هل يمكن التفاؤل بإمتداد عاصفة الحزم إلى سوريا؟

أتت عاصفة الحزم بعد طلب من الرئيس الشرعي هادي، أي وبعبارة أخرى لا يحتاج الأمر لقرار من مجلس الأمن. فالتدخّل العسكري في سوريا إذاً ليس مستحيلاً، ولا يتطلّب أكثر من الإعتراف بالإئتلاف الوطني كممثّل شرعي للشعب السوري ثمّ أخذ تفويض التدخل منه، وهذا طبعاً بعد موافقة الأمريكيين.
ليست المرّة الأولى التي تتحرّك فيها السعودية لحماية محيطها الحيوي، فقد تدّخلت في البحرين عام 2011عبر قوات درع الجزيرة. ثمّ صبرت كثيراً على ما كان يجري في اليمن، حتى غلب اليقين بعدم جدّية تهديدات وزير خارجيتها خلال إستضافته لنظيره البريطاني مؤخّراً. ليأتي الإعلان عن بدء عاصفة الحزم من واشنطن ويسكت الجميع، فإقتصر الردّ الإيراني على العبارات الدبلوماسية، واستحقت روسيا لقب الرجل المريض؛ يسكتها الأمر الواقع، ولا تملك أكثر من قضم قطع صغيرة من الدول الخارجة من بيت طاعتها، وهو ما يكلّفها أكثر بكثير مما يعود عليها.
لن تستطيع إيران توفير التسليح اللازم لإستمرار سيطرة الحوثيين على مواقعهم، وذلك لأسباب لوجسيتية. كما لم تكن سندهم الرئيسي منذ البداية؛ الأمر الذي تكفّت به قوات الجيش اليمني الموالية للمخلوع علي عبد الله صالح، التي إنسحبت من معسكراتها تاركة عتادها لهم، ثمّ قاتلت وسيطرت على عدد من المدن تحت غطاء الحوثيين.
لم تتحرّك السعودية لحماية الشعب اليمني من إرهاب الحوثيين وصالح. بل تحرّكت لمنع تمدّد الحريق الفارسي ووصوله إلى مضاربها. أياً كانت النوايا فإنّ خطوتها تلك في محلّها، وستقطع أيدي إيران وتكبح جماحها في اليمن. لكن بإعلان السعوديين أنّ الحملة ستستمر حتى يتمّ ردع الحوثيين، وبأخذ الواقع اليمني بعين الإعتبار، إذ لم يعد فيه جيش وطني قادر على إستلام زمام الأمور. بل ربما يتطلّب تأسيس جيش جديد عدة سنوات، فإنّ الحملة بشكلها الحالي المقتصر فقط على الضربات الجوية دون تدخل بري، سوف يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل وقت قريب، أي حالة من تقاسم عدد من الفرقاء للسلطة والأدوار والدخول في حالة مشابهة للحالة اللبنانية وإستمرار المراوحة في وضعية ما قبل الدولة. وبالتالي الحصول على نتائج بعيدة عن أماني الشعب اليمني.
منذ البداية لم تكن طلبات السعودية تعجيزية، بل حذّرت فقط من التوجه إلى عدن ودعت إلى التفاوض، لم يصغِ الحوثيون وصالح الذي يريد اليمن كاملة غير منقوصة له ولعائلته، حتى لو كلّفه الأمر رهن اليمن لإيران، فلم يبق أمام السعودية إلا العمل العسكري.
على بعد آلاف الأميال يعاني الأمريكيون من الشيزوفرينيا، فيسمحون بقطع أيادي إيران في اليمن. في نفس الوقت الذي يطلقون أيديها في سوريا والعراق ويسلّمونها قيادة الحرب على داعش فيه.
تعثّرت عملية إقتحام مدينة تكريت وتوقفت لحوالي الشهر، بسبب توقف الإسناد الجوي. ثمّ إستؤنفت الضربات الجوية عليها بالتزامن مع بدء عاصفة الحزم، والذي أتى عقب تراجع مليشيات الحشد الشعبي وإستلام قيادة الجيش العراقي للعملية، وهذا ما إشترطه الأمريكيون لإستئناف الغارات ضدّ داعش، حسب قائد القيادة الوسطى للجيش الأمريكي. فهل حدث ذلك بالإتفاق مع عشائر سنية عراقية، خوفاً من تكرار جرائم مليشيات الحشد الشعبي، في مدينة تحمل رمزية كبيرة لدى سنّة العراق؟ أم كان توقفها ثمّ استمرارها بالإتفاق مع السعودية التي سمحت بإقتحام تلك المدينة السنّية بعد حصولها على موافقة بعمل عسكري في اليمن.
لا يدعو قرار تشكيل قوات عربية مشتركة للتفاؤل، وذلك بسبب طبيعة الأنظمة الحاكمة حالياً. فهل تستطيع هذه القوات التحرّك لحماية الشعب السوري من إرهاب نظام الأسد وإيران؟ وهل ستقوم بحماية سنّة العراق من إرهاب إيران ونظام العبادي الذي ورث كلّ ممارسات المالكي؟ وهل تستطيع التفكير بعمل شيء تجاه الإرهاب الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني؟ الذي يبقى الأكثر خبرة بما يسمى العمل العربي المشترك أو بالأحرى عمل الأنظمة العربية المشترك؛ وهو ما كلّف الأمة خسارة فلسطين بعد حرب 1948. على العكس ربما تكون هذه القوة نقمة، فلن تتحرّك على الأرجح إلا ضمن نطاق موضة محاربة الإرهاب القديمة الجديدة. وطبعاً يبقى تعريف هذا المصطلح فضفاضاً لأبعد الحدود؛ فقد تذرّع به أحد أزلام الحوثي لتبرير قصفهم للقصر الرئاسي في عدن. وهذا هو نفس منطق باقي الأنظمة العربية، التي تفصّل كلّ شيء على مقاسها. سيكون أول برهان على مصداقية القوات العربية المشتركة إستخدامها لعمل شيء في سوريا، فمن الناحية النظرية يمكن توسيع عاصفة الحزم لتشمل سوريا. الشعب العربي عاطفي بطبيعته، وفي هذا الظرف بالذات؛ حيث ينزف الملايين ويعانون من أشدّ درجات القهر، في وقت تملك بلادهم إمكانات إقتصادية وقدرات عسكرية هائلة، لكنّها لا تزال معطّلة. لذلك شعر الكثيرون بشيء إستثنائي إثر عاصفة الحزم التي تبدو خطوة نحو عمل عربي مشترك. لكن من قتل الآلاف في ميداني رابعة والنهضة، ويصمت عن قصة الموت المعلن التي يعيشها يومياً ملايين السوريين والعراقيين. لا يمكن أن يكون على قدر تلك المشاعر والأحلام. لا تتحرّك تلك الأنظمة إلا لحماية عروشها.
السعودية حصلت على ضوء أخضر أمريكي للتدخل في اليمن، كجائزة ترضية بعد التقارب الأمريكي الإيراني وقبل الإعلان عن إتفاقية حول البرنامج النووي الإيراني لكنّها لا تملك الكثير خارج اليمن.
الضربات الجوية غير ناجعة ما لم يرافقها تحرك عسكري على الأرض، يستعيد السيطرة على صنعاء وباقي المناطق التي إحتلّها الحوثيون وحليفهم صالح. وهذا ما قد تقوم به قوات موالية للرئيس هادي. ثمّ يعود الحوثيون إلى جبالهم، ويبقى مصير صالح غامضاً نوعاً ما. لن تحلّ كلّ مشاكل اليمن ويعود سعيداً، ما لم يحدث تدخل عسكري بري ينزع سلاح الحوثيين وأنصار صالح، ويحصر على الأقل الثقيل منه بيد الجيش، الأمر الذي يتطلّب تأسيس جيش وطني جديد وهذا ما يبدو بعيد المنال خلال المدى المنظور، لذلك قد يعاني اليمن من الفوضى لفترة ليست قليلة.

٭ كاتب سوري

بشار الجوباسي

القدس العربي