ناشط تركي يفنّد بالأرقام استمرار التعامل التجاري مع إسرائيل: نزوّدها بكل حاجاتها

437
عندما أطلق الناشط التركي “المنفي طوعاً”، متين جيهان حملته لفضح والشركات التركية التي تواصل التعامل التجاري مع إسرائيل بوسم “أوقف الشحن إلى إسرائيل”، لم يتوقّع أن تتحوّل خطوته المصحوبة بالأدلة والمعطيات إلى أداة ضغط سياسي ومادة دسمة لانتقاد الحكومة التركية على الازدواجية بين تصريحاتها وأدائها.
ونشر الناشط المقيم في ألمانيا هرباً من ملاحقة السلطات التركية، عشرات الوثائق والصور التي دعّمت اتّهاماته للحكومة التركية ورجالاتها الرفيعي المستوى بالتعامل مع إسرائيل سرّاً على نقيض مواقفهم المعلنة، وذلك عبر حسابه الرسمي على موقع “اكس” الذي تحوّل إلى “مصدر مؤكّد” لقياس حجم التبادل التجاري بين العدوين الافتراضيين.
حملة أوقفوا الشحن إلى إسرائيل
ويروي جيهان، “اليساري المؤمن بالحرية والمساواة”، كما يفضّل تعريف توجّهه الأيديولوجي، في حديث مطوّل مع “النهار العربي” بداية نشاطه الخاص بملف الصادرات التركية لإسرائيل قائلاً: “في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر، عندما فكرت في ما يمكنني فعله للشعب الفلسطيني، لمعت في رأسي فكرة إطلاق وسم أوقف الشحن إلى إسرائيل (##israilesevkiyatıdurdur)، ذلك بعدما اكتشفت نتيجة البحث في تفاصيل الشحن، أن الشركات المصدّرة وأصحاب السفن واصلوا شحناتهم إلى إسرائيل وكأن شيئاً لم يكن”.
نشر جيهان عشرات الوثائق الرسمية حول مواعيد سفن الشحن التركية أو الأجنبية المتوجّهة من تركيا إلى الموانئ الإسرائيلية وحمولاتها، بالتزامن مع التصريحات الصادرة عن المسؤولين الحكوميين في أنقرة حول اتّخاذ خطوات لمقاطعة الشركات الداعمة أو حتى المتعاطفة مع إسرائيل.
وكان رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش قد أعلن عن قرار للبرلمان “بعدم استعمال أي منتج من منتجات الشركات الداعمة للعدوان الإسرائيلي”، من دون تسميتها، لكن وسائل الإعلام التركية نقلت عنه “إزالة منتجات شركتي كوكاكولا ونستله” من قوائم المطاعم والمقاهي المنتشرة في بهو المؤسسة التشريعية التركية.
لكن جيهان يؤكّد عدم جدّية التصريحات الرسمية وخطوات المقاطعة قائلاً: “عندما بحثت بشكل أعمق عن الشركات المتعاملة لفضحها، توصّلت إلى أسماء مثل بوراك أردوغان (نجل الرئيس التركي) وإيركام يلدريم (نجل آخر رئيس وزراء تركي قبل الانتقال إلى النظام الرئاسي) وبعض المسؤولين التنفيذيين في حزب العدالة والتنمية من الذين واصلوا التجارة مع إسرائيل”.
ووفق جيهان “حاولت فضح هذا النفاق للجميع، حاولوا الإنكار، لكن ذلك أدى إلى انكشاف المزيد. رفعوا دعاوى قضائية، ولم أهتم، لقد وصل الأمر إلى نقطة لم يعد بإمكانهم تغطيتها”.
الخطاب الرسمي التركي نفاق 
في منشور له عبر حسابه على موقع “إكس” يعرض جيهان خرائط ووثائق شحن رسمية لقيام شركات “مانتا” للشحن البحري المملوكة من نجل أردوغان وشركاء آخرين، و”أوراس” المملوكة لنجل بن علي يلدرم بالشراكة مع النائب عن حزب العدالة والتنمية وهبي كوتش، وسفينة “هاتاي رو رو” المملوكة للمرشح البرلماني عن حزب العدالة والتنمية ورئيس فرع الحزب السابق إبراهيم غولر بنقل الإمدادات إلى إسرائيل.
كما يكشف بالوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة التركية تزويد رئيس بلدية ملاطية يشيليورت محمد جينار، صاحب شركة “عثمان أغولولار”، إسرائيل بالمواد الخرسانية، وشراء المرشح البرلماني لحزب العدالة والتنمية ومدير جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين بلال راير جوك، النفايات من إسرائيل ودفنها في أضنة، وتزويد رجل الأعمال مصطفى سمرجي، مؤسس حزب الوحدة الكبرى، المتحالف مع العدالة والتنمية، إسرائيل بالكابلات، إلى جانب شركة “زورلو” المورد التركي الرئيسي لشركة الكهرباء الإسرائيلية. ويضيف إلى القائمة شحنات جوية يومية لشركة “ام ان جي هولدينغ”، وشحنات بحرية يومية لشركة “ليماك القابضة”، وشركة “كولين القابضة”، التي تتولى صيانة الناقلة التي تحمل الوقود للطائرات الحربية الإسرائيلية، وشركة “أكتاش” التي ترسل بانتظام الفولاذ والمواد الخام إلى إسرائيل، وشركة “أكتاش صابانجي هولدينغ”، التي ترسل الأسمنت بانتظام إلى إسرائيل، وشركة “أركاس القابضة”، التي تقوم بشحنات منتظمة إلى إسرائيل، وكلها شركات مملوكة لمقرّبين من الحكومة التركية، ونور باقي شاهين، القيادي في حزب السعادة الإسلامي، الذي يصدر الطماطم إلى إسرائيل (تم فصله من الحزب بعد الفضيحة) والقائمة تطول.
وعلى عكس الأخبار المتداولة في الإعلام التركي الموالي للرئيس رجب طيّب أردوغان، يكشف جيهان أن “عدد السفن المتجهة من تركيا إلى إسرائيل، والذي كان 253 في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، تجاوز 500 في كانون الأول (ديسمبر)، مضافة إلى المنتجات السابقة توريدات مباشرة للجنود الإسرائيليين، من الملابس الداخلية المقاومة للحرارة إلى الأسلحة”.
ويهدد جيهان بـ”بذل قصارى جهدي لكشف المزيد والمزيد” في حال عدم إيقاف السلطات التركية نفاقها، بحسب وصفه.
يقول جيهان: “عندما فكرت في مسألة مساندة الفلسطينيين للمرة الاولى، شعرت بالعجز لأنه لم يكن هناك ما يمكنني فعله، الآن أشعر بأنني أفعل على الأقل بعض الخير للشعب الفلسطيني. سأواصل بذل قصارى جهدي، ليس فقط للشعب الفلسطيني، ولكن أيضاً للإسرائيليين واليهود المحبين للسلام الذين يخرجون إلى الشوارع للاحتجاج على إسرائيل في جميع أنحاء العالم”.
التبادل التجاري التركي مع إسرائيل في زيادة
بداية العام، وكجزء من انجازات حكومته، سلّط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضوء على أرقام الصادرات لشهر كانون الأول (ديسمبر) 2023.
وأعلن أردوغان عن ارتفاع حجم الصادرات، من 22.9 مليار دولار في كانون الأول (ديسمبر) 2022، إلى 23.0 مليار دولار في الشهر نفسه من عام 2023، ليعلو التصفيق الحار من الموجودين في قاعة الفندق الذي احتضن حفلاً خاصاً لإعلان أرقام الصادرات السنوية المتزايدة من 254.17 مليار دولار في العام الماضي إلى 255.81 مليار دولار هذا العام، بزيادة بنسبة 0.4% على أساس شهري و0.6% على أساس سنوي.
لكن أردوغان أغفل الحديث عن حجم التبادل التجاري المتزايد مع إسرائيل، والتي تبدو صاحبة فضل في الزيادة المقدّمة كإنجاز حكومي.
نتيجة للضغوط على الحكومة التركية للالتزام بمضمون الخطابات الحماسية حول الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، أعلن وزير التجارة التركي عمر بولات أنّه “منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، انخفضت تجارتنا المتبادلة مع إسرائيل بأكثر من 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي”.
ومع ازدياد الضغوط الشعبية والإعلامية وحتى السياسية من مسؤولي المعارضة، اضطر بولات إلى إجراء بعض التعديلات على تصريحاته السابقة، قائلاً ان “التجارة الخارجية بين تركيا وإسرائيل انخفضت بنسبة 48% منذ تشرين الأول (أكتوبر)، وبضائعنا التي تصل إلى الموانئ الإسرائيلية تتّجه فعلياً إلى فلسطين”.
لكن أرقام الوزارة التي يترأسها بولات تظهر عكس أقواله، اذ ارتفعت الصادرات التركية إلى إسرائيل، من 319.5 مليون دولار في تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى 430.6 مليون دولار في كانون الأول (ديسمبر)، بزيادة بلغت 34.8%.
يشير رقم 430.6 مليون دولار لشهر كانون الأول (ديسمبر) إلى حجم أعلى من حجم الصادرات التركية إلى إسرائيل قبل هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) والذي بلغ 408.3 مليون دولار في تموز (يوليو)، ما يعني أن أنقرة استغلّت جيّداً الحاجة الإسرائيلية المتزايدة لموارد قادمة من مسارات آمنة رافعة بذلك أرقام صادراتها وأصنافها إلى تل أبيب.
تأتي هذه الزيادة في الصادرات إلى إسرائيل بالتزامن مع الاحتجاج الذي شهده جسر غلطة الشهير وسط اسطنبول في اليوم الأول من العام الجديد، بمشاركة بلال أردوغان، نجل الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي هدد أصحاب رؤوس الأموال المتعاملين مع إسرائيل في تركيا قائلاً:”يجب على أصحاب رؤوس الأموال أن يكونوا حذرين”.
تظاهرة شرحها الأكاديمي التركي امريه غولسونار قائلاً: “تقوم شركات “جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين” الموالية للحكومة ببيع البضائع إلى الجيش الإسرائيلي الذي يرتكب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، ومن ثم يقومون بتحويل بعض الأرباح التي يحققونها من هذه التجارة إلى مؤسسات مثل “تقوى” التي تنظّم بدورها مسيرة “لدعم فلسطين، ولعنة إسرائيل”، النفاق الذي يجعلك تستسلم”.
وبرر البرلماني السابق عن حزب العدالة والتنمية محمد متينير، ارتفاع أرقام الصادرات إلى إسرائيل قائلاً أن جزءا كبيراً من البضائع التركية التي تصل إلى الموانئ الإسرائيلية يذهب إلى الفلسطينيين، ليردّ عليه البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري مصطفى اديغوزال بالقول: “إسرائيل تمنع حتى الماء عن الفلسطينيين، فهل يمتلك الفلسطينيّون طائرات كي يشتروا منّا وقوداً مخصصاً للطائرات؟”.
ينهي ميتين جيهان حديثه إلى “النهار العربي” قائلاً: “هذه من المرّات النادرة التي أحظى فيها بكل هذا الدعم من أوساط اليمين الديني التركي، البالغ الحساسية تجاه المسألة الفلسطينية، على الرغم من كوني يسارياً أعلن دائماً لا دينيّتي، إلى جانب تعاطفي مع القضية الكردية وكل القضايا التي تتسبب لليمين التركي بالحساسية المفرطة”.

المصدر: النهار

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.