نضال نسوي مستمرّ برغم العراقيل والقوانين الجائرة

بذور الأرز من المستحيل أن تنبت في تربة رملية قاحلة وجافة، في حين أنها تقدم أفضل ما لديها إن وضعت في بيئة مناسبة، فالعيب ليس بالبذور وإنما بالبيئة الصلبة التي قتلت الروح فيها.. ذلك هو حال المرأة السورية.. فبالرغم من ظلم وبشاعة  الحرب الطاحنة التي شهدتها البلاد إلا أن العديد من النساء السوريات حققن إنجازات عظيمة بعد أن خرجن من قيد العبودية الذي أتعبهن على مدار عقود طويلة، من ظلم العادات والتقاليد التي دامت عقودا إلى ظلمة السجون والمعتقلات التي فرضتها أطراف الحرب عليهن.
هاجرت المرأة السورية كما تهاجر الطيور، من خريف الوطن والمجتمع إلى ربيع النجاح والتمييز فسّطرت اسمها في العديد من المحافل والإنجازات العالمية، وتم تكريمها بجوائز  في مختلف المجالات، وأكدت للعالم أنها عنصر فاعل ومعطاء بالرغم من التهميش الذي كانت تعيشه على مدار سنين.
ومن نافلة القول والتأكيد أنّ النضال النسوي يمثّل ركيزة أساسية لتقدّم أي مجتمع ومناعته وتماسكه وهو نضال يصبّ في جوهره في خدمة حرّية الإنسان وكرامته تأسيسا على الدور الجوهري الذي تقوم به المرأة في تربية الأطفال وإعدادهم ليكونوا عناصر فاعلة في مواجهة التحدّيات وتحقيق التقدّم وبناء الأوطان، وهي نضالات تجسّد المطالب البشرية وتنسجم مع  المواثيق الإنسانية والقرارات الدولية.
ومؤخرا في جامعة كوبروغ  للعلوم التطبيقية بألمانيا حازت مروة ملحيس على شهادة الدكتوراه، بعد بحث وتحضير دام عدة سنوات، إلا أن المفاجأة التي أذهلت العالم أن مروة ابنة 36 عاماً تمكنت من جعل مرض الزهايمر العضال في طي النسيان من خلال بحثها العلمي بعد اكتشاف مكون نشيط يمنع البروتينات التي تسبب المرض من التراكم في الدماغ، ليكون هذا الاكتشاف بداية الطريقة والحل الواعد لمرض الزهايمر الذي أقض مضجع البشرية منذ زمن طويل.
وعلى أثر ذلك الاكتشاف، حصلت ابنة حلب مروة ملحيس، على شهادة الدكتوراه وشهادة براءة اختراع كأول دواء فعال لمرض الزهايمر وتم تكريمها من قبل الجامعة والحكومة الألمانية، ولخصت مروة نجاحها هذا بجملة واحدة فقط: “من الجميل أن تفعل شيئاً مهماً” ووعدت بأن يكون اكتشافها هذا بداية الطريق لحل مشاكل وأمراض أخرى عجز عنها العالم.
فبرغم نار الحرب الذي اكتوت بها السورية إلاّ أنها حوّلت  كل الأسباب التي سعت إلى إخماد شُعلة نجاحها لصالحها، بعد أن باتت العائل الأول لعائلتها أثناء الحرب وناضلت من أجل التمتّع بحقوقها وقاومت في سبيل المساهمة في بناء وطن آمن مستقرّ ينتصر لجميع مكوناته.
ولا يغفل كل متابع للواقع السوري عن التزايد غير الطبيعي لحالات القتل والعنف  بمختلف أشكاله البشعة ضد النساء، وتشجّع على ذلك سياسة الإفلات من العقاب في بلد يعيش حربا طاحنة وسريانا لقانون الغاب الذي يشجّع المعنّف على ارتكاب جرائمه.
وتبدأ جرائم العنف المبنية على أساس النوع الاجتماعي والجنس من العائلة عبر إحداث إيذاء نفسي وجسدي يتخلّله اعتداء بالحرمان التعسفي من ممارسة حياتها وحريتها في الحياة الخاصة والعامة في خرق وتجاوز لإعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة الذي هو مظهر من مظاهر علاقات القوة غير المتكافئة تاريخيا بين الرجال والنساء.
وتبدأ محاربة التصرفات العدوانية تجاه النساء اللائي يُعاملن في المجتمعات الشرقية كـ”مواطنات  من الدرجة الثانية”، بمحاسبة كل من يعنّف النساء وفق القوانين والتشريعات المحلّية والدولية للحدّ من تلك الجرائم.
وبرغم كل الحملات الرجعية المعرقلة لتغيير  القوانين الجائرة التي تظلم النساء، استمرّت الحركة النسوية في نضالاتها ومواجهة التحديات وسعت جاهدة إلى  تحقيق الأفضل ومحاربة النظرة الشرقية الدونية التي تستند العادات والتقاليد البالية الساعية إلى تقزيم دور النساء وجعلهن مواطنات بلا مواقف وتركهن مع معاناة مزدوجة بين عائلة متسلطة وسلطة مستبدة يترافق استبدادها بفساد طال كل جوانب الحياة التي أوصلت البلد إلى هذا الخراب وحد التقسيم والانفجار.
وتستمر السوريات في محاربة المعتقدات البالية والتقاليد العرفيّة،  من أجل مستقبل أفضل تكون فيه المرأة أكثر حضورا وتحرّرا وقوة دفاعا عن وجودها في كل مجالات الحياة، ومساهمة في بناء مجتمعها على أسس من الحرية والكرامة للجميع.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد