نيويورك تايمز: مستقبل سوريا الهش ترسمه روسيا وإيران

30
أفادت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الأربعاء أن “بلقنة سوريا” هي النسخة المستقبلية الأقرب للتحقق بعد انسحاب القوات الأمريكية من تلك البلاد التي مزقتها الحرب طوال ثماني سنوات.

وذكرت الصحيفة في تقرير كتبته (فيفيان يي) مراسلة الصحيفة في بيروت أن تركيا تهدد بغزو سوريا للقضاء على المقاتلين الأكراد، والقوات السورية (قوات النظام) تتجه صوب المنطقة التي سيتخلى عنها الأمريكيون قريبا، وإسرائيل تقصف الميليشيات المدعومة من إيران في العمق السوري، وروسيا ستتحرك قريبا-على الأرجح-لاجتياح المعقل الأخير للقوات المناهضة للنظام السوري في إدلب.

وخلصت إلى إنه مع انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وأفول نجم المعارضة العسكرية المناهضة لنظام بشار الأسد، فإن إيران وروسيا ستكون أكثر حرية في استعراض قواتها في هذه البلاد، وكما قال ريتشارد هاس الدبلوماسي المخضرم ورئيس مجلس العلاقات الخارجية في تغريدة على حسابه على تويتر:” مرحبا بكم في الشرق الأوسط في فترة ما بعد انسحاب القوات الأمريكية”.

ورصدت الصحيفة الأمريكية ما وصفته بـ “التعقيدات المتغيرة” للصراع في سوريا عبر طرح مجموعة من الأسئلة والإجابات عليها والتي جاءت على النحو التالي:

السؤال الأول: كيف تبدو سوريا في فترة ما بعد الحرب؟
  • يتوقع محللون وخبراء في شؤون الشرق الأوسط أنه بعد سنوات من إراقة الدماء التي بدأت مع انطلاق احتجاجات الربيع العربي التي بعثت الأمل في إمكانيات تحقيق تغيير ديمقراطي للحكم في تلك الدول، فإن من المرجح غالبا ان يكون مستقبل سوريا عبارة عن نسخة هشة مما كان عليه قبل الحرب: الأسد يقود حكومة قمعية استبدادية عبارة عن دمية في يد إيران وروسيا.
  • طهران وموسكو حلفاء قدامى لنظام الأسد في سوريا، وبعد انقاذهم للنظام من السقوط الوشيك على يد خصومه ومناهضيه من خلال القوة الجوية الروسية والقوة البرية الإيرانية، فإنهما وضعا نفسيهما في حالة تغلغل أكبر داخل النظام.
السؤال الثاني: ماذا حصلت روسيا وإيران مقابل دعمهما لنظام الأسد في سوريا؟
  • رغم أن البعض قد يجد أن وجود موسكو وطهران في سوريا بات مكلفا ومحبطا وغير شعبي داخل روسيا وإيران، فإنهما رغم ذلك يعتبران أن صمودهما في سوريا ضد الولايات المتحدة أكسبهما ميزة مهمة وهي: النفوذ الإقليمي.
  • يقول دانييل بن نعيم الزميل المشارك في قسم الشرق الأوسط بمركز التقدم الأمريكي إن البلدين (روسيا وإيران) فيما وصفه بسيناريو الأحلام سيخبران الجميع بمن فيهم أصدقاء أمريكا وخصومها على حد سواء بأن أمريكا لم تعد شريكا يمكن الاعتماد عليه في منطقة الشرق الأوسط.
السؤال الثالث: لماذا وجد الجنود الأمريكيون في سوريا من الأصل؟!
  • تم نشر 2000 جندي أمريكي في شمال شرق سوريا يتعاونون مع قوات يقودها الأكراد للقضاء على قوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المنطقة، لكن هذا التعاون أزعج تركيا التي تعتبر الأكراد ذوي النزعة الانفصالية عدوا خطيرا لأنقرة، كيف وربما حتى لو تقدم القتال ضد الدولة الإسلامية في سوريا، فإن النتيجة ستظل غير واضحة حيث يوجد نحو 30 ألف مقاتل يرتبطون بداعش يتوزعون على تلك المنطقة.
    • يتوقع العديد من المحللين أن انسحابا أمريكيا متعجلا يمكن أن ينجم عنه نشوب معركة جديدة في تلك المنطقة سواء من خلال دخول القوات التركية للقضاء على خصومها الأكراد، أو في حالة سعي قوات النظام السوري لاستعادة المناطق التي انسحب منها الأمريكيون، أو في الحالتين معا.
    • من المرجح أن يلجأ نظام الأسد وكذلك الأكراد الى عقد اتفاق ، وفي حالة عدم التوصل لاتفاق فإن القتال سيؤدي لحدوث موجة جديدة من اللاجئين من الأكراد وغير الأكراد الذين سيفرون صوب العراق في جولة جديدة من الضرر الذي يلحق بالمدنيين ويمثل حاضنة شعبية لإعادة إحياء الدولة الإسلامية.
    • “هذا احتمال مرجح تماما وهو خطر الفوضى الشاملة” هذا ما يقوله آهارون لوند محلل الشؤون السورية والزميل المشارك في مؤسسة القرن ” سنشري فاونديشن” البحثية الأمريكية، ويوضح قائلا: ” عندما يغيب الشيء الذي يبقي الأمور مستقرة ويختفي وسط نفخة هائلة من الدخان، فإن الفوضى ستكون هي الخيار الأكثر ترجيحا.”
    السؤال الرابع: من الذي سيحتل المنطقة التي سيقوم الأمريكيون بإخلائها؟
    • وفقا لتحليلات معهد دراسات الحرب، فإن روسيا وإيران بالإضافة الي المليشيات المدعومة من طهران بمن فيهم حزب الله اللبناني لديها تمركزات جيدة تؤهلها للاستيلاء على مناطق في شمال شرقي سوريا سيتخلى عنها الأمريكيون، فهم يتمركزون في 29 موقعا حول مناطق الشمال الشرقي في سوريا إضافة الي 7 مواقع أخرى على الحدود مع العراق.
    • قال المرصد السوري لحقوق الانسان الذي يتخذ من لندن مقرا له الأحد الماضي إن القوات الحكومية السورية (قوات النظام) أرسلت آلاف المقاتلين صوب آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرقي البلاد.
      السؤال الخامس: ماذا تبقي من حركات مناهضة نظام بشار الأسد؟
      • عادت الشكوك مجددا بشأن مستقبل المعارضين للأسد المحتشدين في محافظة إدلب في شمال شرقي سوريا وفي المناطق المحاذية للحدود مع تركيا، وربما تساعد روسيا قوات النظام في استعادة تلك المناطق مؤقتا، لكن سيتعين على موسكو أن تتفاوض قبل ذلك مع تركيا.
      • أنقرة تقوم بدعم ومساندة الحركات المسلحة المناهضة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولديها مصلحة خاصة في مراقبة ما يحدث على حدودها في شمال شرق سوريا.
        السؤال الخامس: ما تأثيرات تلك التغييرات على إسرائيل؟
        • يقول الخبراء للصحيفة إن إيران سيكون بمقدورها الربط بين شركائها الشيعة في العراق وسوريا ولبنان في جبهة موحدة ضد إسرائيل، ففي سوريا تسعي إيران وقوات النظام ومليشيات حزب الله لدعم وجودها العسكري بالقرب من هضبة الجولان التي قامت إسرائيل بضمها في العام 1982 بعد أن احتلتها في حرب العام 1967.
          • قالت إسرائيل بوضوح إنها لن تتسامح مع التهديد المتزايد القادم من سوريا، وقد أظهر الإسرائيليون تصميمهم أول أمس الثلاثاء عندما قاموا بهجمات جوية على أهداف عسكرية بالقرب من العاصمة السورية دمشق، وقد وافق الروس ضمنيا على قيام إسرائيل في الماضي بعمليات مماثلة من خلال علاقتهم الجيدة مع إسرائيل.
          • رغم ذلك، فقد قام الكرملين في روسيا بالاحتجاج بشدة على هجمات إسرائيل الجوية الثلاثاء ضد سوريا واعتبرها ” انتهاكا خطيرا للسيادة السورية”.
          السؤال السادس: كيف ستقوم إيران بتغيير سوريا؟
          • الشراكة الشيعية التي تقودها إيران في سوريا تواجه بعض المشاكل من بينها وجود عدد قليل من الشيعة في بلد أغلبيته من المسلمين السنة، ولذلك فإن إيران تسعى لزيادة نفوذها بين المقاتلين السوريين وكذلك المدنيين على حد سواء.
          • في بعض المناطق السورية، تقوم إيران بالدفع نقدا (كاش) لإسكان السوريين الذين شردتهم الحرب، وفي مناطق أخرى قامت ببناء حسينيات (مساجد شيعية) اجتذبت زوارا من إيران والعراق وسوريا، وفقا لما ذكره المرصد السوري لحقوق الانسان.
            • في تحد للعلمانية التاريخية للحكومة السورية، قامت إيران وحزب الله بغرس مظاهر دينية شيعية بشكل صارخ في حياة السوريين حيث كان من المتعارف عليه مشاهدة مظاهر الاحتفال بعاشوراء في مناطق يسكنها غالبية من الشيعة، فإن تلك المظاهر والاحتفالات بالشعائر الشيعية بات مظهرا مألوفا في العديد من مناطق العاصمة دمشق.
            • تصاعد مظاهر التدين وفقا للمذهب الشيعي بين جنود النظام السوري وخصوصا أولئك الذين ينتقلون للقتال مع مليشيات شيعية كما ان بعض الجنود المحترفين انتقلوا للعمل مع المليشيات الشيعية لأسباب غير دينية من بينها ارتفاع الرواتب والحصول على عدد أكبر من أيام الاجازات وغيرها من الامتيازات الأخرى.
            السؤال السابع: هل الروس مرحب بهم في سوريا؟
            • روسيا قامت منذ فترة طويلة بتقوية علاقاتها مع القادة السوريين، كما قامت بتحسين علاقاتها مؤخرا مع تركيا، وقامت بتحدي الولايات المتحدة والتعامل معها كمنافس في الحصول على النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط، وأظهر الروس تفهما حكيما لحساسيات وتعقيدات الموقف في سوريا.
            • على سبيل المثال، أرسل الروس قوة من الشرطة العسكرية الشيشانية التي يسيطر عليها المسلمون السنة للتفاوض على انسحابات المتمردين السوريين والحفاظ على السلام في المناطق التي قامت قوات النظام باستعادتها منهم.
              • قال سكان محليون سوريون إن الكثيرين يفضلون الروس عن المليشيات الشيعية التي تدعمها إيران، ضمن قوات فرض النظام داخل مناطقهم، وأفاد بعضهم بأن جنود الشرطة الروس حصلوا على تعاطف كبير من السكان المحليين السوريين عندما قام أحدهم بإلقاء القبض على أحد جنود النظام السنة أثناء قيامه بعمليات نهب وسلب في مناطق لا تزال تعارض نظام الأسد، وانتشر فيديو إلقاء القبض عليه عبر اليوتيوب.
              • مثل تلك الحوادث، تساعد في إقناع السكان المحليين في المناطق السورية التي تمردت على النظام ثم تمت استعادتها مجددا، في أن روسيا ليس لها مصلحة في إذكاء الصراع الطائفي بين السنة والشيعة على خلاف النظام الإيراني، وأنها ستواجه أي تحرك من قوات الأسد للانتقام من السكان المحليين في المناطق المتمردة على سلطته.
              السؤال الثامن: هل يمكن حدوث تباعد بين روسيا وإيران بخصوص مستقبل سوريا؟
              • إيران وروسيا بالفعل في حالة تنافس في سوريا، ويقول المحللون إن روسيا ترغب في رؤية حكومة سوريا مستقلة نسبيا ومدعومة عسكريا واقتصاديا من روسيا، بينما تفضل إيران نموذجا أضعف من النموذج الروسي.
              • بدأت كلتا الدولتين في تزويد هيئات الأمن السورية بالمستشارين، كما يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، غير أن طهران وموسكو تواجهان تحديات للبقاء في سوريا، فكلاهما لا يستطيع توفير فاتورة إعادة إعمار سوريا والتي يتوقع البعض ان تتجاوز الـ 200 مليار دولار.
              • يقول هيلترمان:” الروس لا يرغبون في المزيد من الانغماس العسكري في سوريا، ويرغبون في إيجاد مخرج من المأزق السوري العسكري في الأساس بحيث تغادر القوات وتترك خلفها القاعدتين الروسيتين ورجال روسيا المنتشرين في الأجهزة الأمنية السورية، والشركات الروسية التي تشارك في جهود إعادة الإعمار في سوريا.
              • وبالنسبة لإيران، فإن الحكومة الإيرانية تواجه معارضة داخلية لمغامراتها العسكرية في سوريا، ويواجه الاقتصاد الإيراني تحديات ضخمة بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
              • كلا البلدين الراعيين للنظام السوري ( روسيا وإيران) يجدان أنه ربما يكون من الصعب استعادة الاستقرار لسوريا في ظل وجود الأسد، فقد قامت عدة أعمال احتجاجية ومظاهرات سلمية ضده في المناطق التي قام النظام باستعادتها من المتمردين مؤخرا، كما يقول محللون للشأن السوري.
              • يقول ألكسندر بيك المحاضر بمركز جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة والذي أشرف علي قضايا سوريا في مجلس الأمن القومي الأمريكي في إدارة ترمب إن زمن السلم سيجلب تحديات تجعل الحرب تدور حولها، والروس يدركون ذلك جيدا، يدركون أن وضع الأسد لا يزال هشا والاقتصاد مدمرا تماما والحكومة السورية من الناحية السياسية تعاني من الفوضى التامة.

                المصدر: الجزيرة