ناشطات سوريات للمرصد السوري: لا شرف لمن يقتل امرأة بدافع “غسل العار”

لا تزال جرائم الشرف منتشرة وبشكل خاص في دول عربية، بسبب تلك النظرة الدونية للمرأة واعتبارها جالبة للعار على خلفية أعراف بالية.

وتطالب منظمات حقوقية عربية ودولية بتشديد العقوبات على هذا النوع من الجرائم، في وقت تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 5000 إمرأة في العالم يقعن سنويا ضحية لجرائم قتل ترتكب باسم حماية شرف العائلة، وبرغم التعديلات القانونية التي أصبحت تفرض عقوبة على الجاني في العديد من الدول العربية إلا أن هذا النوع من الجرائم لا يزال يستخدم لتصفية الحسابات داخل العائلة.

ويقرّ المختصون في علم الإجتماع، بوجود خلل في فكرة ومصطلح “العيب” بالمجتمعات العربية، ويعتبرون أن “المجتمع العربي قائم على مفهوم العيب الذي ينحصر في الشرف بشكل محدود للغاية ليس له علاقة بالصدق أو الأمانة أو النجاح”.

وتتكرّر هذه المشاهد المأساوية التي تحكي عن قتل النساء على أيدي أقرب أقربائهن في المجتمعات الذكورية الشرق أوسطية، وتعيش بعض مناطق سورية على ضوء هذه النوع من الجرائم حيث لا تغيب أخبار قتل النساء بدافع “غسل العار”، ولا تكاد تغيب إحدى هذه الجرائم عن الذاكرة قليلا، إلا وثمة جريمة أخرى من نوعها هي أبشع وأشنع تتصدر المشهد الإخباري .

وقد سُجل ارتفاع في هذا النوع من الجرائم المأساوية وطرق القتل الشنيعة، حيث وصل العدد إلى مقتل تسع نساء في ظرف أسبوع على أيدي أهاليهن بمدينة السويداء، ونددت منظمات حقوقية سورية ودولية بالحادثة، منادية بمحاسبة الجناة ومراجعة بعض القوانين المعدلة التي ظلت حبرا على ورق ومن ضمنها إلغاء قانون العذر المخفف ولم يُعمل به للحدّ من جرائم الشرف.

المرصد السوري لحقوق الإنسان ندّد مرارا بمثل هذه الجرائم التي تتنافى وحقوق الضحية في العيش والحياة، وقد دعا إلى مراجعة بعض التشريعات غير الإنسانية.

وتحدث المرصد مع ناشطات سوريات بخصوص الوقفة الإحتجاجية المزمع تنظيمها الخميس 19 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بخصوص هذه القضية، حيث أجمعن على أهمية توفّر المساندة الدولية من قبل المنظمات الحقوقية لهؤلاء النسوة اللائي يذهبن ضحايا تقاليد بالية وشكوك غير مؤكدة أحيانا.

وفي هذا الإطار، قالت الناشطة الإجتماعية والمدنية، انتصار أبو لطيف، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن الشرف لا يقتصر على غشاء البكارة للمرأة، بل هو معنى أسمى من هذا، لافتة إلى أنه من “العار الحديث اليوم عن هكذا ظاهرة في سورية”.

وأضافت: إن المادة الملغاة ترتبط حديثًا مع المادة رقم 192 من ذات قانون العقوبات، إذ أن المشرّع (ويمثله مجلس الشعب في سورية) خفف في المادة رقم 192 العقوبة التي تُفرض على الجرائم التي وقعت لوجود مسبب وهو ما أسماه المشرّع بـ”الدافع الشريف”.

وقالت إن “الدافع الشريف” لا دخل للقانون في تعريفه لأن تحديد هذا الدافع مقتصر على تقدير قاضي الموضوع، حيث تنص المادة 192 على التالي:”إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفًا قضى بالعقوبات التالية وهي الاعتقال المؤبد أو 15 سنة بدلًا عن الأشغال الشاقة المؤبدة، والاعتقال المؤقت بدلًا عن الأشغال الشاقة المؤقتة، والحبس البسيط بدلًا عن الحبس مع التشغيل، وللقاضي أن يعفي المحكوم عليه من العقوبة”.

وعبّرت محدثتنا عن رفضها للتعديل بشأن العقوبة ،معتبرة أن القتل بالسبب المخفف كالقتل بأي عذر آخر، دون إمكانية الاستفادة المسبقة من القانون نفسه.

وأشارت إلى أنه غالبًا ما يتم التكتم على مثل هذه الحوادث التي تشير إحصائيات قضائية إلى أنها كانت وما زالت منتشرة في سورية وبكثرة.

من جانبها، أشارت الناشطة السورية والعضو بمرصد نساء سوريا، رنا الشاعر، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى النظرة الدونية للمرأة حيث لا يزال دافع شرف الرجل والقبيلة والعشيرة هو المسيطر ما دفع إلى ارتفاع هذه الجرائم عن طريق قتل امرأة بالغة أقامت علاقة حرة ليس لها ارتباط بالزنا.

وقالت الناشطة إن الإحصائيات الأخيرة في سورية تنذر بالخطر الأمر الذي يدعو إلى ضرورة وقفة تأمل ودراسة معمقة لأسبابها، مشيرة إلى أن مدينة السويداء عاشت على وقع تسع جرائم قتل هذا العام راحت ضحيتها نساء تحت مسمى “جرائم الشرف”.

وأضافت أن مطالبة بعض النسوة في سورية بحقهن في الميراث قد يؤدي إلى مقتلهن تحت مسبب “جريمة الشرف” أيضا، بمعنى أنه ليس للمرأة حق كالرجل.

وتحدثت رنا الشاعر، عن ضعف القوانين التي تحمي المرأة في سورية وخصوصا قانون الأحوال الشخصية، لافتة إلى أن المرأة غير متساوية مع الرجل لا في الحقوق المدنية أو السياسية ولاغيرها.

وقالت إن وقفة الخميس الاحتجاجية هي حملة مناصرة وحشد جماهيري قوي للوقوف وقفة غاضبة أمام قصر العدالة للتنديد بقتل النساء، قائلة “لا شرف لقاتل ولا شرف لمن يعتبر المرأة أقل من الرجل”.

ونددت الشاعر بما يسمى جريمة شرف، مطالبة المنظمات الدولية بالتحرك من أجل نصرة المرأة السورية ومن بينها المرصد السوري لحقوق الإنسان، والتي تعاني أصلا أوضاعا مأساوية بسبب الحرب زادها العنف المسلط ضدها تأزما..

وأردفت: “ليس هناك حتى اليوم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، أي سلطة قضائية حقيقية، أو جهاز للشرطة يستطيع ضبط الأوضاع الأمنية، ومكافحة الجرائم الآخذة في الإزدياد يوماً بعد يوم، حيث تسيطر فصائل مختلفة على هذه المناطق، وتعمل إمّا وفق المفهوم المناطقي، أو وفق مفهوم مرجعي ديني كما هو الحال في مناطق سيطرة تنظيم داعش، وحتى في مناطق النظام أيضا هناك عشرات الفتيات يذهبن ضحية شرف مزعوم”.

وأضافت:”فوضى القانون، في هذه المناطق والأوضاع السياسية والإقتصادية الصعبة، وعدم وجود رؤية قانونية وقانون حقيقي يتمّ تطبيقه، زاد من نسبة الجرائم بشكل عام، وجرائم الشرف بشكل خاصّ، حيث باتت اليوم تُرتكب لمجرّد الشُّبهة”.

ويرى مختصون أن أمور عديدة، على رأسها العوامل الإقتصادية، والتعليم، والقوانين، والأعراف والتقاليد التي تحكم المجتمع، تمثّل عوامل أساسية تؤثّر في تدنّي أو زيادة نسبة جرائم الشرف، التي لا تزال حاضرة وبقوة منذ عقود طويلة في مجتمعاتنا.

ويعتبر كثيرون أنه في ظل سيطرة مجموعة من العادات والتقاليد التي أثّرت بقوة حتى على قوانين العقوبات، لتجعل من جرائم الشرف أحكاماً بالإعدام خارج نطاق القانون، وتبقى المرأة هي الضحية في كل ما يجري، في انتظار قانون في المستقبل يقوم بإنصافها وحمايتها.

وفي نفس السياق، تقول المعارضة السياسية وعضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، سميرة زعير، في تصريح للمرصد السوري لحقوق الإنسان، إنه لا بد من معالجة المسألة الخطيرة قانونيا وإعلاميا، مشيرة إلى أهمية تعديل البيئة القانونية التمييزية وتوعية المجتمع بخطر هذه الجريمة.

واعتبرت محدثتنا أن هذه الجرائم مثلها مثل جرائم القتل الأخرى وتستحق تسليط أقصى درجات العقوبات وتعتبر واحدة من أبرز انتهاكات حقوق الإنسان.

ونوهت سميرة زعير بدور المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني في مجال التوعية والتمكين لتحقيق المساواة والتحرير الاقتصادي والتي تعتبر عوامل تساعد في التخفيف من جرائم الشرف.

ووفق إحصائية ضمن دراسة أجرتها “نعيم” فإن سورية مصنفة خامسة بين الدول الخمس الأولى عالمياً والثالثة عربياً بناءً على تصريح رسمي من الأمم المتحدة، وحسب احصائيات وزارة الداخلية عام 2010 فإن نسبة جرائم الشرف بلغت 294 جريمة من عدد القضايا الجزائية، وفي عام 2014 شكلت جرائم الشرف 60 بالمائة من عدد القضايا، وحسب المكتب السوري للإحصاء تتراوح جرائم الشرف بين 200 إلى 300 جريمة في كل عام، وتزداد في الأرياف، وبيّن المكتب أن معظم الضحايا بعد الفحص الشرعي للجثة تبين أنهن كنا عذراوات.

هذه الجريمة التي تشكل خطراً على المجتمع السوري وعلى الإنسانية تحتاج وضع حدٍ لها وفقاً لرأي نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان الذين ينظرون لها على أنها “جريمة بلا شرف”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد