هل تستطيع روسيا إحياء «اتفاقية أضنة» بين سوريا وتركيا؟

كلما لوحت تركيا بشن عملية عسكرية شمال سوريا لإقامة «منطقة آمنة»، تضع روسيا على طاولة الوساطة إحياء «اتفاق سوتشي» حول شرق الفرات تمهيداً لتنفيذ «اتفاق أضنة» الذي وقعته أنقرة ودمشق في يوليو (تموز) 1998، وأسس لتعاون أمني بين الطرفين، وسمح للجيش التركي بملاحقة «حزب العمال الكردستاني» بعمق الأراضي السورية.

ومنذ الحرب الروسية في أوكرانيا، أعاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إحياء خطة قديمة لديه بإقامة «منطقة آمنة» بعمق 35 كيلومتراً، محاولاً الإفادة من تحسن موقف أنقرة التفاوضي بسبب «حاجة» واشنطن وموسكو لدور تركيا.

أميركا أعلنت بوضوح رفض العملية العسكرية شرق الفرات، فيما تولت موسكو التوسط بين دمشق وأنقرة والأكراد، ونشر قوات الجيش السوري في مناطق مختلفة في شمال البلاد لـ«ردع» الجيش التركي، قبل القمة الروسية – التركية – الإيرانية في طهران أمس (الثلاثاء).

أنقرة تريد توغلات جديدة تربط «جيوبها» العسكرية شمال سوريا، وهي «درع الفرات» شمال حلب التي أسست في 2016، و«غصن الزيتون» في عفرين في 2018، و«نبع السلام» شرق الفرات نهاية 2019، و«درع السلام» في بداية 2020. فيما تقترح موسكو إما تفعيل «اتفاق أضنة» وإما التنفيذ الكامل لـ«اتفاق سوتشي – 2019»، إضافة إلى مذكرة عسكرية بين دمشق والقامشلي مقابل اتفاق بين أنقرة وواشنطن. وهنا أهم الاتفاقات وقراءة فيها:

> ما بنود «اتفاقية أضنة»؟

بعد تلويح تركيا بالهجوم على سوريا منتصف 1998، توسط الرئيس المصري الراحل حسني مبارك بين الطرفين، إلى أن تم إنجاز اتفاق أمني بين أنقرة ودمشق في مدينة أضنة التركية. ونص الاتفاق وملحقاته على عناصر؛ بينها:

– اعتباراً من الآن؛ زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (المعتقل في تركيا منذ بداية 1999) لن يكون في سوريا، وبالتأكيد لن يسمح له بدخول سوريا.

– لن يسمح لعناصر «حزب العمال الكردستاني» في الخارج بدخول سوريا.

– اعتباراً من الآن؛ معسكرات «حزب العمال الكردستاني» لن تعمل على الأراضي السورية، وبالتأكيد لن يسمح لها بأن تصبح نشطة.

– كثير من أعضاء «حزب العمال الكردستاني» جرى اعتقالهم وإحالتهم إلى المحكمة، وتم إعداد اللوائح المتعلقة بأسمائهم، وقدمت سوريا هذه اللوائح إلى الجانب التركي.

– إن سوريا، على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، لن تسمح بأي نشاط ينطلق من أراضيها، بهدف الإضرار بأمن واستقرار تركيا. كما لن تسمح سوريا بتوريد الأسلحة والمواد اللوجيستية والدعم المالي والترويجي لأنشطة «حزب العمال الكردستاني» على أراضيها.

– صنفت سوريا «حزب العمال الكردستاني» على أنه منظمة إرهابية، كما حظرت أنشطة الحزب والمنظمات التابعة له على أراضيها، إلى جانب منظمات إرهابية أخرى.

– لن تسمح سوريا لـ«حزب العمال الكردستاني» بإنشاء مخيمات أو مرافق أخرى لغايات التدريب والمأوى أو ممارسة أنشطة تجارية على أراضيها.

– لن تسمح سوريا لأعضاء «حزب العمال الكردستاني» باستخدام أراضيها للعبور إلى دول ثالثة.

– إقامة وتشغيل خط اتصال هاتفي مباشر فوراً بين السلطات الأمنية العليا لدى البلدين.

– يقوم الطرفان بتعيين ممثلين خاصين أمنيين في بعثتيهما الدبلوماسيتين في أنقرة ودمشق، ويتم تقديم هذين الممثلين إلى سلطات البلد المضيف من قبل رؤساء البعثة.

– الملحق رقم 3: اعتباراً من الآن؛ يعتبر الطرفان أن الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أياً منهما ليست له أي مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر.

– الملحق رقم 4: يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كيلومترات.

ماذا تعني «اتفاقية أضنة» سياسياً وأمنياً؟

– إعطاء الجيش التركي الحق في ملاحقة «حزب العمال الكردستاني» بعمق 5 كيلومترات شمال سوريا، بموجب «الملحق رقم 4».

– تتخلى دمشق عن أي مطالبة بحقوقها في لواء الإسكندرون (إقليم هاتاي) الذي ضمته تركيا في 1939، بموجب «الملحق رقم 3».

– اعتبار «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان، «تنظيماً إرهابياً»، بموجب نصوص الاتفاق.

– أنقرة تفسر الاتفاق على أنه يعني أن «وحدات حماية الشعب» الكردية «تنظيم إرهابي»، باعتبار أن أنقرة تعدّها امتداداً لـ«العمال الكردستاني».

– يعني بدء اتصالات أمنية مباشرة، علماً بأن مدير الأمن الوطني السوري علي مملوك التقى أكثر من مرة مدير المخابرات التركية حقان فيدان.

– يعني أيضاً إعادة تشغيل السفارة التركية في دمشق، والسفارة السورية في أنقرة، علماً بأن لدمشق قنصلية في إسطنبول (تم تعيين عنصر جديد فيها قبل فترة)، باعتبار أن الاتفاق يتطلب تعيين ضابط ارتباط أمني في كل سفارة.

– يعني تنفيذ الاتفاق «اتصالات غير مباشرة» أقر بها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، واعتراف أنقرة بشرعية الحكومة السورية؛ لأن تنفيذ الاتفاق يتطلب كثيراً من الإجراءات، بينها تشكيل لجنة مشتركة وتشغيل خط ساخن.

– يقدم الاتفاق بديلاً للتفاهم التركي – الأميركي حول عمق «المنطقة العازلة» البالغ 32 كيلومتراً شمال شرقي سوريا، ويفتح المجال لتنفيذ «اتفاق سوتشي» بين إردوغان والرئيس فلاديمير بوتين في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بعد قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب سحب قواته من شرق الفرات، الأمر الذي مهد لهجوم تركي وقتذاك.

> ما «اتفاق سوتشي» لعام 2019؟

اتفق إردوغان وبوتين على 10 نقاط؛ بينها:

أكدا التصميم على محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وتعطيل المشروعات الانفصالية في الأراضي السورية.

– سيتم في هذا الإطار الحفاظ على الوضع الراهن في منطقة عملية «نبع السلام» الحالية التي تغطي تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كيلومتراً.

– كلا الطرفين أكد مجدداً على أهمية «اتفاقية أضنة»، وستسهل روسيا تنفيذ هذه الاتفاقية في ظل الظروف الحالية.

– الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري سيدخلان إلى الجانب السوري من الحدود السورية – التركية، خارج منطقة عملية «نبع السلام» (بين تل أبيض وراس العين)، بغية تسهيل إخراج عناصر «وحدات حماية الشعب» الكردية وأسلحتهم حتى عمق 30 كيلومتراً من الحدود السورية – التركية.

– تسيير دوريات تركية وروسية مشتركة غرب وشرق منطقة عملية «نبع السلام» بعمق 10 كيلومترات، باستثناء مدينة القامشلي.

– إخراج جميع عناصر «وحدات حماية الشعب» الكردية وأسلحتهم من منبج وتل رفعت.

ماذا عن الاتفاق الأميركي ـ التركي لعام 2019؟

وقبل ذلك، جرى توقيع اتفاق بين إردوغان ونائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس في أكتوبر 2019، تضمن 13 بنداً؛ بينها:

– تؤكد الولايات المتحدة وتركيا علاقتهما بصفتهما زميلين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وتتفهم الولايات المتحدة المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا على الحدود الجنوبية لتركيا.

– اتفق الجانبان على استمرار أهمية وفاعلية سلامة المنطقة، من أجل معالجة المخاوف الأمنية الوطنية في تركيا، لتشمل إعادة جمع الأسلحة الثقيلة من «وحدات حماية الشعب» (الكردية) وتعطيل تحصيناتهم وجميع مواقع القتال الأخرى.

– سيقوم الجانب التركي بإيقاف عملية «نبع السلام» مؤقتاً للسماح بسحب «وحدات حماية الشعب» من منطقة النبع. وسيتم إيقاف عملية «نبع السلام» عند الانتهاء من هذا الانسحاب.

– بمجرد إيقاف عملية «نبع السلام»، توافق الولايات المتحدة على عدم مواصلة فرض العقوبات بموجب الأمر التنفيذي الصادر في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بحظر الممتلكات وتعليق دخول أشخاص معينين يساهمون في الوضع في سوريا.

كيف عاد الجيش السوري إلى شرق الفرات؟

بالتوازي مع هذه الاتفاقات الروسية – التركية – الأميركية التي أعقبت إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الانسحاب من حدود تركيا شمال شرقي سوريا؛ الأمر الذي فتح المجال لتوغل أنقرة، جرى التوصل إلى مذكرة تفاهم بين «قوات سوريا الديمقراطية»؛ حلفاء واشنطن، وبين دمشق. هنا بعض نقاطها:

– وافقت «قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تضم «وحدات حماية الشعب» الكردية) على دخول قوات الجيش العربي السوري، وبسط سيطرته على كامل المنطقة ابتداءً من عين ديوار شرقاً، وحتى جرابلس غرباً، حيث ستنطلق القوات من ثلاثة محاور:

1- محور الطبقة شمالاً باتجاه عين عيسى وريفها وشمالاً إلى الحدود السورية – التركية عند تل أبيض وباتجاه الغرب.

2- محور منبج باتجاه عين العرب على الحدود السورية – التركية وحتى نقطة تل أبيض وباتجاه الغرب.

3- محور الحكسة – تل تمر وصولاً إلى رأس العين ومنه باتجاه الشرق وصولاً إلى القامشلي وثم المالكية وباتجاه الجنوب.

4- تنتشر القوات في منطقة منبج بدءاً من عريمة وعلى طول خط نهر الساجور وفق الاتفاقية السابقة المتعلقة بانتشار القوات في عريمة.

في هذه المذكرة، «أكدت قوات (قسد) على جاهزيتها للحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية وتحت علم الجمهورية العربية السورية، والوقوف إلى جانب الجيش العربي السوري في مواجهة التهديدات التركية للأراضي السورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد».

لكن تراجع ترمب عن قرار الانسحاب ثم الإبقاء على قواته شرق الفرات، دفع إلى بطء تنفيذ هذه المذكرة. وأمام التهديدات التركية الأخيرة، عادت روسيا لدفع «قسد» ودمشق لتنفيذ مذكرة عام 2019.

ومثلما طبقت روسيا اتفاقية «فك الاشتباك» بين سوريا وإسرائيل ونشرت قوات دولية في الجولان، تسعى إلى تنفيذ الاتفاقات المرحلية وصولاً إلى إعادة تفعيل «اتفاقية أضنة» بوصفها مدخلاً لـ«شرعنة» الحكومة وتوسيع بسط سيادتها في البلاد. وسبق أن اقترحت روسيا ذلك، وأعادت هذا الاقتراح خلال التمهيد للقمة الثلاثية في طهران، وستواصل الدفع تدرجياً لتنفيذه؛ وإن كان بعمق أكثر من «أضنة» وأقل من «سوتشي» و«تفسيرات روسية» له.

المصدر: الشرق الأوسط