هل تخضع المعارضة السورية للاملاءات الأمريكية ـ الروسية؟

ذكرت مصادر سياسية مختلفة، بينها الناطق الإعلامي باسم المعارضة السورية، د. رياض نعسان آغا، أنه في زيارة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى الرياض التي التقى فيها رئيس هيئة التفاوض للمعارضة السورية رياض حجاب طالب كيري المعارضة السورية بقبول طلبات روسية محددة تتعلق بإزاحة العميد الجوّي المنشقّ أسعد الزعبي، ومحمد علوش، ممثل «جيش الإسلام»، من هيئة التفاوض، وإدخال اسماء اقترحتها موسكو بينها قدري جميل، الوزير السوري السابق المحسوب على موسكو، وهيثم مناع، رئيس حركة «قمح» المتحالف، مؤخراً، مع قوات «الاتحاد الديمقراطي» الكردية، والقريب الصلة بموسكو والقاهرة، وصولاً إلى قبول فكرة حكومة «وحدة وطنية» تحت قيادة الرئيس السوري بشار الأسد خلال «مرحلة انتقالية» تنتهي بإعادة ترشيحه للرئاسة مجددا، على أن تقوم المعارضة السورية، حينها، بالتنافس «الديمقراطي» مع الأسد على منصب الرئاسة.
على المقلب الآخر للدبلوماسية العالمية، طالعنا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس بخطاب مطوّل عن إنجازات الدبلوماسية الروسية عام 2015 خصص جزءا كبيرا منها للقضية السورية، ركز فيها على النقاط التي ذكرها كيري معتبراً استبعاد اعضاء في «المعارضة السورية» انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، والمقصود باستبعاد أعضاء في المعارضة السورية ليس فصائل «الجيش الحر» التي يمثلها أسعد الزعبي، ولا «جيش الإسلام» الذي يمثله علوش، ولا «أحرار الشام»، التي تحاشت المعارضة السورية تمثيلها في هيئة التفاوض، بل المقصود بالطبع هو فرع المعارضة السورية المدلل عالميا والمتمثل بـ»الاتحاد الديمقراطي» إيّاه، والذين اعتبرهم لافروف ممثلي الأكراد، متجاهلا وجود طرف كرديّ ثان هو المجلس الوطني الكردي الممثل في هيئة التفاوض.
تستند الخطة الروسية ـ الأمريكية التي اتضحت أركانها إلى تسليم الملفّ السوريّ الشائك عسكرياً وسياسياً إلى روسيا التي ستعيد تأهيل النظام دولياً وتفرض حكومة «وحدة وطنية لمحاربة الإرهاب»، لتنهي بذلك المأساة السورية المستمرة والتي قارب عدد ضحاياها من القتلى نصف المليون، ومن الجرحى أضعاف هذا الرقم، ومن اللاجئين والنازحين اكثر من نصف عدد السكان، ودمار ما يقارب سبعين بالمئة من البنية العمرانية مع مستتبعاتها من كوارث اجتماعية واقتصادية ونفسية.
المشكلة الرئيسية في هذا السيناريو شديد التفاؤل لتصفية المسألة السورية هو ارتكازه على أساس باطل بمقاييس المنطق الإنساني البسيط، قبل أن نتحدث بمقاييس القانون الدولي الذي يتذرع به لافروف، فلو أن الأمر يحلّ بحكومة «وحدة وطنية» تستلم فيها المعارضة السورية وزارات النقل والأوقاف والسياحة لما كان هناك ضرورة أو معنى لانشقاق عشرات الآلاف من جيش النظام، ولا لامتشاق المواطنين العاديين السلاح دفاعا عن مدنهم وقراهم وعائلاتهم وأطفالهم من الذبح الطائفي بالسكاكين (والذين سخر منهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بوصفهم بالجيش الذي يقوده فلاحون وأطباء أسنان!)، ولا لخوض المعارك العسكرية والدبلوماسية، ما دام المعروض عليهم، في النهاية، استسلاما علنيّا.
لقد صدعت الدول «الصديقة للشعب السوري» رؤوس السوريين بإعلان سقوط شرعية الرئيس السوري وبمطالباتها المستمرة له بالرحيل، وصدرت مئات التقارير من منظمات الأمم المتحدة والمجتمع المدني حول ارتكاب هذا النظام جرائم حرب تنتهك القوانين العالمية، وها هي اليوم، بدافع من هروب مئات آلاف اللاجئين إلى أوروبا، ومن الخوف من انتقال عمليات تنظيم «الدولة الإسلامية» إليها، (وهي التي ساهمت كل هذه الدول في صنعه، بتركها وحشية النظام منفلتة من عقالها، ومنع الأركان القانونية والسياسية والعسكرية والاقتصادية لحكومة معارضة سورية حقيقية من الظهور)، تستعجل «سلق» حلّ للمسألة السورية على حساب الشعب السوري ومطالبه بنظام لا يهاجم شعبه بالأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة والتجويع حتى الموت.
من دون دعم عربيّ وإقليمي للمعارضة السورية، قد لا يكون هناك أمل كبير لها برفض إملاءات الروس والأمريكيين، ولكنّ هذا «الحلّ الافتراضي» الذي يسوّقه الروس، وتقبله إدارة أوباما التي تستعد للرحيل، لن يكون إلا محاولة تجميل للكارثة المستمرة.

رأي القدس