هل اضحت معركة دخول دمشق على الابواب ام سيقاطعها الحل السياسي

المتأمّل في الخارطة العسكريّة السوريّة، ومن يحاول تحديد الخطوط والاتّجاهات،  ووصل النقاط الحيويّة المتوهجة معاً، يحصل على خريطة واضحة المسار، تقوده مباشرةً إلى دمشق، الّتي تلتفُّ حولها وتلتقي عندها  الخطوط كلّها، معارك حزب الله التي بدأها في القصير، واستأنفها في جرود القلمون، ويختمها الآن في الزبداني، كلها مساراتٌ تقود إلى قلب دمشق!بعكس ما يروّج له كثيرٌ من المحللين، أي إبقاء الخط إلى الساحل مفتوحاً!

جوبر،  القابون نزولاً إلى الحجر الأسود ومخيّم اليرموك والقدم والتضامن ، 500 م عن قلب دمشق!عين ترما وكفر سوسة وقرى أطراف الغوطة القريبة 5-6 كلم عن قلب دمشق!

وهذه المناطق عمليّاً تحت سيطرة المعارضة ويطالها قصف النظام بشكلٍ  يومي، والتناطح فيها بين المعارضة والنظام رأساً برأس!

والسؤال الكبير: لماذا لا تقتحم المعارضة العاصمة دمشق، بدلاً من هذا الإنتشار الواسع على كامل وجه الخريطة السورية!

هذا السؤال وُجّه إلى أحد قادة الائتلاف السوري المعارض وكان الجواب كمايلي وبدون 

أدنى مواربة: دمشق خطٌّ احمر لكل أطراف الصّراع!والترجمة الحرفيّة لذلك: أنّ رعاة الحرب ومموّليها، وأولياء نعمة قادتها، قد أصدروا أوامرهم بحزم “امكثوا في أماكنكم ريثما ننتهي من رسم خارطة سوريا الجديدة”! 

وإذن فنتيجة المعركة الدائرة الآن في الزبداني ستحدِّدُ من يدخل دمشق أوّلاً!فها اقترب الحسم النّهائي؟!

سياسيّاً لا يمكن رسم خارطة لسوريا بدون دمشق ، والتحركات الأمريكيّة الأخيرة بما فيها التنسيق مع الأردن، تشير إلى قرب الحسم بخصوص مصير دمشق، والصحف الغربيّة أضحت تتناول تخيير الأسد بين المنفى وبين حياته!طبعاً هذا الخيار لا تحدده أمريكا فقط، ولكن يقرّره الأسد وحلفاؤه ورُبما كان إيقاف معركة درعا الأخيرة   لمنحه فرصة للتفكير، وكذا التلكّؤ الموازي في حسم المحادثات النوويّة الجارية في فيينا، لممارسة مزيدٍ من الضغط على إيران!

فإذا اختار الأسد الرحيل ستحسم معركة درعا برمشة عين ويصبح الطريق من درعا إلى دمشق معبّداً!وتقتحم أمريكا المشهد بأوراقها لتقدّم حلّاً سياسيّاً!

إيران تتعرّض إلى إغراءٍ كبير، فالخروج من المحادثات النوويّة بهيأة المنتصر، وخاصّة فيما يتعلّق برفع العقوبات، يُمثّل ثمناً كبيراً قد تبيع به الأسد، خاصّة إذا قدّرت أنّها تخوض معركة خاسرة في النّهاية، حتّى ولو طال أمدها!وهذه هي النقطة الحاسمة الّتي ستملي القرار الإيراني  وليس جوهر الترتيبات النوويّة نفسها، والّتي رسمت بالأبيض والأسود في المرحلة الأولى من المحادثات!

الصفقة بالطبع أكبر من ذلك، لأنّ لدى أمريكا في سوريا أولويات أخر!ومن مآربها الأخرى إنشاء دولة كرديّة، تضع حكم أردوغان في مهب الريح، وحيث باءت كل المحاولات الاخرى بالفشل، ابتداءً من مظاهرات ميدان تسنيم ، وحتّى الإنتخابات الأخيرة، ةالتي لم تكن اليد الأمريكيّة الخفيّة بعيدة عن تحريكها!

أمّا لماذا أصبح إفشال أردوغان اولويّة أمريكيّة، يجعلها تغامر بمشروع كبير مثل إنشاء دولة كرديّة؟

الجواب بسيط، لقد أصبح أردوغان نموذجاً إسلاميّاً ناجحاً وجاذباً، بعكس النموذج العسكري المصري الذي دعمته أمريكا جهاراً وإسراراً، وبعكس النموذج التونسي العلماني، والّذي فشل في اول الاختبارات وأعلاها أولويّة: الاختبار الأمني!

هذان نموذجان فاشلان يحظيان بالعطف الأمريكي المعلن والصريح، لدرجة إعلان تونس حليفاً استراتيجيّاً، بعد الأحداث الأمنيّة العاصفة، وغض الطرف عن إعدامات الجملة والاغتيالات السياسيّة في المشهد المصري!في حين يمثّل نموذج أردوغان حلماً للحركات الإسلاميّة المقموعة بقسوة كما هو في مصر أو المدفوعة إلى الهامش، عبر الضغوط السياسيّة الإقليميّة، كما هو الحال في تونس!

أمريكا ببساطة، تمارس دورها الرجعي لإعادة التاريخ إلى الوراء، وستضحي بالغالي والنفيس لإسقاط أردوغان وإفشال نموذجه!

“داعش” بالطبع قصّة أخرى، فهي ترسم خطّاً واصلاً بين الرقّة، دير الزّور، الحسكة،  والموصل، أو بين العراق والشام، حتى تكون إسماً دالّاً على مسمّى، ومن الواضح أنّ النوايا الامريكيّة تتجه،  لانتزاع الحسكة من يد تنظيم الدولة وإهدائها للدولة الكرديّة قيد الإنشاء، وما إلقاؤها بثقلها العسكري إلى جانب الأكراد ضدّ تنظيم الدولة إلّاإشارة بالغة الوضوح على هذا التوجّه، حيث لم تفعل ذلك من قبل بهذه الجديّة، لا في الموصل ولا في الأنبار!

ومع ذلك فيبدو أنّ لديها نيّة مبيّتة لاقتطاع دولة لأهل السنّة في العراق، وما فكرة إنشاء “الحشد الشعبي” بفتوى مرجعيّة شيعيّة عليا”السيستاني شخصيّاً”، إلّا بوحيٍ أمريكي، وكذلك تجاوزاته بحق أهل السنّة، وحتّى طريقة تعامل الرئيس العبادي مع مسألة نازحي الأنبار، واقتراحه إيوائهم في سجن ابي غريب، ومباركاته لأعمال الحشد الشعبي وخلع الأوصاف السَّنيّة والوطنيّة عليهم، كلّ هذه أمورٌ ليست أموراعارضة، بل ممنهجة وتصُبّ في مصبٍّ واحد،  تعميق الشرخ الطائفي وتأجيج المشاعر، وتهيئة المناخات الإنفصاليّة، على الخلفيّة الطائفيّة!

دفع الدور الأردني، إلى الواجهة،  في كلٍّ من جنوب سوريا وغرب العراق، هو مؤشّر آخر في الإتّجاه ذاته!

فهل نحن أمام وضع اللمسات النهائيّة على الخارطة الجديدة؟!وهل ستقف داعش عائقاً أمام المخطط الأمريكي أم انّها بدورها ستدخل بيت الطاعة بعد مواجهة مفتعلة، يسقُطُ في أوارها المجاهد الأخير؟!

 

نزار حسين راشد
رأي اليوم