هزيمة «داعش» بين استراتيجيتين

30

أعلن الرئيس دونالد ترامب سقوط داعش 16 مرة في الشهور الأربعة الماضية، وكان آخرها يوم 22 آذار الجاري حين قال: إن مقاتلي داعش هزموا بنسبة مائة في المائة، مستندا في ذلك إلى إعلان مسؤول في قوات «سورية الديمقراطية» تحقيق النصر العسكري النهائي.
بدورها المتحدثة باسم البيت الأبيض قالت إن وزارة الدفاع «البنتاغون» أكدت القضاء على داعش في سورية.
وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت النصر على داعش في كانون الأول 2017.
يذكر أن «الحسم والنصر» الذي تبنته الأطراف الثلاثة السالفة، هو من صنع التحالف الدولي الذي يضم 79 دولة من مختلف بلدان العالم، إضافة إلى روسيا التي كان دورها محوريا في الحرب.
وبحسب لغة الأرقام المتداولة فقد شن التحالف بقيادة أميركا 33 ألف غارة جوية ضد التنظيم في سورية والعراق.
وشنت روسيا 39 ألف غارة ودمرت 121 ألف هدف إرهابي وقتلت 5200 عضو في التنظيمات الإرهابية.
أما الخسائر البشرية فقد بلغت بحسب تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان 371 ألف قتيل في سورية ثلثهم من المدنيين.
وبلغت خسائر العراق 70 ألفاً بين مدني وعضو في التنظيم، وبلغ عدد المشردين والنازحين السوريين داخل وخارج سورية حوالى 12 مليون شخص، وكان عدد النازحين العراقيين 6 ملايين عاد منهم 4 ملايين مواطن.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل تم القضاء على تنظيم داعش وطويت صفحة الإرهاب في البلدان التي كان يسيطر عليها أو يمارس الإرهاب داخلها كأوروبا وبلدان عربية وإسلامية ؟  يتحدث المنتصرون عن بقاء ما بين 15 – 20 ألف مقاتل داعشي منتشرين في المناطق المعزولة في العراق كصحراء الأنبار ومناطق في محافظة نينوى وجبال كركوك ومناطق في محافظتي صلاح الدين وديالى، وفي مناطق سورية كوادي الفرات ومحافظة إدلب ومنطقة البادية، فضلاً عن وجود آلاف من آعضاء ومقاتلين ومتهمين بنصرة التنظيم، إضافة إلى مئات النساء «زوجات المقاتلين» وأكثر من 1500 طفل من أبناء المقاتلين يتواجدون في معسكرات اعتقال، تابعة للحكومة العراقية وقوات سورية الديمقراطية.
هؤلاء يعتبرون قنبلة موقوتة وخطراً قد يتحول إلى فعل إذا ما أفلتوا أو تمكنوا من الفرار، بحسب المنتصرين.
كذلك، بقي جزء من قيادة التنظيم على قيد الحياة وقد انتشروا في أماكن جديدة وبدؤوا يعيدون بناء فلولهم.
وكشفت قوات سورية الديمقراطية النقاب عن وثائق بمثابة خطط داعشية جديدة أو مستقبلية لتسليح وتمويل أعضاء وخلايا نائمة في أوروبا لاستئناف العمليات.
ما تقدم، لا يجزم بأن الإرهاب في حلته الداعشية هزم، لا شك في أن سيطرة التنظيم المباشرة ووجوده المسلح العلني في مدن وقرى هزمت. لكن الفكر الذي ينتج المقاتلين والمناصرين والمتبرعين بالأموال لا يزال قائما وله امتدادات داخل تنظيمات سلفية غير جهادية وداخل المؤسسات الدينية الكبيرة والصغيرة الرسمية وغير الحكومية، وداخل مناهج التعليم في معظم الدول العربية والإسلامية.
ركيزة الفكر الهائلة التأثير التي تستمد قوتها من الاعتقاد بأن داعش والقاعدة وأخواتهما تنفذ أوامر ربانية، هذا الاعتقاد يشكل عنصر قوة هائلة، يمكن أصحابه من تحمل الصعوبات قبل وأثناء وبعد الهزائم.
إن استمرار هذه المعادلة طوال 5 سنوات من الحرب التي شنتها 79 دولة ضد داعش والقاعدة، دون طرح تلك الثقافة للمعالجة والمساءلة والتفكيك، خلافا لذلك يصار إلى التعايش معها، إن التعامل مع فكر وثقافة داعش بهذا الشكل، يعزز الاعتقاد بأن هزيمة الإرهاب غير مطروحة كهدف جدي من قبل التحالفين الأميركي من جهة والروسي من جهة أخرى، وهذا يدعم التحليل الذي يقول إن وجود مثل هذه التنظيمات يعبر عن حاجة القوى المهيمنة لها لإعادة بناء السيطرة والإلحاق وتعزيز النفوذ.
لقد جرى تقديم الحل الأمني والحسم العسكري – البطيء جدا وغير المتناسب أبدا مع القوة الساحقة التي يملكها التحالفان – كحل شبه وحيد، بمعزل عن حل سياسي يستجيب للمطالب الشعبية المشروعة خبز وعمل وحرية وكرامة وعدالة وديمقراطية الذي شكل غيابه استمراراً للأزمة الخانقة التي تعيشها تلك الشعوب.
حسمت روسيا عسكريا في مناطق نفوذها داخل سورية، لكنها عملت على تثبيت أوضاع ما قبل الحسم العسكري التي تتلخص ببقاء سيطرة النظام بكل رموزه المستبدة دون تغيير أو تعديل. دون عودة اللاجئين ودون إعمار البلد التي حولتها آلات الحرب إلى دمار وحسمت قوات التحالف السيطرة العسكرية في العراق ولم تتغير المعادلة الداخلية العراقية التي أنتجت القهر والتمييز الذي شكل بيئة مواتية لسيطرة داعش وبقي الدمار دون إعمار.
بقاء ثقافة الاستبداد والاضطهاد والتجويع من جهة وثقافة التعصب الديني من جهة أخرى أنتج الإرهاب وسيؤدي استمرارهما لإنتاج الإرهاب الجديد، سواء كان تحت السيطرة أو خارج السيطرة لا فرق.
وغياب الحل السياسي كان يعني تثبيت الأنظمة التي بررت قمعها الدموي لشعوبها المنتفضة والمطالبة بأهداف مشروعة، بحربها ضد الإرهاب.
بهذا المعنى فإن وجود الإرهاب يبرر استمرار الأنظمة المستبدة، كما يبرر إعادة بناء السيطرة وعلاقات التبعية لقوى الهيمنة.
لهذا أعطت الأنظمة الأولوية لقمع الانتفاضات السلمية، واستعانت بكل أنواع التدخل للقضاء عليها تحت يافطة محاربة الإرهاب. وهذا يدعو للقول، إن الإرهاب مفيد لقوى الهيمنة ومفيد للأنظمة المستبدة.
كانت الحرب على الإرهاب تعني تفكيك ثقافة وفكر التعصب، وإيجاد حل سياسي يزيل الظلم والاضطهاد الفادح الذي يعيشه السواد الأعظم من الشعوب من خلال تغيير شكل الحكم المستبد إلى شكل ديمقراطي للحكم على أقل تقدير، حل يعيد اللاجئين ويعيد إعمار وبناء البلد، ويقدم خطة تنمية بشرية اقتصادية.
والاهم يضع حداً لعلاقات التبعية والتدخلات الخارجية. ويعيد تأهيل الفئات الشعبية والشبان الذين استقطبوا وتأثروا بثقافة التكفير والتحريم المتزمتة، وتقديم البدائل الثقافية والعملية التي تساهم في إنقاذ الأجيال التي استخدمت وقوداً للحروب.
للأسف، كان صوت وحضور وتأثير وفعل استراتيجية التحالفين أقوى من الاستراتيجية التي تملك الحل الحقيقي الذي يستطيع هزيمة الإرهاب.
تغلبت استراتيجية التحالفين التي لم تساعد اللاجئين على العودة بمثل ما لم تساعدهم على البقاء، واتبعت سياسة الخوف من اللاجئين الذي عزز من نفوذ وصعود القوى العنصرية والفاشية التي تعبر عنها الترامبية داخل وخارج أميركا، تغلبت الاستراتيجية التي لم تساعد في إيجاد حل سياسي وانحازت للأنظمة المستبدة.

المصدر: الأيام