هل بدأت معركة القلمون وكيف ومتى ستُحسم؟

33580625A-Syrian-soldier_Syria_ex

معركة جبال القلمون هي معركة إستراتيجية الطابع والأهداف، شأنها شأن معركة مدينة القصير وريفها التي سبقتها. ومع التقارير الواردة من القلمون والتي تتحدّث عن غارات عنيفة وهجمات كثيفة مترافقة مع حركة نزوح واسعة، يتساءل الكثيرون ما إذا كانت هذه المعركة التي طال الحديث عنها، قد بدأت بالفعل. وإذا كان الأمر كذلك، كيف ستتطوّر وما هي أهدافها؟ ومتى من المتوقّع أن تُحسم ولصالح من؟
بالنسبة إلى السؤال الأوّل: الجواب هو نعم، ولكن وفق سيناريو شبيه بما حدث في معركة القصير، يعني أنّ الهجوم سيكون على مراحل متسلسلة (1). وبالتالي، من المتوقّع أن تتعرّض جبال القلمون، والقرى والبلدات المحيطة بها، والتي هي بيد مقاتلي المعارضة السورية، لعمليّة “تقطيع أوصال” – إذا جاز التعبير، بمعنى محاولة فرض حصار عليها من أكبر عدد ممكن من الجهات. والترجمة الميدانيّة لهذا الأمر تعني شنّ مجموعة من الهجمات التمهيديّة، التي تتركّز في كل مرّة في جهة محدّدة بهدف عزلها. وهذا بالفعل  ما يحصل حالياً، حيث جرى إسقاط بلدة الحميرة لقطع التواصل بين لبنان وسوريا، ثم تمّت مهاجمة بلدة قارة، إستكمالاً لعمليّة العزل (2).
بالنسبة إلى السؤال الثاني، أيّ التوقّعات بشأن تطوّر معركة القلمون، فهي مرتبطة بأكثر من عامل، حيث أنّ بعض المراقبين يتحدّث عن ضرورة إنهائها قبل حلول فصل الشتاء، بسب البرد القارس في المنطقة التي ترتفع عن سطح البحر نحو 1250 متراً بمعدّل عام، وبسبب الطبيعة الجغرافية الصعبة، بشكل يبطئ تقدّم القوى المهاجمة. في المقابل، توجد نظريّة أخرى، تشير إلى أنّ العامِلَين الجغرافي والمناخي سيؤثّران سلباً على إمدادات المقاتلين المعارضين أكثر ممّا ستؤثّر على القوى المهاجمة، خاصة وأنّ الكثير من الوحدات المهاجمة، لا سيّما قوّات “حزب الله” معتادة على الجبهات الوعرة وعلى الجوّ المثلج. وفي كل الأحوال، من المنتظر أن يكون الهجوم على منطقة القلمون دائرياً، بحيث يتم إسقاط القرى والبلدات المحيطة بالجبال في المراحل الأولى للهجوم، لإيقاع القوى المتحصّنة في الهضاب بين فكّي كمّاشة. ومنعاً لفرار مقاتلي المعارضة إلى الداخل اللبناني، جرى نشر وحدات من “حزب الله” في مناطق بعلبك – الهرمل الحدودية وإستنفار القوى العشائرية، علماً أنّ وحدات الجيش كثّفت بدورها إنتشارها على الحدود الفاصلة بين عرسال والقرى السوريّة.

وفي ما خصّ الأسلحة التي ستستخدم في المعركة، كان لافتاً دخول الطائرات الحديثة التي بحوزة الجيش السوري على خط المواجهة، حيث قامت طائرات من طراز “ميغ 29” الروسية الصنع بتنفيذ غارات عدّة على أهداف محدّدة في قرى وبلدات المنطقة، بعد جمع الكثير من المعلومات الإستخبارية عن مواقع المعارضة ومخازن أسلحتها. وترافق هذا الأمر مع غطاء مدفعي وصاروخي كثيف، إضافة إلى مشاركة سلاح الدبابات بفعاليّة بالقتال. وسُجّل تحليق طائرات إستطلاع من دون طيّار لكشف مخابئ مقاتلي المعارضة في الجبال. وبهدف إرباك المدافعين عن المنطقة أكثر فأكثر، تمّ تشغيل أجهزة تشويش على أجهزة الإتصالات اللاسلكية لقطع التواصل بين مقاتلي المعارضة. أكثر من ذلك، ذكرت تقارير عن قيام مخبرين سريّين من أبناء قرى بلدات القلمون بإعطاء المعارضة معلومات مغلوطة عن طبيعة وأماكن تحرّك الجيش السوري والقوى المساندة له، لجرّها إلى مواقع محدّدة وإيقاعها في كمائن قاتلة. وفي ما خصّ أهداف معركة القلمون، فهي تُختصر على الشكل الآتي:
1- السيطرة على خط حيوي يمتد من حمص مروراً بدمشق وصولاً إلى ميناء طرطوس على البحر المتوسّط.
2- محاصرة مناطق من الحدود الشرقية للبنان، والإلتفاف على بلدة عرسال، وعزلها بشكل كامل عن محيطها، ما يعني قطع خط إمداد لوجستي آخر (بعد القصير وريفها) للمعارضة المسلّحة.
3- توفير قاعدة إنطلاق مهمّة لمعارك مستقبليّة، منها في برزة وفي القابون، على سبيل المثال لا الحصر.
4- فرض منطقة جغرافية مترابطة وواقعة تحت سيطرة النظام، تمتد من ريف القنيطرة مروراً بدمشق والقلمون وصولاً إلى المنطقة الساحلية غربي سوريا. وهذه المنطقة يمكن أن تُشكّل نواة لكانتون مستقبلي في أسوأ الأحوال، أي في حال تقسيم سوريا إلى ثلاث دويلات مذهبيّة-عرقيّة: كردية وسنّية وعلوية.

بالنسبة إلى السؤال الثالث، أيّ متى من المتوقّع أن تُحسم المعركة، ولصالح من، الأكيد أنّ المسألة ليست مسألة أيّام، بل مسألة أسابيع وحتى أشهر. وما لم تحصل تطوّرات مفاجئة، مثل إنهيار مفاجئ للقوى المدافعة، فإنّ الفترة الزمنيّة للقتال ستطول. ولأنّ المعركة الكبرى مجزّأة إلى معارك صغرى، فهذا يعني، أنّه وعلى غرار ما حصل في القصير، مع إنتهاء كلّ مرحلة، يتمّ الإنتقال إلى المرحلة التالية، أو للجبهة التالية. وبعد إتمام عمليّة الحصار لجبال القلمون من مختلف الجهات، ستتكثّف الغارات الجويّة والقصف المدفعي والصاروخي العنيف لأيّام عدّة، قبل أن يبدأ الهجوم الرئيس على هذه الجبال ضمن سياسة “الأرض المحروقة”. إشارة إلى أنّ مهمّة الدفاع عن جبال القلمون وقراها موزّعة على وحدات من كل من “جبهة النصرة” و”حركة احرار الشام”، و”الدولة الإسلامية” و”الفرقة 11 – قوات خاصة” تابعة للجيش السوري الحرّ، بينما الهجوم منوط بالجيش السوري مع دعم من “حزب الله” ووحدات من “الباسدران” و”لواء أبو الفضل العباس”. ونتيجة المعركة غير محسومة من اليوم، ومرتبطة بمدى توسّع الهجوم وبالتطورات التي سترافقه، وخصوصاً إمكان دخول العامل اللبناني بشكل مباشر في المعركة، إن من عرسال أو من القرى المحيطة.


(1) إنطلقت المرحلة الأولى من معركة مدينة القصير وريفها في نيسان الماضي، بهجوم للسيطرة على تل النبي مندو المطلّ على أغلبية مناطق ريف القصير. ثم جرى في المرحلة الثانية إسقاط بلدة آبل التي تصل بين بلدة القصير ومدينة حمص، قبل أن يبدأ بعدها شنّ عمليّة عسكرية كبيرة للسيطرة على قرى تقع غربي نهر العاصي، أُتبعت بعد أيّام قليلة بهجوم واسع ثان على قرى تقع شرقي النهر. وفجر الأحد في 19 أيار الماضي بدأ الهجوم الأساسي على مدينة القصير، التي سقطت بشكل كامل بعد 18 يوم من الهجوم الأساسي، وتحديداً فجر الأربعاء في 5 حزيران.
(2) نحو ثلاثة أرباع القلمون بيد المعارضة السورية، وأبرزها رنكوس، وتلفيتا، والجبة، وحوش عرب، ورأس المعرة، ويبرود، وعسال الورد، والصرخة، والنبك، والسحل، وجراجير، بينما أبرز المناطق بيد النظام هي صيدنايا ومعرونة ومنين. وقد دارت أعنف المعارك أخيراً في الحميرة وقارة اللتين تعرّضتا للاقتحام من الجيش السوري.

ناجي سمير البستاني .. النشرة