هل كان أوباما سيرد على هجوم الغوطة الكيماوي؟

15

في الذكرى الخامسة على الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية، بدا أن دولاً غربية بارزة، أميركا وفرنسا وبريطانيا، من جهة، والعاصمتين الروسية والسورية، من جهة أخرى، لم تنسَ هذه الحادثة- المنعطف. فالنظام السوري سارع الى نبش قبور قتلى الهجوم الكيماوي وانتشال الرفات ونقلها الى مكان مجهول “لطمس معالم الجريمة”. وبحسب المرصد السوري، “تعمل قوات النظام منذ تثبيت سيطرتها على غوطة دمشق الشرقية، والانتهاء من عمليات التمشيط والتعفيش والمداهمة والاعتقال، على ملف مجزرة الكيماوي، وعليه، استدعت السلطات السورية، كل من وثق وصوَّر وشارك في تكفين الشهداء ودفنهم ومن شارك في علاج المصابين، وكذلك استدعت المسؤولين عن مقابر زملكا وعين ترما وعربين، للاستدلال الى مقابر ضحايا مجزرة الأسلحة الكيماوية. وبادرت موسكو إلى ما درجت عليه منذ بداية الازمة، أي شن حملة تضليل إعلامي واستهداف البنى التحتية الانسانية (المستشفيات والمدارس…) بالقصف. فزعمت أن الخوذ البيض نقلوا براميل كلور من أطمة إلى جسر الشغور لشن هجوم كيماوي، ونشرت وكالة “سبوتنيك” الروسية وشبكة “روسيا اليوم” أخباراً مفادها أن صور قتلى مجزرة الكيماوي مفبركة، وأن القتلى “المزعومين” ممثلون. وحذرت باريس ولندن وواشنطن، النظام السوري، من شن هجوم كيماوي على إدلب، ولوّحت بأنها لن تقف موقف المتفرج.
“الخط الأحمر” في رواية مستشار أوباما
“إلى يومنا هذا، أتساءل ما إذا كان أوباما ليشن هجوماً … [رداً على الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013] لو لم يقف فريق الأمم المتحدة [حجر عثرة] في الطريق”، يقول بن رودس، نائب مستشار الامن القومي للرئيس باراك أوباما، والناطق باسم الادارة الاميركية حينها في مسائل الأمن القومي، في كتابه الصادر أخيراً “العالم كما هو: داخل البيت الأبيض في عهد أوباما” (بانغوِن راندوم هاوس، 2018). ففي حين كانت اجتماعات أوباما مع أجهزة الاستخبارات الاميركية تدور للبحث في هجوم الغوطة الشرقية، كان شاغل الرئيس الأميركي سلامة فريق المفتشين التابع للأمم المتحدة في سوريا. فاتصل بأمين عام الأمم المتحدة، بان كي- مون، ودعاه ملحاً الى سحب المفتشين (من سوريا)، لكن بان رفض قائلاً أن على فريقه انهاء عمله. فشدد أوباما على أهمية المسارعة في الانسحاب. رفض بان كي – مون وقال أن مهمة فريقه ستدوم أياماً، وأصرّ الرئيس الأميركي على انسحابهم في اليوم التالي، لكنه قوبل برفض قاطع. وهذه الحادثة قطعة من أحجية لفهم ما الذي حال دون شن رد أميركي على الهجوم الكيماوي، وانتهى الى اتفاق كيري- لافروف على نزع الترسانة الكيماوية السورية.
ويدرج رودس الحادثة هذه في سياق أوسع. ففي نهاية 2012، بلغت البيت الأبيض تقارير عن استخدام أسلحة كيماوية في نطاق ضيق في سوريا. وتعذر التحقق على الفور من صحة هذه التقارير في بلد تعمه الفوضى حيث “يتم اللجوء الى أسلحة فظيعة كثيرة ضد المدنيين… من القنابل المسيلة للدموع مروراً بالنابالم وصولاً الى البراميل المتفجرة”. لكن الاستخبارات الأميركية بالغت في الحذر من الحكم في المسألة، خصوصاً بعد بياناتها غير الدقيقة حول أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل الاجتياح الأميركي في 2003. ولذا، اقتضى الأمر من الاستخبارات الاميركية شهوراً، في 2012 ومطلع 2013، قبل بلوغ استنتاج مُحكم مفاده أن نظام الأسد أستخدم أسلحة كيماوية. وإثر نشر خلاصات الاستخبارات هذه في نيسان/ابريل 2013، برز سؤال عما ستفعله أميركا لتثبت للأسد والعالم أن مثل هذا الاستخدام للأسلحة الكيماوية لن يمر مرور الكرام وتترتب عليه نتائج وعواقب. فقرر أوباما إعلان قرار يقضي بدعم المعارضة السورية عسكرياً- والقرار هذا هو صدى مشروع قدمه ديفيد بترايوس في 2012. وهو رد غير شاف، على قول المستشار السابق. ولم يكن ثمة من يريد إعلان تفاصيل الخطة، فآلت مسؤولية الإعلان هذا الى رودس. ويقول هذا “رغم شكوكي في سياستنا السورية، سرّني أننا سنُقدم على شيء”. 
لكن الإعلان لم يكن يسيراً. فرودس اضطر الى “النزاع” مع المحامين والدخول في شد حبال معهم ليتسنى له القول بأن أوباما قرر “تقديم دعم عسكري مباشر” للمعارضة السورية. فلسان حال المحامين كان مفاده لا نستطيع تقديم تفاصيل عن الدعم هذا، مخافة المترتبات القانونية. ويعود بن رودس الى صيف 2013 “العسير” أو “الجاحد” في تسويغ ما أفضى الى التراجع عن “الخط الأحمر”. فالصيف هذا بدأ مع ما يسميه “استعراض” إدوارد سنودن مجموعة من المعلومات السرية في حزيران/يونيو، وهرب سنودن الى هونغ كونغ، ثم وصوله الى موسكو من دون ان يستخدم جواز سفر في رحلته. وتلت العرض هذا، أسابيع من “تسريب مؤذٍ وبطيء” لمعلومات عن الاستخبارات الاميركية. ويقيم رودس أوجه شبه بين هذه التسريبات والأجواء التي أرخت بظلالها على ما قبل انتخابات 2016 الرئاسية في الولايات المتحدة. ففي الحالتين، كانت روسيا وويكيليكس وراء ما يجري. ويقول رودس أنه أمضى أياماً في إقناع الليبراليين بأن أوباما ليس على رأس دولة رقابة واستخبارات. “ثم وقع انقلاب مصر الذي رفضنا تسميته بالانقلاب”. ويخلص رودس قائلاً الى أنه عوض انتهاج “أجندة إيجابية” ومُبادِرة، شعر أنه يمضي ايامه في اتخاذ وضعية التبرير والدفاع عن موقف كمن يتجنب ضربات. 
طيف العراق
وما هو ثابت في رواية بن رودس، هو أن أوباما كان يميل، في البداية، الى شن ضربة جزاء كيماوي، إذا جاز القول، على سوريا. لكن حرب العراق كانت ماثلة في حسابات وأفكار جايمس كلابر، مستشار الأمن القومي. فهو أبلغ رودس وسوزان رايس، أن مسؤولية الأسد عن الهجوم بالسلاح الكيماوي لم تكن بَعد مؤكدة. فهو استعاد عبارة “أمر مؤكد أو ثابت” slam dunk التي استخدمها جورج تينيت، مدير الاستخبارات الاميركية المركزية في إدارة جورج دبليو بوش، حين تأكيده امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. ويخلص رودس الى أن كلابر أراد القول من الاستعادة هذه، بأنه لن يورط الاستخبارات الأميركية في مساعي “بناء قضية” لشن حرب أخرى في الشرق الأوسط قد ينحرف مسارها وتجري على ما لا يُشتهى. وفي تقريره الصباحي أمام الرئيس الاميركي وفريقه من المستشارين، أعلن كلابر أن الأدلة كلها تشير الى أن الأسد أمر بهجوم السارين الكارثي، ثم كرر على مسمع أوباما كلمات تينيت، لكن بصيغة النفي، هذا ليس “مؤكداً” بعد. ولم تخفَ الإشارة على الرئيس الاميركي، فقال له: “لم يسألك أحد إذا كان الأمر slam dunk”. وبدا أن كاهل أوباما مثقل، فهو مضطر الى الرد على الحادثة الكريهة من جهة، وهو ينوء بثقل مترتبات حرب العراق: “…استخباراته كانت قلقة من الانزلاق الى حرب، وكانت ثقة الحلفاء في مغامرات عسكرية تقودها أميركا في الشرق الاوسط، مهتزة، وكان الإعلام يشكك في صدقية البيانات الرئاسية والرأي العام يعارض الحروب الاميركية في الخارج، وكان الكونغرس ينظر الى الحرب والسلم كمسائل تُستغل سياسياً”. 
