هولاند يريد ضم إيران إلى جهود السلام في سوريا

كعادته كل عام في نهايات شهر أغسطس (آب)، ألقى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خطابا شاملا أمام سفراء بلاده عبر العالم المجتمعين لأسبوع كامل في إطار «أسبوع السفراء»، تناول فيه القضايا الساخنة ودور الدبلوماسية الفرنسية بما يشكل «خريطة طريق» لسياسة فرنسا الخارجية.

وجديد هذا العام، هيمنة «قمة المناخ» التي تستعد باريس لاستضافتها في الأسبوعين الأولين من شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على المؤتمر الذي كرس كثيرا من جلساته للغوص في تحدياتها والمنتظر منها بحيث لا تتكرر الخيبة التي أفضت إليها قمة المناخ الأخيرة في كوبنهاغن التي التأمت في عام 2009.

بيد أن الخطاب لم يهمل حروب وأزمات الشرق الأوسط التي تناولها الرئيس الفرنسي، والتي جاء على رأسها الملف السوري. وذكر هولاند أنه في عام 2012، كان أول من نبه لخطورة الأزمة السورية وأول من اعترف بالمعارضة «ممثلا شرعيا» للشعب السوري. كذلك لم تفته الإشارة إلى أنه في عام 2013 وفي المناسبة نفسها أكد أن باريس «مستعدة لمعاقبة النظام السوري» لأنه استباح الخطوط الحمراء» واستخدم، «من غير أدنى شك» السلاح الكيماوي ضد شعبه. وإذ أسف الرئيس الفرنسي لـ«شلل» الأسرة الدولية، عد أن الثمن المترتب على ذلك جاء «باهظا»؛ من جهة برز «داعش»، ومن جهة أخرى واصل الأسد قتل شعبه. وبرأي هولاند، فإن المطلوب إزالة الإرهاب، ولكن من غير الإبقاء على الأسد لأن كليهما «متواطئ بشكل من الأشكال».

جديد الرئيس الفرنسي الذي شدد على الحاجة لعملية انتقال سياسي في سوريا، أنه طرح لتحقيقها ثلاثة شروط «واضحة»: الأول، «تحييد» الأسد، والثاني توفير ضمانات «صلبة» للمعارضة السورية المعتدلة وتحديدا السنة والأكراد والمحافظة على بنى الدولة ووحدة سوريا، والثالث الذي وصفه بـ«الشرط الحاسم» يتمثل في «ضم كل الأطراف المعنية إلى الحل» مسميا منها دول الخليج وإيران وتركيا التي دعاها إلى «الانخراط في الحرب ضد (داعش) ومعاودة الحوار مع الأكراد». وحث هولاند الأسرة الدولية على أن «تعي» خطر الإرهاب الذي يهدد كل بلدان المنطقة والعالم. وخلاصته أن تسوية الأزمة السورية «تتطلب مساهمة الجميع، وفرنسا مستعدة لتحمل مسؤولياتها» التي منها الاستمرار في توفير الدعم للمعارضة السورية المعتدلة والمشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق.

ودانت وزارة الخارجية السورية تصريحات الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، التي طالب فيها بتحييد الرئيس بشار الأسد من العملية السياسية في سوريا. وقالت الخارجية السورية أمس في بيان: «تدين سوريا بشدة المواقف التي عبر عنها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اليوم بخصوص الأوضاع الراهنة في سوريا والتي تمثل تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية».

ونقلت وكالة «سانا» السورية عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تأكيده أن تصريحات هولاند الذي وصفه بالرئيس الأقل شعبية في تاريخ فرنسا، «هي وليدة عقلية استعمارية تستبيح لنفسها مصادرة قرار الشعوب والتحكم في خياراتها بما يخدم مصالحها المادية».

في هذا المشهد المكفهر، يلحظ هولاند عنصرين إيجابيين: الأول، يكمن في «التحول» في السياسة الروسية التي ساهمت إيجابيا في صدور القرار الدولي الخاص بسوريا في الفترة الأخيرة، والثاني في ما يتوقعه من «دور إيجابي» لإيران في تسوية المشكلات الإقليمية الملتهبة وعلى رأسها الحرب في سوريا. وقال هولاند: «ثمة إمكانية لإقامة علاقة جديدة مع إيران، وهي تثير الكثير من الأمل الذي لا يتعين أن يتحول إلى أوهام، ولذا علينا أن نستفيد منها في علاقاتنا الثنائية، ولكن أيضا لضم إيران في عملية إيجاد حلول للأزمات التي تعصف بالمنطقة». وأشار هولاند إلى أنه دعا الرئيس حسن روحاني إلى التحول إلى «لاعب بناء». علما بأنه سيلتقيه مجددا على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أنه دعاه لزيارة باريس رسميا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

بيد أن عددا من الدبلوماسيين يبدو «أكثر حذرا» في النظر إلى الدور الإيراني لما بعد الاتفاق النووي. وقال دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى إن توقيع الاتفاق «لا يعني بالضرورة أنه ستكون له مفاعيل ميكانيكية إيجابية على السياسة الإيرانية الإقليمية». لذا، دعت هذه المصادر التي ترى أنه يتعين «ضم إيران إلى البحث عن حلول لأزمات المنطقة» إلى التحلي بـ«الصبر والحذر» ومراقبة ما ستفعله إيران بأموالها التي سيتم الإفراج عنها والتي تقدر بما يتراوح بين 100 و150 مليار دولار وهل ستستخدمها في استنهاض الاقتصاد أم في «تغذية سياساتها القديمة في المنطقة». وأضافت هذه المصادر أن هناك سؤالين يجب أن يطرحا اليوم: الأول، يتناول كيفية إعادة التوازن الإقليمي إلى منطقة الخليج بعد ما تعتبره طهران «انتصارا» لها في الملف النووي، والثاني معرفة ما إذا كان الانفتاح الإيراني الجديد سيكون فقط اقتصاديا وتجاريا واستثماريا أم سيكون كذلك اجتماعيا وسياسيا.

أفرد هولاند في خطابة حيزا واسعا لملف الإرهاب الذي وضع له عنوانا هو «داعش». وبرأيه، فإن «داعش» يمثل «الخطر الأكبر» بما في ذلك لفرنسا التي تجد أن أمنها الداخلي «مهدد» بسبب «التيار الأصولي الجهادي» وبسبب من سماهم «المقاتلين الأجانب» مذكرا بمقتلتي شهر يناير (كانون الثاني) الماضي وبحادثة القطار السريع «تاليس» في رحلته بين أمستردام وباريس.

وإذ اعتبر هولاند أن التهديد الإرهابي «لم يكن أبدا بهذه الهمجية والخطورة منذ عقود»، نبه مواطنيه إلى أنه يتعين على فرنسا أن «تتهيأ» لمواجهة هجمات إرهابية جديدة وأن تستعد لحماية نفسها منها.

أما العنوان الثاني للإرهاب فهو «بوكو حرام» التي تضرب في نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر. وإذ رأى هولاند أن استخدام القوة ضد الإرهاب «ضرورة»، عبر عن استعداد باريس لاستضافة قمة أفريقية لتنسيق الجهود والعمل المشترك لمحاربة «بوكو حرام» التي أوقعت أعمالها الإرهابية 10 آلاف قتيل منذ بداية العام الحالي و14 ألف قتيل العام الماضي.

و«داعش» هي أيضا الخطر الأكبر في العراق كما في سوريا. وأول ضحاياها في سوريا والعراق والكويت وليبيا «هم المسلمون، ولكن (داعش) يضطهد الأقليات بشكل منهجي»، الأمر الذي تريد باريس قرع ناقوس الخطر بشأنه من خلال تنظيم مؤتمر حول مسيحيي المشرق والضحايا الدينيين والإثنيين في الثامن من الشهر المقبل، وهو استكمال لاجتماع مجلس الأمن الدولي الذي عقد في يونيو (حزيران) الماضي والذي خصص لهذا الملف.

بيد أن الرئيس الفرنسي الذي عبر مجددا عن دعم بلاده لرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي وللإصلاحات التي يعتزم تنفيذها من أجل «تقوية المؤسسات العراقية والمحافظة على وحدة بلاده ولم شمل مكوناتها»، نبه إلى أن فرنسا لا تستطيع الاستمرار في المساهمة في المجهود العسكري «إن لم تكن مطمئنة للأهداف (المرجوة) وللوسائل (المتوفرة)»، مقيما المقارنة بين العراق وليبيا؛ حيث جدد دعم بلاده لجهود المبعوث الدولي برناردينو ليون من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة بدعم دولي على «عزل المجموعات المتطرفة خصوصا في الجنوب»، وتوفير الأمن ومحاربة التهريب والسيطرة على الحدود لمنع الهجرات المتدفقة عبرها باتجاه أوروبا. وتناول هولاند سريعا علاقة بلاده بالمملكة العربية السعودية وبدول الخليج، التي وصفها بـ«العلاقة المتميزة بالثقة الكبيرة» الأمر الذي تعكسه دعوته ضيف شرف خلال قمة مجلس التعاون الأخيرة في الرياض.

أما بالنسبة لمصر، فقد أكد «خيار» باريس باعتبار القاهرة «لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط واستقراره أساسي»، مضيفا أنها «تنتظر الكثير» من فرنسا كما تبين له ذلك من خلال مشاركته ضيفا في احتفال تدشين المجرى الجديد لقناة السويس. ولم ينس هولاند النزاع الفلسطيني الإسرائيلي؛ حيث رأى أن استمرار الوضع الراهن على حاله «ليس فقط لا يطاق؛ بل إنه خطير». لذا، فإن فرنسا، كما أكد، تنشط للمحافظة على «مساحة» للبحث عن فرص السلام. من هنا، الاقتراح الخاص بتشكيل «مجموعة دعم» من الرباعية الدولية والدول العربية ومن يرغب من الدول الأوروبية. ولم يشر الرئيس الفرنسي إلا من بعيد إلى ما سبق أن أعلنته باريس من عزمها على تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى استئناف محادثات السلام ويعين محدداته والفترة الزمنية التي يتعين أن يجري خلالها. لكن يبدو أن المعارضة الإسرائيلية الجذرية والفتور الأميركي خفضا حماسة الدبلوماسية الفرنسية.

كان لا بد لخطاب شامل من أن يتناول موضوع الهجرات، خصوصا على ضوء المآسي التي يشهدها البحر الأبيض المتوسط، والصعوبات التي تعاني منها البلدان الأوروبية في استيعاب الموجات المتلاحقة من المهاجرين غير الشرعيين التي وصفها هولاند بأنها «الأكبر» منذ عام 1945. لكنه لم يتناس أن لبنان والأردن وتركيا تتحمل عبء خمسة ملايين لاجئ، فيما وصل إلى أوروبا في الأشهر المنقضية من العام الحالي 350 ألف لاجئ. وأبعد من ذلك، رأى هولاند أن هذا الوضع الاستثنائي «سيستمر»، ولذا، فإنه يتعين على أوروبا أن تبلور خطط كفيلة بمواجهة التحدي، عارضا بعض الأفكار التي تداول بشأنها مع المستشارة ألمانية أنجيلا ميركل والتي سيتم بحثها خلال قمة أوروبية مقبلة.

 

المصدر : الشرق الاوسط