هاني حبيب يكتب: قراءة إسرائيلية للانسحاب الأمريكي من سوريا

31

قبل أربعة أيام من إسقاط الطائرة العسكرية الروسية “إيل” بواسطة الدفاعات الجوية السورية عن طريق الخطأ أثناء تصديها لغارة جوية إسرائيلية، وتحميل روسيا إسرائيل مسؤولية ذلك، كان مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات قد تسلّم من نظيره الروسي “نيكولاي بتروشيف” وثيقة غير رسمية، عبارة عن مسودة لصفقة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن سوريا وإيران كجزء من صفقة شاملة لتحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن، تتضمن وساطة إسرائيلية بين الجانبين الروسي والأمريكي لترميم العلاقة بين البيت الأبيض والكريملن.

جوهر ما جاء في هذه الوثيقة يتضمن قيام الولايات المتحدة بتجميد قرارها بفرض العقوبات على إيران، مقابل تعهّد روسي بإخراج القوات الإيرانية والموالية لها من سوريا، وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا وإخلاء منطقة “النتف”.

سارعت إسرائيل في رفض “وثيقة بتروشيف” التي تلقتها في الثالث عشر من أيلول / سبتمبر الماضي باعتبار أن تجميد العقوبات الأمريكية على إيران كجزء من انسحاب أميركا من الاتفاق النووي، سيستخدم لإزالة أحد أهم عناصر الضغط على إيران وليس العكس، خاصة وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يرى أن وقف البرنامج النووي الإيراني يأتي في المقام الأول في اهتمامات السياسة الإسرائيلية.

الرفض الإسرائيلي، إضافة إلى حادثة إسقاط الطائرة العسكرية الروسية، أوقف الحديث عن مسودة الوثيقة المشار إليها، ولو لم ترفض إسرائيل هذا المقترح الروسي، الذي لا بد من أن تكون موسكو قد تشاورت بشأنه مع واشنطن، لأمكن اعتبار الانسحاب الأمريكي من سوريا مؤخراً، جزءًا من هذه الصفقة مما يؤدي إلى الحد من مخاطر الوجود الإيراني في سوريا على الدولة العبرية إثر القرار الأمريكي بالخروج من سوريا.

الشعور بخيبة الأمل، وأحياناً بالخيانة من قبل المستويات الأمنية والسياسية والإعلامية في إسرائيل إثر قرار ترامب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، يعود بدرجة أساسية إلى أن العديد من التصريحات الرئاسية الأمريكية وتصريحات وزير الدفاع الأميركي “جيمس ماتيس” الذي استقال على وقع هذا القرار كانت تؤكد على بقاء القوات الأمريكية لدحر إرهاب “داعش” وأن هذه القوات ستبقى إلى أن يتم إزالة الوجود الإيراني وتوابعه في سوريا، بل أن كثيراً من هذه التصريحات أشارت إلى أن واشنطن تستهدف مضاعفة الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، بما في ذلك مصلحة أكيدة لإسرائيل، باعتبار أن هذه القوات تعتبر حاجزاً هاماً وضرورياً أمام النفوذ والتوسع الإيراني في جنوب سوريا على الحدود بين العراق والأردن، الأمر الذي يمنع إقامة ممر بري فاعل من الأراضي الإيرانية إلى سوريا ولبنان عن طريق العراق، لذلك فإن استمرار الوجود العسكري الأميركي وتركزه في منطقتين أساسيتين، شمال شرق سوريا، ومنطقة “النتف” على مقربة من القاعدة الجوية الأمريكية في الجنوب السوري الأمر الذي تعتبره إسرائيل ضمانة لتقليص عمليات نقل الأسلحة من إيران إلى قواتها في سوريا وإلى حزب الله في لبنان مروراً بالأراضي السورية.

وهناك إجماع إسرائيلي على مختلف الأوساط، من أن القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، سيشكل أضراراً خطيرة على إسرائيل وإشارة واضحة إلى تحوّل خطير في مكانتها لدى إدارة ترامب وعلى حساب مصالحها الأمنية، خاصة بعدما فرض الرئيس الروسي بوتين قيوداً على الغارات الإسرائيلية في الأجواء السورية، إذ لوحظ تراجع واضح في عدد الغارات الجوية التي تم شنها على المواقع السورية والإيرانية إثر حادثة إسقاط الطائرة العسكرية الروسية، في وقت تتخلى فيه واشنطن عن قدرتها على التأثير على الأحداث في سوريا وتركتها فريسة للروس والإيرانيين، رغم أن مسؤولين أمريكيين تعهدوا بمواصلة الدور الجوي الأمريكي في الأجواء السورية، إلاّ أنه بدون تواجد أميركي على الأرض فإن القدرة على الردع ستتضرر وتتراجع إلى حدّ كبير، كما أن دور واشنطن في التأثير على مجريات التسوية السياسية في سوريا سيتبدد في ضوء الهيمنة المطلقة لموسكو وحليفتها إيران، ومع أنّ إسرائيل ستبقى قادرة على الدفاع عن نفسها إلاّ أن إمكانياتها في المناورة ستتراجع إلى مستويات أقل مما كانت توفره القوات الأمريكية في سوريا.

وترى أوساط سياسية في إسرائيل أن الدولة العبرية كانت مطمئنة تماماً إلى الحليف الأميركي برئاسة ترامب وإلى أنه لا يفرط بمصالحها الأمنية والسياسية رغم مشاكله الداخلية المتراكمة، إلاّ أن هذه الرؤية افتقدت إلى التحليل الموضوعي لطبيعة المواقف التي يتخذها ترامب على أكثر من صعيد والتي تتصف بالصدمة حيناً وغير المفهومة أحياناً أخرى، ولعل “وثيقة بتروشيف” تكشف من حيث لم ترغب أو تعتقد القيادة الإسرائيلية أن البيت الأبيض يحاول التملص من أوضاع رئيسه الداخلية حتى ولو على حساب مصالح الحلفاء والأصدقاء بمن فيهم إسرائيل وهذا ما حدث بالفعل، وترى أوساط إسرائيلية أن على نتنياهو أن يبدي الكثير من الندم عندما رفض “وثيقة بتروشيف” وكان الأجدى فتح حوار مع موسكو من أجل إجراء تعديلات على هذه الوثيقة خاصة أنها كانت مجرّد مسودة قابلة للتعديل، أمّا الآن فإن الوقت قد فات بعدما باتت روسيا في حلٍ من هذه الصفقة بعدما تحقق الانسحاب الأمريكي من سوريا وباتت موسكو متفردة في التأثير الأمني والسياسي على كل الوضع السوري الأمر الذي يشجع بوتين على إملاء العديد من التعقيدات على الدور الإسرائيلي خاصة في سياق غاراتها الجوية على سوريا.

وإثر هذه الصدمة فإن بعض المستويات السياسية الإسرائيلية أخذت تراجع بعض المقدمات التي أدت إليها هذه الصدمة، فقد لوحظ تحسن ملموس في العلاقات التركية الأمريكية، وإضافة إلى “وثيقة بتروشيف” إذ لاحظت هذه الأوساط أن أوباما نجح في تصفية زعيم القاعدة “أسامة بن لادن” بينما لم ينجح ترامب في تصفية زعيم داعش “أبو بكر البغدادي” وهو ما أصاب الرئيس الأميركي بالإحباط واتخذ القرار بالهروب من سوريا، يضاف إلى ذلك تطور مستوى التحقيقات التي تحوم حول ترامب في وقت يترأس الحزب الديمقراطي الأغلبية في مجلس النواب.

وفي ظل هذه الصدمة يعتقد البعض في إسرائيل أن على إدارة ترامب تعويض الدولة العبرية عن الانسحاب الأميركي من سوريا بتأييد مبادرة عضوي الكونجرس كروز وكونين للاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة، وكأنما هذا البعض لا يرى في وضع الرئيس الأميركي الحالي ما يكفيه من مشكلات خطيرة قد تودي بآماله وتطلعاته للفوز بولاية جديدة في الانتخابات الرئاسية القادمة.