وبعد موقف بان كي مون، جاء موقف كلابر المتنصل من إعداد تقرير عن الحادثة واقتراحه أن تصدر الحكومة تقريرها بعد أن تتولى الاستخبارات تزويدها المعلومات، وهذا أمر غير مألوف وكان عصياً على تصديق بعض المسؤولين في دوائر الخارجية الاميركية. وساهمت المستشارة الألمانية، أنجلا ميركل، مساهمة بارزة في ثني أوباما عن قرار الضربة. وكان الرئيس الاميركي يكن لها قدراً كبيراً من التقدير والإعجاب. ولطالما أمضى الاثنان ساعات في بحث استراتيجيات تحرّك عجلة الاقتصاد العالمي أو ترص أواصر أفغانستان. ودعت ميركل اوباما الى منح مفتشي الأمم المتحدة الوقت لإعداد تقريرهم ثم اللجوء الى مجلس الأمن. وإذا حالت موسكو دون إصدار مجلس الأمن قراراً، يمضي أوباما قدماً في شن الضربة. لكن هذه العملية تقتضي أسابيع، ولم يخف على أوباما أن إرجاء الضربة الى أسابيع مقبلة، سيقيد يديه ويحول دون الرد، في وقت لا يؤيد الأميركيون الحرب.
شرك سياسي
وكان شاغل جمهوريي الكونغرس الأميركي إعداد مصيدة سياسية للإيقاع بأوباما، على قول رودس. وهو ينبه الى أن دواعٍ انتهازية شخصية وأنانية كانت ديدن الشيوخ الأميركيين. فمواقفهم كانت أقرب إلى حملة انتخابية متواصلة الفصول والاقتصاص من الخصم، منها إلى السياسة. فطوال ثماني سنوات، دافع الجمهوريون عن حق الرئيس جورج دبليو بوش المطلق في شن الحرب، لكنهم في عهد أوباما صاروا بين ليلة وضحاها مصرين على إلزام القائد العام للقوات المسلحة، أي الرئيس الأميركي، بقيود دستورية وتقييد قدرته على شن ضربات في الخارج. فأرسل له شيوخ الكونغرس رسالة يحذرونه فيها من انتهاك مبدأ فصل السلطات والتورط في سوريا حيث “لا تواجه أميركا تهديداً”. ثم وجه جون بوينير، رئيس مجلس النواب الاميركي حينها، إلى الرئيس الاميركي، رسالة عدّد فيها 14 مسألة مرتبطة بالسيناريوهات التي قد تؤول إليها الامور في سوريا نتيجة التدخل الأميركي: خسارة نظام الأسد السيطرة على ترسانة الأسلحة الكيماوية ووقوعها في إيدي منظمات إرهابية وثيقة الارتباط بـ”القاعدة”. ولوّح الجمهوريون بمحاسبة أوباما إذا ما شن ضربات عسكرية من دون الإحتكام الى الكونغرس. 
وإثر معارضة البرلمان البريطاني، شن هجمات مشتركة على سوريا، ومطالبته الحكومة بعدم الانسياق وراء الولايات المتحدة والانزلاق الى حرب مثلما فعل توني بلير، اتصل رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون بأوباما واعتذر عن عدم تقديم دعم له إذا شن عملية عسكرية. وحملت هذه العوامل كلها أوباما على التوجه الى الكونغرس وطلب مصادقته على الضربة في سوريا. 
ولم تقتصر العقبات في وجه أوباما على موقف الكونغرس الشاجب والساعي الى مساءلته وإعلان دعمه وراء الأبواب المغلقة، والتنديد به أمام الملأ، ولا على غياب الدعم الأوروبي، بل حتى الحلفاء العرب ممن وجهوا الى إدارته النقد والاتهام بالضعف في سوريا، صاروا يتفادونه ويتحاشون الكلام معه. فقطع أوباما طريق رئيس الوفد السعودي إلى قمة الدول العشرين في سانت بطرسبرغ الروسية، في موقف سيارات، لمواجهته و”ليجبره على النظر الى عينيه”، على قول أوباما. 
لكن هل الضربة الأميركية في نيسان/أبريل الماضي، على قاعدة الشعيرات في حمص، والتي انطلقت منها انطلقت مقاتلات حربية سورية شنت هجوماً كيماوياً في خان شيخون بريف إدلب، هي قرينة على التعافي من عَرَض حرب العراق؟ أم بينة بائنة وحسب على معايير الجمهوريين المزدوجة؟ في الأحوال كلها، طي المجتمع الدولي مبدأ مسؤولية الحماية وتركه السوريين لمصيرهم هو مرآة تعاسة أقدار السوريين.

منال نحاس
المصدر: المدن