المرصد السوري لحقوق الانسان

نائب الرئاسة المشتركة لـ”الإدارة الذاتية” بدران جيا كرد: وجود تركيا في أي مكان يعني وجود أزمات وتعقيدات.. والمساعي لحوار سلمي سوري-سوري مستمرة رغم كل العراقيل

حرب تعصف بسورية منذ نحو عشر سنوات.. من انتفاضة شعبية سلمية محلية، تحولت الأوضاع إلى نزاع شامل تعدد فيه اللاعبون على الأرض داخل البلاد وخارجها، إلى حد صار من الصعب لملمته، في وقت انهار فيه البلد على جميع المستويات وشُرّد أبناؤه وقتل الآلاف. نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بدران جيا كرد، يتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن مساعي الإدارة الذاتية المستمرة للتوصل إلى حل سياسي سلمي، وعن مخاطر النفوذ التركي.

 

س- إلى أين وصلت مساعي روسيا لبناء أرضية مشتركة للوصول إلى حوار سياسي بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق؟ ولماذا تعثرت رغم ترحيبكم بأي حوار سياسي سلمي سوري – سوري؟

– طبعاً كانت هناك محاولات روسية ولقاءات تمت معنا من أجل العمل على تطوير الحوار مع النظام، لكن في الحقيقة لم تثمر تلك المحاولات حتى اللحظة أية نتائج عملية. وقبل مدة قصيرة تم إبلاغنا عن طريق الروس أن النظام غير جاهز للحوار. الإدارة الذاتية لم تتهرب من مساعي الحوار مع أي طرف سوري، ولا تزال ترى أن الحوار هو السبيل الأفضل نحو الوصول إلى الحل والاستقرار، لذا تكمن المشكلة في النظام السوري الذي لا يقبل بأي شكل من أشكال الحوار، لكونه لا يملك مشروعا للحوار من أجل الحل. هذه العقلية العسكرية المستبدة جلبت ما حلّ بسورية من كوارث. ويبدو أن الوضع السوري سيتجه نحو الأسوأ سياسيا واقتصاديا إن لم يغير من سلوكياته وسياساته. وهنا، نعتقد أن الدور الروسي مهم ونأمل في أن يكون أكثر تطورا في ملف الحوار السوري- السوري، بعيدا عن التأثيرات السلبية من تركيا وإيران في العملية الحوارية وفق المسار الأممي 2254.

 

 

س- لديكم في الإدارة الذاتية الكردية مشروع ديمقراطي ترون فيه حلا للأزمة السورية، ما هي المعوقات التي تحول دون تنفيذه سواء من قبل النظام أو المعارضة؟

– هناك من يرى في هذا المشروع خطرا، ليس على سورية وإنما عليهم كمتنفذين في صلب الدولة بهيكلها وشكلها المركزي، وكذلك على مصالحهم ومشاريعهم، لذا يحاولون دوماً العمل على تشويه وتقديم الإدارة الذاتية على أنها خطر ومشروع تقسيمي وانفصالي، علما بأننا نحن مَن قدّمنا الدلائل والإجراءات العملية على مدى حرصنا على سورية ووحدتها. ومن يروّج لهذه الاتهامات، هم من يمارسون أفظع الممارسات في سورية، فعلى سبيل المثال في عفرين ورأس العين (سري كانييه) وتل أبيض، هناك تغيير لهوية المناطق الأصيلة في سورية، عبر فرض اللغة والثقافة التركية وفرض التعامل بالعملة التركية ورفع العلم التركي وتمجيد أردوغان.. فهل يخدم هذا مستقبل سورية مثلاً؟

إن هذه التوجهات تعزز التقسيم بالتأكيد وتفرضه على الشعب السوري.. هم يرفضون ويشوهون الإدارة الذاتية كونها تمثل الحل الديمقراطي الحقيقي الذي يجمع المكونات الموجودة في المنطقة والذي يحمل الأمل للسوريين. أما عن المعوقات، فهي متعلقة بالذهنية الطائفية والمذهبية والقوموية الشوفينية التي لا تريد الحل لسورية، إلا وفق مصالح تلك الذهنية المعاقة وغياب روح المسؤولية لدى كل من المعارضة والنظام السوري على حد سواء.

 

س- أين وصلت خريطة الطريق التي قدمتها الإدارة الكردية في وقت سابق بخصوص مشروع إدماج هياكل الحكم في شمال سورية ضمن الدستور السوري، والذي توسّطت فيه روسيا مع دمشق برغم معارضة واشنطن؟

– لا تزال الأمور على حالها ولا يوجد أي تطور في هذا المجال، والواقع أن الخريطة ليست لدمج هياكل الإدارة مع مؤسسات النظام السوري بل تتضمن الحفاظ على خصوصية المنطقة من النواحي الإدارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، ونتطلع إلى دور روسي أكبر في هذا المجال.

 

 

س- ألا ترى أن تقليص النفوذ التركي في سورية من شأنه أن يدفع إلى ازدياد فرص الاتفاق والحل السياسي السوري – السوري ؟

– علينا أن نعي جميعاً أن وجود تركيا في أي مكان يعني وجود المشاكل، وما التعقيدات الأخيرة التي تشهدها سورية إلا بسبب تركيا وسياساتها ودعمها الإرهابيين، خاصة أولئك الذين قاتلوا مع “الدولة الإسلامية” ونراهم اليوم في صفوف ما يسمى الجيش الوطني. تركيا تمثل بالفعل مشكلة في سورية وفي المحيط الإقليمي، وبوجود تركيا واحتلالها وممارساتها المذكورة آنفاً لا يمكن أن يكون هناك أي حل أو توافق في سورية. وقد رأينا كيف تم تحريف مسارات عدة بفعل التدخل التركي، ناهيك عن حجم العراقيل والانتهاكات التي تتم يومياً في الداخل السوري.

 

 

س- هل موسكو قادرة اليوم في ظل الأوضاع الداخلية والإقليمية، إضافة إلى التعنت التركي، على استخدام بدائل أخرى للضغط على أنقرة في إدلب وفي منطقة عفرين وخلق حوار بين دمشق والإدارة الذاتية لإقرار حل سياسي وسلمي ينهي الاحتلال في عفرين وطرد المرتزقة؟

 

– نرى أن لروسيا دورا استراتيجيا مهمّا في سورية، أما عن آليات الضغط فهي تعود إلى جملة من التطورات ولكن المهم هو أن تدرك روسيا الخطورة التي تمثلها تركيا في سورية، وأن الصفقات المشبوهة بينهما لا تخدم الحل السوري المستدام. ومع هذا الإدراك، نعتقد أن ما تفضلتِ به ممكن، مع الإشارة هنا إلى أن المتغيرات الميدانية النوعية مرتبطة بتحالفات روسية تركية.

 

 

س- هل تتوقعون عمليات انتقامية من قبل تركيا على المجلس الوطني الكردي بعد التقارب بينه وبين حزب الاتحاد الديمقراطي لإجبار المجلس على التراجع عن الاتفاق؟

– تركيا أبدت على لسان وزير خارجيتها انزعاجها من هذه التطورات، لكن بغض النظر عن رد الفعل التركي يجب أن يكون للكرد موقف واحد بعيد عن التدخل التركي. ونعتقد أن الكرد فيما بينهم يمكنهم الاتفاق والتفاهم، ونرى أن التعويل على تركيا في القضية الكردية مع هذا العداء للكرد والممارسات التي تتبعها تركيا الحالية يعتبر خطأ، لذا نأمل في أن يمضي الجميع في اتفاقهم وتفاهمهم الكردي-الكردي بكل قوة بدون الاكتراث بأي عامل مشتت، لأن هناك في نهاية المطاف من لا يريد للكرد أن يكون لهم موقف موحد ودور واحد كخطوة للمضي قُدما نحو تجاوز الخلافات السورية خدمة للحل السوري الشامل، وليس على حساب أي طرف سوري آخر كما يدعي البعض.

 

 

س- يرى مراقبون أن قانون قيصر هو أشد العقوبات على سورية منذ انطلاق الثورة السلمية، حيث سيزيد من معاناة السوريين.. كيف يمكن أن يواجه الشعب الذي أنهكته الصراعات والوجود الأجنبي هذا القانون، وما هي تداعياته على مناطق النفوذ التركي ومناطق سيطرة الفصائل؟

– لو تناولنا الجواب من الأخير.. المناطق التي تحتلها تركيا اليوم ستحاول هذه الأخيرة عزلها عن التأثر بهذا القانون عن طريق إلحاقها بتركيا في خطوة أخرى نحو تقسيم سورية واحتلالها أجزاءٍ منها..والملاحظ أساسا أنه لم يعد في تلك المناطق ما يمكن وصفه بأنه ذو طابع سوري من الناحية الديموغرافية والخدمية والثقافية والتعليمية وحتى التنظيمية تسري فيها ما يسرى في الداخل التركي، وقد رأينا مع بداية الإعلان عن قانون قيصر كيف بدأت تلك المناطق التعامل بالعملة التركية.

أما على الصعيد السوري فسيكون لهذا القانون تداعيات كبيرة وسلبية خاصة في مناطق شمال سورية وشرقها حيث تردت الأوضاع في كل المجالات بما ينذر بعودة تنظيم “الدولة الإسلامية” مع الدعم التركي الكبير المتوفر له في المنطقة.

وبخصوص آليات المواجهة نعتقد أن المنظمات الإنسانية يجب أن تقوم بدورها لفصل الشعب عن مكان الأهداف التي تم إقرار هذا القانون لأجلها، وهنا لابد من فتح المعابر خاصة في مناطقنا وبالتحديد معبر اليعربية- تل كوجر، كون استمرار إغلاقه يشكل خطرا كبيرا على مناطقنا، إلى جانب تقديم دعم دولي اقتصاديا وماليا لمناطقنا التي مازالت تخوض حربا ضد الإرهاب الدولي.

من جانبها، تتخذ الإدارة الذاتية بعض الإجراءات ضمن طاقاتها المحدودة كتسهيل حركة التجارة وتخفيف الرسوم وتقديم مساعدات للمواطنين من أجل تطوير مشاريع متوسطة المدى.

 

س- لكن قانون القيصر ستطبق عقوباته على كل المنافذ الحدودية على سورية باستثناء المنفذ الذي يسيطر عليه الأكراد لينتعش.. هل يمكن للأكراد استغلال تلك الفرصة للضغط على دمشق التي تتهرب من الجلوس معهم على طاولة المفاوضات والاعتراف بالإدارة وبقسد؟

– علينا ألا نتناول الأمور من الناحية الاستغلالية أو نتحول لممارسة سياسة ليّ الذراع. نحن من أجل الحوار ونلتزم بمبادئنا، ونأمل في ألا تكون الضغوطات أسلوبا في التعامل مع أي أحد يؤدي واجباته ومسؤولياته الوطنية، وبالتالي متى ما توفرت الشروط الموضوعية وآليات القبول للحوار نحن جاهزون لذلك مع كل الأطراف بدون استثناء.

 

س- الإقبال الكبير على شراء الليرة التركية ضمن مناطق نفوذ “تحرير الشام” والفصائل، هل من شأنه أن يدفع أكثر إلى انهيار الليرة السورية برأيك؟

– ربما يستطيع الاقتصاديون الإجابة بشكل أدق على هذا السؤال، لكن إجمالاً التداعيات موجودة ولاشك في أن التعامل بعملية غير سورية يزيد من انهيارها.

 

س- يصف النظام السوري الأكراد بالانفصاليين، كيف ترد على ذلك؟

– كما أشرت سابقا، هناك من يتستر وراء هذه الاتهامات من أجل تنفيذ ما هو أفظع منها. وفي كل الأحوال، مناطق الإدارة الذاتية مفتوحة أمام الجميع ورؤية الإدارة الذاتية واضحة حيال كل القضايا في سورية. كما أن الدول الفاعلة تدرك حقيقة الإدارة الذاتية ودورها، ونعتقد أن تلفيق مثل هذه الاتهامات ينطوي على أهداف سياسية بحتة ولا علاقة له بالحرص على سوريا، وهذه الاتهامات تخفي في الواقع تنصلا من الحوار والعمل على تجسيد الحل المنشود، ولا تخرج عن كونها تحريضا وتأجيجا للمشاعر الشوفينية ضد الكرد، وبالتالي محاربتهم.

