المرصد السوري لحقوق الانسان

هل يكون الأسد آخر صورة يلتقطها قيصر؟

دخل قانون قيصر حيز التنفيذ، وأقيم له احتفال إعلامي رسمي واسع، بوصفه بروتوكولا عقابيا قاسيا يُنتظر منه أن يُشكَّل أكبر أثر اقتصادي وسياسي على النظام في سورية.. أعطى الرئيسَ الأميركي السلطة التنفيذية لإنزال عقوباتٍ بأشخاص أو هيئاتٍ أو مؤسساتٍ يقدمون أي معونات، عسكرية أو ترتبط بالمجالات النفطية أو تخص أعمال إعادة الإعمار، بحيث تضمن أميركا أن يبقى هذا النظام تحت ضغط متزايد تدريجياً، بما يجبره على تغيير سلوكه، والدخول في مفاوضات حقيقية باتجاه حل سلمي .. تبدو نيات القانون صادقة، وتعكس كراهيةً أميركيّةً حقيقيةً للنظام السوري، فالقانون أقرّه الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، وبشبه إجماع، ما يعني أن أي رئيس قادم سيلتزم بنوده، وسيبقى النظام يئن تحت معاناته، ومن غير المنتظر في ظل هذا القانون أن تنفعه كل من روسيا وإيران، فالقانون يذكرُهما بالاسم، وقد تقع الدولتان بدورهما تحت عقوبات تجبرهما على توجيه النظام باتجاه حل سلمي أو تغيير في السلوك.
لكن مهما بلغت درجة الصدق فيها، قد لا تكون النيات كافية، فالقانون يحتوي على إجراءات تجاه البنك المركزي، والتحرّي عن ضلوعه في عمليات تبييض الأموال، ويُنتظر أن يكون هذا البند من أفدح ما يمكن أن يلحِق أضراراً بالنظام، فكل عملياته التي يقوم بها عبر البنك المركزي ستتوقف، لعزوف الأطراف الأخرى عن التعامل معه، خوفاً من العقوبات، وسيتم فصله عن النظام النقدي الدولي الذي يحكم البنوك المركزية، ولكن هذا البند، وهو الأول، ما زال معلقاً. ولم يقدّم وزير الخزانة الأميركي التقرير الذي يجب أن يقدّمه، بخصوص البنك المركزي السوري، بالإضافة إلى نظام العقوبات ذات النفس الطويل جداً، ما يعني أن القانون الحالي قد يعطي نتائج فعّالة، وقد يجدي، ولكن على المدى الطويل. وبالنظر إلى البند الأخير من القانون، فهو يحدّد فترة صلاحيته بخمس سنوات، وهذا يجعل القانون سلاحا من دون فعالية تامة، والمطلوب هو التحرّك ضد البنك المركزي السوري لشل (أو إضعاف) الحركة النقدية التي استطاعت خلال الفترة القصيرة السابقة “استرداد” رصيد من الدولارات، رمّمت به موقف الليرة السورية بعض الشيء، وقد يكون البنك المركزي ضالعاً في هذه العملية.
يراعي القانون وضع السكان الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام، فهو لا يفرض أي عقوباتٍ على توريد الدواء والأغذية، فيما لو قام بها تجّار غير مرتبطين بنظام الأسد، وهو ما سيجعل النظام مضطراً لإفساح المجال لمن لم تشملهم العقوبات، بممارسة هذه العملية، ما سيرخي من قبضته، ولو قليلاً، عن النشاط التجاري في الداخل، ولكن لن يكون هناك تنميةٌ بأي شكل مع وجود النظام بشكله الحالي، فلا مجال للتجارة في النفط أو الطائرات أو المجالين العسكري والتكنولوجي، وهذه الحقول التي يحتكرها النظام لنفسه، وهي قاعدته الأساسية لتمويل عملياته، وتمكين نفسه من البقاء في السلطة.
لا يعترف القانون بكل النشاط الدبلوماسي الذي رعته موسكو وعواصم تابعة لها بعيداً عن أعين الأمم المتحدة، وخارج إطار قرار مجلس الأمن رقم 2254. وبتمريرها هذا القانون، ترغب أميركا أن تدير الأمر بشروطها ووفق قوانينها، أو أن تؤخذ شروطها بالاعتبار، وذلك اعتماداً على تهديد هذا القانون كل من يدعم دمشق بشكل واضح.
يمكن لـ”قيصر” أن يكون فعَّالاً ضد النظام، بقدر ما تكون أميركا جادّة في تطبيقه، ابتداءً من بند البنك المركزي وتفعيله بمداه الأقصى، مع الاحتفاظ بوجود عسكري ملحوظ ومن دون تصريحاتٍ تشير إلى الانسحابات، فتطبيق القانون بوجود قوات عسكرية سيكون له وقع مختلف من قانون من دون أية مساندة، وهو الأمر الذي قد يساعد الحلفاء بقدر ما قد يرهب الخصوم، وخصوصاً روسيا التي ما زالت تبحث بقوة عن موطئ قدم لها في الشمال السوري.

 

 

 

 

الكاتبة:فاطمة ياسين – المصدر:العربي الجديد 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول