نيويورك تايمز: من أجل تدمير داعش، اعقدوا صفقة مع الأسد

لندن – في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس أوباما الحرب افتراضياً على داعش. ولكن من الصعب التوفيق بين ما يبدو أنه حاجة ملحة لمواجهة التهديد الذي يشكله هذا التنظيم مع السبل التي يتم اختيارها للقيام بذلك.

باختيار دعم المعارضة السورية المعتدلة والتعرض لخطر مواجهة مفتوحة مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يبدو أن الغرب يسعى في المقام الأول إلى أن استرضاء الحلفاء في الخليج العربي الذين حولوا مسألة  الإطاحة بالرئيس الأسد إلى صنم سياسي يتعارض مع أي حساب عقلاني لكيفية هزيمة الإرهاب الإسلامي.

الاعتقاد الراسخ في الدوائر السياسية في الغرب أن هنالك معارضة معتدلة في سوريا – تم التأكيد على ذلك في ختام اجتماع قمة حلف الناتو في ويلز في الخامس من أيلول الجاري – بحاجة إلى تدقيق شديد. إن فكرة معارضة ” مفحوصة ” تحيط بها حلقة من السخافة. إنها تفترض أن الاعتدال مسألة قابلة لأن يتعرّف عليها، أي أنه عنصر ثابت يمكن التفريق بينه وبين العناصر الأخرى، ذات السمات الملوثة.  وتفترض كذلك أن عملية الفحص لن توصم بالعار تلك التي يجري فحصها. كما أنه يسلّم جدلاً بأن المعارضة المدعومة من الغرب ستسود، وهذا بدوره سيوفر الأساس لسوريا أفضل وأكثر سعادة.

لكن لا شيء يمكن أن يدعم هذه الاعتقادات. فالقوى الأكثر فعالية على الأرض اليوم – وفي المستقبل المنظور – هي غير معتدلة قطعاً. ومرد هذا أساساً هو ليس أن الغرب ترك المعارضة السورية وخذلها، بل لأن الصراع الذي يجتاح الآن الشرق مبني أساساً على عناصر لا علاقة لها بالصراع المفترض بين الحداثة والتطرّف.

لقد نجح الجهاديون السنّة على نحو دقيق بسبب احتكامهم الغادر للغرائز الدينية والمجتمعية ذات الجذور العميقة وقدرتهم على استحضار رموز تثير استجابات حقيقية في طول العالم السني وعرضه، رغم وحشيتها. ويضيف إلى جاذبيتها الشحن الطائفي ضد الشيعة؛ ولديهم تداخل جوهري مع القاعدة ( التي تنصلت من داعش في شباط الماضي ) والجماعات الثورية السورية الأخرى، مثل الجبهة الإسلامية المدعومة من السعودية، أحرار الشام التي يمولها الخليج، وجبهة النصرة المرتبطة مع القاعدة.

ودعونا لا ننسى الإخوان المسلمين السوريين، الذين يتمثل دورهم في تأجيج الصراع تحت عباءة الائتلاف الوطني السوري “المعتدل” المدعوم من الغرب والدول العربية وتركيا. في نهاية المطاف، هذا هو السرير نفسه الذي صنعه الغرب – والذي نام فيه – في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي.

لم يقدّم المعتدلون المزعومون برنامجاً وطنياً مقنعاً أو بديلا مجديا للسيد الأسد. والحقيقة هي أنه لا يوجد ” معتدلون مسلحون ” (أو “إرهابيون معتدلون “) في العالم العربي – وخارجه ليس غير قلة من هؤلاء قليلة ثمينة. “المعتدلون” الحقيقيون لا يحملون السلاح، وأولئك الذين يحملونه  ليسوا معتدلين حقاً.

الشعور في واشنطن وبروكسل أن “الائتلاف السني”، المكون من الدول العربية وتركيا، يمكنه التعامل مع داعش لا يقل سخافة عن الاعتقاد آنف الذكر. ليس بين هؤلاء من يمتلك أي مصداقية حقيقية بين الدوائر السنية التي تنجذب إلى تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية المماثلة؛ وفي الواقع، هذه الدول هي أعدائهم.

ومن نواح كثيرة، فإن الصراع الحالي بين ممالك الخليج العربية (السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة) والهجومات المتكررة المختلفة من قبل الجهادية العنيفة هو قتال عائلي، أي صراع على السلطة والشرعية داخل التفسيرات الوهابية، السلفية وغيرهما، للإسلام . وهكذا، فمن خلال الإصرار على ائتلاف سني، يبدو الغرب وكأنه يريد أن ينضم فقط إلى الحرب التي يقودها الخليج على شيعة العراق وسوريا وإيران. ( يجدر بالذكر أنه لا حزب الله، الحركة الشيعية المدعومة من إيران ومقرها في لبنان، ولا إيران، قد أعلنا حربا عالمية على الغرب وعلى غير المسلمين، على عكس السلفيين الذين يعملون بوحي من السعودية وإخوانهم الجهاديين.)

قد يكون لدعم “المعتدلين” السوريين بعض المعنى العسكري فقط إذا كان من شأنه أن يحدث أي فرق على أرض الواقع. لكن في ظل غياب أي التزام غربي أو إقليمي على نطاق واسع لنشر قوات ، “فالأحذية على الأرض” الوحيدة الحقيقية القادرة على تدمير داعش هي الجيش السوري وحلفائه المحليون، بما في ذلك حزب الله.

على الرغم من تاريخه القمعي والوحشي، فنظام السيد الأسد لا يشكل تهديدا لا يمكن تمييزه للغرب أو لمصالحه فقط، بل إنه جاهز وعلى استعداد للعمل على أساس الأهداف المشتركة. وستبدو ذروة الحماقة الاستراتيجية أن تبدأ الحملة العسكرية على الأراضي السورية التي لا بد أن تؤدي إلى مواجهة خطيرة مع قوات الرئيس الأسد، وربما مع إيران وروسيا أيضا، في حين أن أكثر مسارات الفعل جدوى سوف تكون  العمل بالتنسيق معه لمواجهة التهديد المشترك الشديد.

وبما أن الغرب مستمر في تقييم خياراته، من الضروري أن نعيد التكفير بالاستراتيجية المعتمدة.

أولا، لا بد من إيجاد طريقة للعمل مع القوى الأكثر فعالية على أرض الواقع: الجيش السوري التابع للسيد الأسد ومقاتلو حزب الله المدعوم من ايران. يجب تأجيل كل خلافات الغرب مع النظام السوري حتى يتحول مسار المعركة. في الواقع، فإن تحالفاً مناهضاً لداعش يمكن أن يشمل سوريا وإيران وروسيا قد يكون المفتاح الحقيقي الوحيد لارتباط سياسي مع السيد الأسد والذي يمكن أن يساعد في تحقيق حل سلمي للحرب الأهلية السورية المستمرة منذ ثلاث سنوات.

ثانيا، يجب على الغرب التغلب على تردده في الإساءة إلى السعوديين، والتحدث بصوت عال وبقوة أكبر بكثير ضد النفوذ الخبيث للوهابية وللدعم الأيديولوجي الذي تقدّمه للتطرف العنيف. يجب على دول الخليج العربية أن توضح خياراتها. أنها لا تستطيع الاستمرار في تمويل الإرهاب واستخدام الأصولية كأداة سياسية ومن ثم تدعي أنها تقاتلها في الخارج. المملكة العربية السعودية هي على حد سواء راعي الجهاد وهدفه – يجب أن ترغب في أن لا تكون أياً منهما.

قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للقيادة في الغرب. وإذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها سيذهبون بدلاً عن ذلك إلى صراع آخر عسكري كبير في الشرق الأوسط من دون أهداف واقعية وخطة واضحة المعالم لتحقيق تلك الأهداف، فسوف يكون مصيرهم الفشل بالفعل.

نيويورك تايمز


قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد