركائهم في المناطق المحيطة بدمشق. وافتراض دمشق أن تل أبيب لن تُسقط أي طائرة روسية في الجنوب كما فعلت مع طائرات النظام التي عبرت المجال الجوي الإسرائيلي في أيلول (سبتمبر) 2014، يعوزه اليقين ربما، لأنّ حادث القلمون يشير إلى أن الأمور لا تسير وفق هذا المنطق.

لقد ساهم فشل «عاصفة الجنوب» في إرساء «ستاتيكو» في تلك المنطقة، لكنّه بدأ يتعرّض، هو الآخر، للاختبار وربما الزعزعة، بخاصة إذا قررت موسكو في خططها المبيّتة التدخل في الجنوب. هذه الخطط تحدّث عنها الرئيس بوتين وغيره. وقد أفادت «مجموعة أوراسيا» بأنّ بعض المصادر المتصلة بصناعة القرار في موسكو ذكرت أنّ التدخل في سورية سيمتد إلى الجنوب، وأنّ مقاتلي الجيش السوري و «حزب الله» والميليشيات الشيعية والقوات الإيرانية، سيدعمون على الأرض الضربات الجوية الروسية.

أواخر الشهر الماضي نفذت طائرات حربية، قيل إنها روسية، غارات في بلدات الحارة وتل عنتر وكفرناسج وعقربا في ريف درعا الشمالي. كانت هذه هي المرة الأولى التي توسّع فيها موسكو غاراتها باتجاه الجنوب السوري. وثمة تقارير تذهب إلى أن النظام في وارد تركيز قواته لشن هجوم جديد هناك، ومن غير المستبعد، بالطبع، طلب الدعم الجوي الروسي. هذا مثار قلق للأردن وإسرائيل، بخاصة أنّ عمّان تُقدّر أن شروط الموقف الذي أرسته في جنوب سورية ضمن ما يُعرف بغرفة «موك» حال دون سقوط دمشق بأيدي جماعات إرهابية في سورية، ما يتطلب من موسكو الحذر من تقديم خدمات لإيران و «حزب الله» على حساب مصالح أصدقائها في الجوار السوري.

تصريحات آن باترسون، أكبر ديبلوماسية أميركية معنية بشؤون الشرق الأوسط للجنة في الكونغرس، قبل أيام، بأنّ النظام السوري«منهك» وأنّ «المعارضة في الجنوب أكثر اعتدالاً وأقرب لتوجّه أميركا وأنها تحرز تقدماً» لا تبدد الشكوك بما يكفي، وربما من المهم أن تكون ثمة إجراءات ملموسة لواشنطن لمنع تدهور الأوضاع في تلك المنطقة. ومع أنه ليس هناك ما يؤكد حتى الآن أن ثمة رابطاً بين نيات دمشق وطهران وموسكو في الجنوب وبين إطلاق مسلحين مجهولين مؤخراً النار على قادة في فصائل المعارضة السورية المعتدلة في ريف درعا، وهو ما رفع الى ثلاثين إجمالي عدد عمليات الاغتيال بحق قادة وناشطين معارضين جنوب البلاد خلال شهر، فإنه يضع علاقة موسكو بطهران من جهة وعلاقتها بأصدقائها في عمّان وتل أبيب من جهة أخرى تحت المجهر.

 

محمد برهومة

الحياة