 

 

س- يعتبر العديد من الأكراد أن جيفري ممثل الإدارة الأمريكية في سوريا هو عرّاب المؤامرات على الشعب الكردي ولا يثقون به.. لماذا برأيك؟

– لكل طرف وجهة نظره، ولسنا بصدد التعليق على وجهات النظر، لكن “جيفري” اليوم هو مكلف بمهام في سورية ونأمل أن تصب كل الجهود الفاعلة في سورية، في إطار الحفاظ على الاستقرار وتحقيق التجانس في المجتمع السوري وتفضي إلى حل يخدم الشعب السوري ومستقبله الديمقراطي، وأن يُنظَرَ بكل تقدير إلى مساهمة الكرد وغيرهم من المكونات في شمال سوريا وشرقها إلى ما قدموه من تضحيات من أجل تحقيق الاستقرار في سورية والمنطقة والعالم وما بذلوه من نضال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

 

 

س- كيف تفسّر تزايد الهجمات الإسرائيلية المتكررة على مواقع إيرانية داخل سورية، وما هي الأهداف غير المعلنة لذلك؟

– نعم هناك إجماع بين القوى الدولية على إخراج إيران من سورية، وبالتالي تتطور الضغوطات العسكرية والسياسية والاقتصادية ضد إيران في المنطقة.

 

 

س- يتعرّض النظام إلى ضغوطات أمريكية-روسية لإخضاعه لمطالبهما بإبعاد إيران.. هل زاد ذلك من الصراعات والتناقضات الداخلية داخل النظام؟

– رأينا في الفترة الماضية تطورات غير مسبوقة فيما يتعلق بالصراع أو الخلاف بين النظام نفسه وأقاربه. في جميع الأحوال، ما يحدث من تطورات سيكون له تبعات أكيدة، ولكن قد يختلف شكل وماهية هذه التبعات، لكن بالإجمال نحن مقبلون على مرحلة ستكون فيها تطورات جديدة بكل تأكيد وعلى مختلف الأصعدة، لكون التناقضات تتعمق أكثر بين الحلفاء بشأن تفاهمات روسية أمريكية حول بعض القضايا الأساسية في سورية وليست جميعها، وقد تزيد من التعقيد في المشهد السوري لكثرة اللاعبين وصعوبة التوافق بين الجميع في فترة قريبة.

 

 

س- المخطط الأمريكي-الروسي في سورية ودعوة واشنطن في وقت سابق القوات الأجنبية إلى الخروج باستثناء الروس.. إلى أي مدى سيكون هذا العمل المشترك سهلا وناجحا خاصة مع تعنت أنقرة؟

– روسيا وأمريكا دولتان مهمتان في العالم وأي تفاهم بينهما، ليس في سورية وإنما في أي منطقة من العالم، من شأنه تحقيق الاستقرار، لذا لا شك في أن التفاهم الروسي-الأمريكي والاتفاق بينهما في أي ملف من الملفات سيكون له تأثير إيجابي على الساحة السورية. أما عن إمكانيات السهولة في ذلك، فنعتقد أن الطرفين على تماس مشترك في كل العالم ولا توجد مناطق شهدت صداما كبيرا. وبغض النظر عن الاختلافات، فإن إدراكهما دورَ وأهمية الآخر أمر واضح، لذا نعتقد أن التفاهم في حال رغبة الطرفين لن يكون صعباً. وهذا الأمر من شأنه أن يأتي بخطوات مهمة باتجاه الحل، إلا أن التفاهمات -للأسف- غالبا ما تحصل حسب مصالح تلك الدول، ونأمل في أن تكون مصالح الشعب السوري مكرسة.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول