هكذا تقاطعت مصالح الأسد وأعدائِه على ضربِ الإسلاميين

32098434Untitled-4_3_

يكاد الأميركيون يقيمون مجالس التعزية باقتلاع الرئيس محمد مرسي، ويبكون عليه لأنه «منتخب من الشعب». ولكن يصعب على أيّ كان أن يقتنع بهذه البراءة عندما يَسأل: إذاً، مَن أعطى «كلمة السرّ» للجيش بإسقاطه؟
لن يكون مرسي بالنسبة إلى المصريين “آخر أحزانهم”. فـ”الشيخ” محمد مرسي ليس الشيخ أحمد الأسير. وهناك مسار طويل ما زال مكتوباً على مصر أن تجتازه. و”الإسلام السياسي” في الشرق الأوسط بكامله ينتظر نهاية “الكباش” المصري ليعرف مصيره.

إن مصير مرسي، المدعوم بتركيا الإخوانية، حيوي جداً بالنسبة إلى تيار “الإسلام السياسي”. تماماً كما أن مصير الرئيس بشار الأسد، مدعوماً بإيران الخمينية، حيويّ جداً بالنسبة إلى المحور الذي ينتمي إليه.

ومن هنا، يترقّب المحور الأول مصير مرسي، والثاني مصير الأسد. وهنا يجدر التأمل في موقف واشنطن. فالأميركيون مربكون إزاء إزاحة مرسي كما إرتبكوا يوم إزاحة حليفهم السابق الرئيس حسني مبارك.

لقد إستمروا حتى اللحظات الأخيرة يسيرون بين النقاط، إلى أن ظهَرَ ميزان القوى، فدعموا الثوار. والشعار المرفوع هو: نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل ندعم الشرعية والخيار الديموقراطي.

بناء على هذه النظرة الأميركية، يستحقُّ مرسي عقوبة التنحي لأنه صادَرَ الديموقراطية والدستور وحرّض على قتل متظاهرين. ولكن، ثمّة مَن ينظر اليوم إلى سوريا التي يصادر الأسد دستورها بالكامل ويَغرق مع فئات من شعبها في صراع دموي. وعلى رغم مرور أكثر من عامين ونصف العام، فإن أحداً في العالم لم يحرّك ساكناً.

وعلى العكس من ذلك، فإن الغطاء الدولي لتصفية “الإسلام السياسي” يستثمره الأسد تماماً. والواضح أن حلف موسكو – بكين – طهران حقّق الأمنية التي لطالما أرادها، وهي إنهاء خصومه جميعاً دفعة واحدة: فـ”الإسلام السياسي” المدعوم من قطر وتركيا تلقّى ضربة موجعة، فيما “محور الإعتدال” المتمثل بالسعودية والكويت والإمارات والأردن موضوعٌ اليوم في وضعية “العصا والجزرة”.

“محور الإعتدال” تلقّى مجموعة من الرشاوى للموافقة على المسار الحالي، ولو أن بعض هذه الرشاوى سيبقى مجرد سراب:

– “الرشوة” الأولى هي إنقاذ “أنظمة الإعتدال” من “التيار الإسلامي” الذي يهدّد بإطاحتها.

– “الرشوة” الثانية هي تزويد المعارضة السورية “المعتدلة”، أي “الجيش السوري الحرّ”، بالسلاح الذي يتيح له مواجهة الأسد. لكن هذه الرشوة ستبقى هزيلة أمام جبروت الآلة الأسدية التي تبتلع المزيد من المناطق الإستراتيجية.

– “الرشوة” الثالثة هي عقد تسوية بين النظام و”المعارضة المعتدلة”. والواضح أن تعيين رئيس للإئتلاف الوطني قريب من السعودية، هو أحمد الجربا، يدخل في هذا الإطار. لكن أي حوار ينشأ اليوم سيكون فيه الأسد هو القوي، وسيكرّس إستمراره إلى ما بعد الموعد النظري لإنتخابات الرئاسة بعد عام.

ويبدو مثيراً أن يقف “عرب الإعتدال”، في براءتهم المعهودة، إلى جانب تصفية “الإسلام السياسي” في مصر، من دون أن ينتبهوا إلى أن هذا ما يريده الأسد لضرب معارضيه.

فـ”الإخوان” هم أعداءُ أعداءِ الأسد. وعدوُّ عدوّي هو صديقي. وهكذا بات الديموقراطيون العرب، من دون إرادة منهم ولا وعي، مجبرين على قبول التقاطع الموضوعي في المصالح مع الأسد. إنها سخرية المفارقات مرة جديدة!

عرف الأسد وطهران وموسكو كيف يوقظون “شيطان” بن لادن في مخيلة الأميركيين و”عرب الإعتدال”. و”التيار الإسلامي” في مصر وسواها، بأخطائه الكارثية، ساعد على تثبيت صورة “الشيطنة”، وقدّم النموذج السيّئ للتيوقراطية الإسلامية.

الغربيون يؤكدون سعيهم إلى تعميم ديموقراطياتهم في الشرق الأوسط، منذ أن شنّوا حربهم على أفغانستان والعراق. ولكنهم غالباً ما يغرقون في المستنقع. والنموذجان العراقي والأفغاني يثبتان ذلك.

واليوم، يقع “الربيع العربي” في الكارثة تلو الأخرى. لا هو ربيع في تونس ولا الجزائر ولا مصر، ولا سوريا طبعاً. والأميركيون محشورون: يريدون دعم الشعوب تماشياً مع نظرياتهم المعلنة، ولكن أي شعوب؟

وثمّة إعتقاد بأن قوى إقليمية عدة، وإسرائيل في مقدمها، جاهزة للّعب على التناقضات وإستغلال الإحتقانات والتوازنات داخل المجتمعات العربية المتصارعة. وهذه القوى هي التي تستثمر الصراع وفقاً لمصالحها وستستمرّ في “إدارته” علناً وفي السرّ حتى النهاية.

أما الرومانسية الديموقراطية فستبقى الشعار الأكثر جاذبية لإستثارة أحلام الجماهير العربية المغلوبة على أمرها، والسريعة الإنخداع بالعناوين البرّاقة، بسبب شوقها إلى إنتصار يتأخر تحقيقه جيلاً بعد جيل!