المرصد السوري لحقوق الانسان

هل سينصف التاريخ شباب الربيع العربي؟

دعيت، في النصف الأول من عام 2011، إلى مالطا للمشاركة في مهرجان ثقافي وشعري، عنوانه “تحية إلى شعوب الربيع العربي”. كان المشاركون من دول أوروبية ومن بلاد الربيع العربي الذي كان في بداية توهجه، وكانت آمال التغيير طافية على كل شيء، الأحاديث والكتابات والضحكات. كانت وجوه الجميع مشرقة بذاك الأمل، على الرغم من أن العنف والإجرام الذي اعتمدته الأنظمة لمقاومة التغيير كان قد بدأ، وكان مؤشّرا واضحا على ما ستؤول إليه الأمور، بيد أن الجميع كان مأخوذا في التفاؤل، هذه النهايات المحزنة والصادمة لم تكن في وارد أحدٍ آمن بالربيع العربي وبمبادئه.
لفتت نظري وقتها تلك الطمأنينة والأمان الذي كان واضحا على جيل الشباب الأوروبي، المماثل للجيل العربي الذي كان يُسحل في شوارع المدن العربية، لمطالبته بحقه في تحديد شكل مستقبله. كان الشباب في أوروبا يقضون حياتهم كما ينبغي لها أن تكون، يدرسون في الجامعات، يستمتعون بعيش حياتهم، لديهم فائضٌ من المواطنة يجعلهم شديدي الثقة بأن ما يريدونه سوف يتحقق، وأن حقوقهم، أفرادا ومواطنين، مصانة، في التعليم والصحة والعمل والسفر والمتعة، وفي الخدمات الأساسية والترفيهية، حتى الأزمات الاقتصادية التي كانت تخلخل الاستقرار العالمي تلك الفترة لم تكن تشغل بالهم، فثمّة حكومات موظفة لإيجاد الحلول البديلة، حكوماتٌ يمكن استبدالها بسهولةٍ في حال عجزت عن تحقيق ما يطلب منها، أو في حال قصّرت عن تأمين حقوق مواطنيها! لا يخافون من مرض مفاجئ، إذ يدركون أنهم مأمنو العلاج، لا يخافون من الفقر الشديد، إذ لا أحد يموت من الجوع هناك، فحكوماتهم تتكفّل بحد أدنى من المعيشة للعاطلين عن العمل، لا يتردّدون لحظة واحدة في شتم حكوماتهم علنا، إذ يعرفون أن حقهم في الاحتجاج على الحكومة، حتى من باب الترف، مصانٌ بالكامل، وحين تتصرّف أية حكومة ضد حقوق الإنسان فثمّة من يحاسبها ويطالبها بالاستقالة!
في ذلك الوقت، كان شبابنا (العرب) الذين يحلمون بجزءٍ يسير من تأمين حقوقهم الإنسانية، بوصفهم مواطنين في بلادهم، يسحلون في الشوارع، تحت مجنزرات دبابات جيوش بلادهم، يزجّهم مواطنون مثلهم في السجون والمعتقلات، يتفنن في تعذيبهم أشقاء لهم في المواطنة والوطن، تمارس عليهم كل فنون التعذيب والإذلال والقهر حتى الموت، يُدفنون في قبور جماعية، ولا يُترك لعائلاتهم حتى أماكن وهمية تضم أجسادهم، تسلط عليهم البلطجية والبلاطجة والشبيحة، من أبناء أوطانهم، ممن يفترض أن أي تغيير سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي سوف يكون لصالحهم، يوضعون في مواجهة بعضهم بعضا في حروبٍ مجنونة، يصبحون معها قتلة أو مقتولين.
كان شبابنا وأبناؤنا في الذاكرة دائما، مقابل مشاهد متلاحقة لحياة الشباب في البلاد الأوروبية المتقدّمة. أذكر أن أحد الأصدقاء من منظمي مهرجان مالطة قال لي، بعد أن حدّثته عن مشاعري، ونحن نشاهد حفلة موسيقية لشباب وصبايا في سن ابنتي، يغنون ويعزفون الموسيقا ويرقصون في شارع صغير في مالطا: “دفعت بلادنا أيضا أثمانا باهظة في السابق، كي نعيش نحن اليوم كما ترين، يبدو أن أثمانا كهذه هي قدر البشرية، يدفعها البشر لتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحقوق في أيام مقبلة”.
أفكر في جيل ابنتي من شباب العرب، والجيل الذي أتى بعده. في ذروة حياتهم، لم يشهدوا غير الحرب والقهر والذل واليأس والحصار والخسارات والفقد، من منهم نجا من الموت، فأصابته علة جسدية أو نفسية، (عموما أصيب غالبية السورييبن بهذه العلل من كل الأجيال)، اليأس وفقدان الأمل كانا كفيلين بالقضاء على ما تركته الأنظمة سليما في نفوسهم. لو هناك إحصائية حقيقية لعدد المنتحرين من الشباب العربي في بلادهم أو خارجها لكان ذلك كفيلا بتجريم الإنسانية كلها، لو هناك إحصائية دقيقة لعدد المدمنين على أسوأ أنواع المخدّرات أيضا، هذا الجيل دفع أثمانا أكثر من باهظة، وشهد في حياته من مآسي الأحداث وكوارثها في عقد ما يلزمه عقودٌ طويلةٌ ليحدث!
من يتحمّل مسؤولية ما حدث ويحدث لأبنائنا؟ الأنظمة العربية وحدها، أم النظام العالمي بوصفه نظاما مافياويا متوحشا، أم النخب السياسية والثقافية والفنية العربية، أم القدر والمصادفة الزمنية التاريخية؟ وهل سينصف التاريخ جيل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ هل ستكون هناك عدالة ما تقتصّ ممن سبب كل هذا القهر لأبنائنا؟ شخصيا أشك بذلك، إذ إن العدالة هي عدالة أصحاب السلطة والقوة والمال، كل ما في التاريخ البشري يؤكّد على هذا.

 

 

 

 

الكاتبة:رشا عمران – المصدر:العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول