هل بدأت «التصفيات النهائية» في الساحل السوري؟

34618330Untitled-2_2_

لو كانت حدود الكيان العلوي المحتمل ولادته هي إياها حدود الكيان التي أعلنها الفرنسيون في العام 1920، بناءً على مطالبة أجداد الرئيس بشّار الأسد، لربما كان وقف الحرب أكثر سهولة. لكنّ الطموح العلوي في 2013 أكبر بكثير مما كان قبل 100 عام.

من دون أقنعة، بدأت الحرب في الساحل السوري تتخذ طابع التصفيات المذهبية، أو التطهير المذهبي المتبادل. وهذا متوقع. فـ”الجيش السوري الحرّ”، ينأى بنفسه نسبياً عن الساحل، فيما تنغمس الجماعات التكفيرية الموالية لـ”القاعدة”، وفي الطليعة “جبهة النصرة”. وهي دعت صراحة إلى إستهداف القرى العلوية.

وهذا الصراع لن ينتهي قبل أن تُحسم المعركة: إما العلويون وإما السنّة. وعلى الأرجح، ستكون هناك عمليات نزوح متبادلة واسعة في المرحلة المقبلة، لتثبيت وقائع ديموغرافية تتلاءم مع إنشاء مناطق النفوذ. وحتى اليوم يبذل النظام كل طاقته لتوفير عمق إستراتيجي للمنطقة العلوية وربطها بشبكة مواصلات آمنة مع حمص والعاصمة.

ويتركز وجود العلويين خصوصاً في الجبال التي تحمل إسمهم، والفاصلة بين الساحل والداخل، أي شرق محافظتَي اللاذقيّة وطرطوس وغرب محافظتي حمص وحماة. .

وفيما يقدَّر العلويون في محافظتي حمص وحماه بما يقارب الـ15 %، فإنهم غالبية ساحقة في جبال العلويين. أما في المدن الساحلية، التي كانت ذات غالبية سنّية عبر التاريخ، فنزح العلويون إليها منذ تبدل السلطة في العام 1970، حتى باتوا في تركيبتها الطائفية ضمن حدود المناصفة أو أكثر.

ولم يكن تركيز الأسد و”حزب الله” “الإنتحاري” للسيطرة على القُصير، ودمشق، وحمص، وحلب، وأريافها، إلّا جزءاً من المسعى لتوسيع المنطقة العلوية وتأمين القدرة لها على الإستمرار، في محاذاة منطقة النفوذ الشيعية التي يسيطر عليها “الحزب”، والتي ربما يسدّ “فجواتها” على إمتداد الحدود اللبنانية – السورية، ولاسيما في عكار.

وفيما الأكراد يرسمون في هدوء حدود كيانهم الذاتي، وفقاً لنموذج إخوانهم في العراق، سيجد النظام مبرِّراً لإعلان النموذج العلوي عندما تدفعه الظروف إلى هذا الخيار.

لذلك، بدأت الجماعات السنّية المتشدّدة حرباً معاكسة. وهي تستخدم الأسلوب الذي إشتهرت به “القاعدة”، إذ إنها تدخل إلى القرى النائية على أطراف المنطقة الساحلية وتستهدف السكان العلويين. ويتردّد أنّ مجزرة وقعت هناك، لم يُكشف عن حجمها بعد، رافقها نزوح علوي من بعض القرى تجنباً للأسوأ.

وكان النظام سباقاً إلى عمليات مماثلة منذ بداية الصراع، وفي مناطق مختلفة. وفي أيار الفائت، إستهدفت ميليشياته مواطنين سنّة في حي رأس النبع في بانياس، وتردّد أنّ العشرات من سكان البيضا المجاورة كانوا ضحية مجزرة. وأعقب ذلك نزوح كبير لعائلات سنّية من تلك البقعة.

إذاً، إنها “التصفيات النهائية” في معركة ستحسم الصراع السوري برمته. فإذا هُزم النظام في “بيته” سقط في كل مكان. أما إذا حافظ عليه فسيكون قادراً في الحدّ الأدنى على البقاء على جزء من “سوريا السابقة”.

ويحاول النظام إحكام القبضة على كل المرتفعات الإستراتيجية المشرفة على الساحل، والتي يقطن غالبيتها علويون. وهذا الساحل يستفيد من الشعور بالحماية التي يوفرها له الدعم الروسي والإيراني الإستراتيجي. وفي إختصار: معركة الساحل هي معركة الموت أو الحياة بالنسبة إلى الأسد… وليس
معركة دمشق!

في خضم ذلك، هناك عاملان إقليميان يترصّدان الصراع السوري، ولاسيما في الساحل، وهما تركيا وإسرائيل. فرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يقدم الدعم للسنّة المتشدّدين في هجومهم على الساحل. وهذا ما سينعكس إضطراباً في الداخل التركي، حيث العلويون والقوى اليسارية قادرون على هزّ الإستقرار، على غرار ما حصل في الربيع الفائت.

ولن يجد الأكراد مصلحة في ضرب النموذج العلوي للحكم الذاتي، لأنّ ذلك سيمهّد لضرب النموذج الكردي أيضاً. ولذلك، فقد يتشارك الأكراد والعلويون واليساريون في هزّ العصا لأردوغان داخل تركيا.

أما إسرائيل فهي الأبرز في اللعبة الشرق أوسطية. وبروز مؤشرات لتفتيت سوريا إلى دويلات مذهبية أو عرقية سيمنحها اللحظة المناسبة لإنضاج التسوية التي تعمل لها حالياً. وهذه التسوية ستشكل الأرضية الصالحة لفرض الخيارات على الفلسطينيين ورسم الملامح النهائية لدولة إسرائيل.

وستكون هذه الدولة هي العملاق القومي – الديني، في شرقٍ أوسطٍ مشرذم إلى دويلات وأشباه دويلات متصارعة، ولا يمتلك أهلها القدرة حتى على تأمين العيش… فكيف بالسلاح القادر على مواجهة إسرائيل؟

الجمهورية