هل هي صحافة أم إعلام فقط؟.. الواقع الإعلامي في الرقة

تعرف مهنة الصحافة أنها السلطة الرابعة وصاحبة الجلالة في تقويم عمل السلطة، وترشيد بوصلة العمل للحاكمية ونقل الصورة الدقيقة من انعكاس حاجات ومتطلبات الشعب في المجتمعات.

ومنذ انطلاق الثورة السورية، كان التركيز على الإعلام والصورة ومقاطع الفيديو من قبل الدول، ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، فكان سيفاً ذو حدين على السوريين، حيث انتهج النظام السوري الحل القمعي للتعامل مع المتظاهرين السلميين، وكانت تشكيلات الأمن القومي الإلكتروني، تتخذ ذريعة وإثبات لكل من تم اعتقاله خلال الأعوام الأحد عشر من عمر الثورة.

بالمقابل استطاع ناشطوا الثورة، توثيق جرائم النظام من قتل وقصف واعتقال، بالإضافة لتوثيق الشهداء “سيزر” وما بعده “حفار القبور”، فخلال سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على مناطق عدة، ولاسيما إعلان الخلافة في دار عاصمتها الرقة، كانت الحرب الأولى ضد الإعلاميين والناشطين، راح ضحيتها العشرات منهم، بتهمة الخيانة لدماء المسلمين، وموالاة “التحالف الدولي” والنظام والجيش الحر وقسد، وهو ما سد ذرائع التنظيم من خلال إصدارات مرئية لإعدام الصحفيين والناشطين والإعلاميين، واتهمتهم باستباحة أرض الخلافة، والتسبب بمقتل العوام “المدنيين” بدعوى تصوير وجمع معلومات للطيران للدول الخارجية وباقي أطراف الصراع.

وبالعودة إلى الصحافة والإعلام في الرقة، ومنذ تحريرها من قبضة تنظيم “الدولة الإسلامية” تشرين الأول 2017، أولت قسد و”التحالف الدولي” اهتماماً في تعدد وفسح مجال لصناعة إعلام رسمي ومتقن، واكب حملتها العسكرية في جميع مناطق “الرقة ودير الزور والحسكة وريف حلب وعفرين، عبر المواقع الإلكترونية الصحفية، وتم منح تراخيص لعمل التلفزيونات والإذاعات العالمية، بالإضافة إلى مواقع المحلية التلفزيونية والإذاعية “راديو”، وافتتحت أكاديميات وبرامج لتدريب الهواة والمصورين والصحفيين المحليين.

بالمقابل وما بعد عملية” غصن الزيتون” في عفرين وريف حلب، وعملية “نبع السلام” في ريفي الرقة والحسكة، استثمرت جهات دولية الانفتاح الإعلامي في مناطق قسد، وجندت العديد من الناشطين والإعلاميين لصالح مواقع وأجهزة مخابرات تتبع لتركيا، تعتبرها قسد معادية تلفزيون سوريا، كـ “قناة أورينت” و”حلب اليوم”، التي نشرت مراراً وتكراراً تقارير مرئية وشهادات من السكان المحليين عن الواقع المعيشي المتردي والخدمات المنقوصة، وهو ما اعتبرته قسد انتهاكاً لمعايير العمل الإعلامي، وسدت به ذريعة الحرب الإعلامية تجاهها، فكانت حملة اعتقالات طالت العديد من الناشطين والإعلاميين، جاءت بدعوة التآمر على أمن البلد والتخابر مع أجهزة مخابرات تركية واستخبارات للنظام السوري.

وبحسب مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن مناطق سيطرة “قسد”، اهتمت بالمواقع الإلكترونية الممولة خارجياً بالعمالة، ودفعت مبالغ طائلة لقاء “صور وفيديوهات” من داخل أروقة المؤسسات الرسمية والعسكرية التابعة لقسد، بالإضافة لاستطلاعات الرأي من السكان المحليين تصف حال الشارع والنقص الذي يعانيه السكان.

بالمقابل، ووفقاً لنشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن أغلب المعتقلين من الناشطين، لم يكونوا صحفيين أو أصحاب مقالات رأي، وإنما إعلاميين يتقنون التصوير الفوتوغرافي والفيديو، وعملوا على إرسال تقارير مرئية معدة مسبقاً من تلك المواقع واستطاعوا فقط تصويرها وإرسالها لخدمة أجندات تلك القنوات التي تعتبر تركيا حاضنة لها، بعد تفاهمات مع علي مملوك رئيس الاستخبارات السورية الذي طالب تركيا بإغلاق مقراتها وطرد الناشطين والإعلاميين منها وتسليمهم للنظام.

وأشار نشطاء المرصد السوري، إلى أن بعد “عملية القسم” نهاية تموز الفائت 2022، فقد ضيقت الإدارة الذاتية عمل الصحفيين والإعلاميين خاصة في الرقة، بحيث يتطلب إجراء أي تحقيق أو تقرير مصور عدة موافقات وشروط، وأولها “إلزام التسجيل والانتساب لـ “اتحاد الإعلام الحر” الذي بدوره يحتاج الإعلامي لتقديم 10 مواد صحفية ومقالات ممهورة باسمه، بالإضافة لدراسة أمنية موافق عليها من الأجهزة الأمنية”، والخطوة التالية هي موافقة مكتب الإعلام التابع للإدارة الذاتية، والثالث هو موافقة العمل من قبل مكتب إعلام المجلس المدني بالرقة ومكتب إعلام الأمن الداخلي، بالإضافة لموافقات جزئية من لجان وهيئات الحوكمة والمؤسسات الرسمية.

وتجدر الإشارة، بأن ابتعاد أغلب المواقع الصحفية والإعلامية المرخصة عن صناعة مواد أو تقارير تمس الإدارة الذاتية والمجالس الرسمية، جاء بعد تعقيدات التي رسخها الإدارة الذاتية في مناطق سيطرته، وبات العمل الإعلامي مقتصر على رأي الشارع والتقارير الخدمية والإنسانية كونها الأسهل وبدون تعقيدات روتينية.