نحو ثقافة جديدة للجمهوريّة السوريّة ما بعد الكارثة

رافقَ اندلاع الأزمة السوريّة – الكارثة قبل 11 عاماً والعنف الجهنمي من قبل السلطة أولاً وأساساً، ثم الجماعات المسلّحة والفواعل الدوليّة من الخارج، الذي أنتج دماراً واسعاً يصعب تعويضه وخساراتٍ باهظة لا تُعوّض في الأرواح والطاقة البشرية وتمزّقات هائلة في النسيج الاجتماعي والوطنيّ ليس من السهل رَتْقُهَا، رافقها مطارحات وجدالات ثقافيّة- فكريّة في ما خصّ العوامل الكامنة وراء اندلاع الأزمة ومقدار العنف المهول الذي اجتاح البلاد بأيدي أبنائها ضد بعضهم البعض وتَفَشّي جرائم الكراهية، لتتفجّر أسئلة من قبيل : هل كنّا حقّاً شعباً واحداً؟ من أين هَبَّت كلّ هذه الكراهيّة والعنف؟ بل ذهب بعضٌ، من أطراف الاستقطاب جميعها، إلى القول: كيف كُنّا نعيش مع “هؤلاء”؟
لقد تركّزت معظم الإجابات على العامل الطائفيّ، بشكل أساسيّ، والتمايزات الإثنيّة في البلاد عموماً، أي على سياسة الهويّات، ومن هنا جرى اَلتَّثَبُّتُ على التفسيرات الثقافويّة في تفسير الأزمة وانفجار العنف: الدِّينُ، الطائفة، العرق؛ أي على العوامل الموروثة، و”حتميّة الصراع” بالتالي.
ومما يؤسف له أن النقاش حول مسبّبات الأزمة الوطنية الكبرى في تاريخ البلاد لا يتطرّق إلى كيفيّة تجنّب ترسيخ مركزيّة سلطويّة من نوع آخر، جرّاء ثقافة الواحديّة القوميّة التي رسّختها التيارات القومية العروبيّة، وفي مقدمتها حزب البعث بحكم استئثاره بالحكم لعقود وتسخيره مقدّرات الدولة في نشر الإيديولوجية العروبيّة في شرايين الدولة والمجتمع، والتي تستولي بدورها على عقول وأفئدة الكثير من قوى وتيارات المعارضة التي اندمجت مع إيديولوجيا الإسلام السياسيّ الغالبة على تياراتها أو تستبطنها على أقل تقدير، والتي تشرّبت من بعث السلطة نسغها الفكريّ و “الرسالة الخالدة” إيّاها، بهذه الصيغة أو تلك.
إيديولوجية “الرسالة الخالدة” الجديدة تستند على سرديّة ناتجة عن تراكب أدلوجتين معاً: قوميّة ودينيّة/ طائفيّة، كتصوّر لتاريخ سوريا ومستقبلها، وهي بالضرورة كابحة لتَقَبُل ثقافة جديدة في البلاد، وتغذّي التعصّب القومي والدينيّ والطائفيّ على حساب المواطنة الحقّة، بذريعة الأغلبية والأكثرية العدديّة (العرب المسلمون السُنّة). ومن جهة أخرى تساهم في إعادة إنتاج نظام مركزيّ سلطويّ قائم على المفهوم “الإحصائي” ذاته.
معارضتنا لهذا التصوّر، على الصعيد الثقافيّ وإمكان صياغة هويّة جديدة لمستقبل البلاد، لا تُبنى من منطلق رفض أنّ العرب أو المسلمين “السنّة” (على صعوبة تعيين المصطلح الأخير الفضفاض جداً، إلا أننا نستخدمه هنا، اضطراريّاً، بالمعنى البسيط الشائع) أكثريّة عدديّة، ولا إنكار علاقة سوريا كدولة ومجتمع بالمحيط العربيّ – الإسلاميّ الواسع ثقافيّاً وحضاريّاً وتاريخيّاً؛ إنّما لأنّ سوريا مُعافاة ولجميع مواطنيها سواسيةً وفق هويّة استيعابيّة مرنة، غير إكراهيّة أو قسريّة، وتتطلّع لمستقبل مشرق ودور حضاريّ في هذه المنطقة المهمة – ملتقى الحضارات تاريخيّاً – لا تستوعبها النسب الإحصائية الجامدة؛ ولا يجوز أن تكون علاقاتها الداخليّة – الوطنيّة قائمة على رابطة العرق والدين؛ بل على المواطنة الشاملة والمتساوية. لا بصيغة بَعث السلطة المجرّبة وكوارثها، أو بالصيغة التي ينوي بعثُ المعارضة بناءَ سورية الجديدة وفقها. ولا على ما تشتهيه كافة تيارات الإسلام السياسيّ والحَرَكيّ، بتدرّجاتها المختلفة الطاغية على تشكيلات المعارضة.
وقد برهنت هذه التيارات، ليس فقط من خلال التجارب العمليّة في سوريا وفي أكثر من بلد عربيّ وإسلاميّ، بل وكذلك في ثنايا خطابها (بما فيها التيارات “المعتدلة” منها)، على أن الثقافة التي تنشدها لسوريا المستقبل وصفةٌ مجرّبة، ناجعة وناجحة جداً، للاحتراب الأهليّ المستمرّ والتنافر الاجتماعيّ وتكريس القطيعة والبغضاء بين مواطني البلد الواحد وتثبيت منطق صاحب الدّار والضيف، والإحسان لـ “البقيّة” من “أهل الذمّة” وسواهم، وفق نموذج الإمارة الإسلاميّة داخل الدولة، التي هي حالة انفصاليّة عن المجتمع الواسع والحداثة والديمقراطية، وقائمة على قهر السكان وسلبهم حرياتهم ووجودهم الاجتماعيّ الحرّ، حتّى حين تدّعي تمثيلهم، وهي، بالطبع، غير التديّن الشعبيّ العام من جهة وكذلك نقيض الديمقراطيّة اللامركزيّة التعدديّة التي ننشدها.
والبعثان، السلطويّ والمعارض، العروبيّ والدينيّ، قائمان بالضرورة على الأحاديّة والمركزيّة السلطويّة ورفض التعدديّة. أمّا أهزوجة “الوحدة الوطنيّة” التي عشنا “نعيمها” طيلة العقود الماضية فقد خَبِرنا تجلّياتها، في الواقع لا الشعارات، خلال العقد الكارثيّ الطويل.
والبعثان يرفضان كليهما، التعدديّة الاجتماعيّة واللامركزيّة الديمقراطيّة وكذلك مجرد مناقشة فكرة وجود إدارة ذاتية لمناطق / أقاليم ذات غالبيّة كرديّة في إقليم الجزيرة وشمال سوريا، أو إدارات لامركزيّة على أساس جغرافيّ – إقليميّ تلحظ التعدديّة الأقواميّة، ضمن إطارٍ دستوريّ ديمقراطيّ يحفظ وحدة البلاد وتماسكها من غير طريق القمع والاستبداد، ومشاركة المجتمعات المحليّة في صناعة القرار على المستوى المحلّي أو الوطني وضبط القرارات الوطنيّة عبر برلمانات أو مجالس محليّة / إقليميّة ذات صلاحيات وأدوار حقيقيّة، والإقرار بالتعدّد على المستويات الاجتماعيّة كلّها، والمساواة التامّة في الحقوق والجدارة بين أبناء الديانات والمذاهب وحريّة الاعتقاد بكافة سويّاته، والاعتناء الكافي باللغات غير العربيّة (الكرديّة والسريانيّة والتركمانيّة والأرمنيّة والشركسيّة..) وتراثها، إغناءً للهويّة / الهويّات الوطنيّة السوريّة، من دون فزّاعات ورُهاب التقسيم -غير الممكن في سوريا- و”إضعاف الشعور القوميّ” و “وهن نفسيّة الأمة”، تعزيزاً لمبدأ المواطنة الشاملة والمتساوية، عماد الدولة الحديثة، وكذلك سبيلاً للتنميّة البشريّة والاقتصاديّة، وكبح نوازع بروز مركز توتاليتاريّ متسلّط واستئثاره بالقرارات والحكم والاستراتيجيات الوطنية، ومنعاً لطغيان جديد، أقلّوي أم أكثريّ، وبالنتيجة تأسيساً لنظام ديمقراطي حقيقيّ قائم على قاعدة اجتماعيّة صلبة وواسعة، يحترم حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية – الاقتصادية والثقافية، وكينونته، ولا يُختزل بصندوقة الانتخابات وحسب.
وإذا كان تحليل وتفصيل ما سبق يحتمل نقاشات وسجالات مطوّلة لا تتسع لها هذه الأسطر؛ ومع الإقرار بأنَّ أزمة سوريا ليست ثقافيّة أو هوياتيّة، إلّا أنه من الجائز والضروري أن نتساءل، وقبل أن تضع الحرب الطويلة أوزارها: ماذا عن المستقبل، أيّةُ ثقافة سياسيّة لبلادنا المدمّرة، المُمزّقة، الغارقة في الدماء والدموع والآلام، ما بعدَ الحرب والاحتلالات؟ وأيّةُ هويّة للجمهوريّة السوريّة الجديدة المنشودة بعد الاستقلال الجديد سيتم التأسيس لها؟
لكل هذا وللعديد من الضرورات التاريخية والحاجات المجتمعية والسياسية، سنظل نقرع الأبواب مطالبين باستمرارية الحوار، الحوار والتخاطب الموضوعي الذي سيساهم بدون شك في إنعاش البيئتين الفكرية والسياسية.
في هذا العدد وصلنا إلى الحلقة الخامسة من ملف ضرورات الحوار العربي – الكوردي وموجباته، ونأمل تعاونكم في تأصيله وتوسيعه ليكون حواراً سورياً وطنياً شاملاً… على الرغم من ضيق المساحة، مستمرون مع القارئ – الكاتب – المواطن الحالم بغد أفضل. ففي العدد الثمانون مزيد من المواد المعرفية، مزيد من الإصرار وكثير من الحب والرغبة في العطاء، التكامل والتعاون.

أسرة الَّتحْرِيرِ

المصدر: مجلة الحوار 

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.