المرصد السوري لحقوق الانسان

والفأر يجري في دولابه السوري

بدا الأمر وكأنه ردة فعل حانقة من النائب وعضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشة، فقد حاصره السائل من صحيفة اعتماد الحكومية حيال مصاريفه، حين كان رئيسًا للجنة (أقصي عنها في يونيو/ حزيران في العام الماضي) فاندفع في إجابته قائلا: “عندما زرت سورية، قال بعض الناس إنني كلفت الميزانية، ولكنني أكرّر مرة أخرى، لقد منحنا سورية 20 إلى 30 مليار دولار، وعلينا استعادتها، لأن هذه الأموال التي صرفت هناك تعود للشعب الإيراني”!
يوجه النائب فلاحت بيشة، في إجابته، الأمور باتجاه السلامة أمام جمهور القرّاء، فمهما كانت مصاريفه، فإنها ستكون مقيدة على قائمة المصاريف الإيرانية في دعم سورية، وعلى وجهٍ أدق دعم النظام! فصُورُ لقائه مع بشار الأسد، والتي ظهرا فيها كصديقين، لا تعني أن هذا الأخير أهم لديه من مصالح بلاده، وهذه المصاريف التي قدّرها بطريقة “التشليف” لا بد سيستعيدها الإيرانيون الحانقون من هدر حكومتهم الأموال خارج حدود بلادهم.
تفسير الواقعة بهذا الشكل يبدو أقرب إلى المنطق، خصوصا وأن تلقي إعلانه هذا المبلغ عربيًا وسوريًا أيضًا، عبر التضخيم والمبالغة في السياق والخلفيات إعلاميًا، جعل الجمهور يظنُ أن الإيرانيين يستعجلون استعادة أموالهم من بشار الأسد خشية سقوطه القريب. ولكن فعليًا لا يبدو أن داعمي الأسد يستعجلون عليه إعادة ما أنفقوه على حماية نظامه، ولا هم في وارد مطالبته برد الجمائل، طالما أن بقاءه في منصبه، هو الهدية الكبرى التي يحلم بها أي من هؤلاء، بعد أن تقاسموا جميعًا خيرات البلاد والنفوذ فيها، فروسيا توقع عقودها مع حكومة النظام ضمن صيغة زمنية لا تقل عن 49 سنة، حيث ستستثمر شركاتها في نفط وغاز الساحل (قيد التنقيب)، كما استولت على ميناء طرطوس وطردت عماله السوريين! وكذلك وضعت ثقلها في مناجم الفوسفات، وغير ذلك الكثير، مما يتضمنه توقيع الرئيس بوتين مرسومًا يقضي بإجراء وزارتي الدفاع والخارجية الروسيتين مفاوضات مع دمشق للحصول على منشآت ومواقع برية ومائية إضافية، بهدف توسيع القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سورية.
وإيران كما روسيا حصلت على عقود كبيرة مع النظام في القطاعات، الزراعي والصناعي والتجاري، وهي تخطط لسكة حديدية تربطها مع الساحل السوري مرورًا بالعراق، كما أن حكومة النظام أعلنت قبل فترة وجيزة، وللمرة الأولى، عن تعاقدها مع إيران لاستكشاف النفط من موقع (البلوك رقم 12) في منطقة البوكمال شرقي دير الزور، إضافة إلى تعاقدات سابقة، أتاحت لها الدخول إلى حقول الغاز ومناجم الفوسفات.
فالسوريون، وبحسب المساعد الخاص للمرشد الإيراني في الشؤون العسكرية والقائد الأسبق للحرس الثوري، يحيى رحيم صفوي، “مستعدون لسداد ديونهم من خلال مناجم النفط والغاز  

والفوسفات السورية”. ويحتاج هذا الاستثمار عقودًا، كي يكون ذا جدوى فعلية للدائنين.
إذًا، لا يبدو أن ثمة جديدًا لا في تصريح حشمت الله فلاحت بيشة، ولا في المرسوم الروسي الجديد، ولكن بؤرة الإثارة تتأتى من توقيتهما، فهما عاديان في سياقيهما، الإيراني والروسي، غريبان في سياقهما السوري، فقد جاءا على هامش تأويلات مقالات صحافية روسية، زعمت أن روسيا منزعجة من الأسد وفساد نظامه، فذهبت بعيدًا صوب تمنيات بقرب رحيله. وسبق هذا كله حديث إسرائيلي عن انسحاب قوات تابعة للحرس الثوري والمليشيات الأفغانية والعراقية من مواقعها في سورية، تبين لاحقًا أنها عمليات إعادة انتشار. وأيضًا بالتوازي مع معركة قرينة الأسد، أسماء الأخرس، وآل مخلوف، والتي تستخدم فيها مؤسسات الدولة لصالح الأولى، في مواجهة عائلة خال الرئيس التي استولت خلال عقود سابقة على كتل كبيرة في اقتصاديات البلد.
على هامش هذا كله، تسقط التصريحات الإيرانية والروسية العابرة على المؤيدين والمعارضين بدويّ كبير يجعلهم يترنحون، فالأوائل يتلمسون رؤوسهم، بينما يهلل الآخرون لقرب شد الحبل على عنق النظام الذي قتل العباد وهدم البلاد، ولكن مفاتيح خواتيم الأمور لا يملكها صحافيون ينقلون الأخبار من هنا وهناك، بل هي في يد من جعلوا الاستثمار في الخراب السوري خيارًا استراتيجيًا.
وضمن هذا السياق، تؤكد التقارير الصحافية الجديدة عن الروس التزامهم بالقضية السورية، ما يعني استمرار دعمهم النظام، ووقوفهم بعيدًا عن الصراع “العائلي” الدائر في دمشق، فمشروع روسيا في الشرق الأوسط، وتدخلها في سورية، وبحسب تصريحات نقلتها صحيفة العربي الجديد: “أكبر بكثير من مجرّد ربح بضعة مليارات من الدولارات، فهذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية للأمن القومي الروسي ودور موسكو العالمي”.
ولكن لماذا لا يخلو مشهد هذا الاطمئنان الروسي، ومعه الإيراني، لمستقبل استثماراتهم الدموية في سورية، من تصريح يتلوه تصريح آخر مقلق للأسد وجماعته بين الفينة والأخرى؟ الجواب هنا يمكن توزيعه وفق مسارين: الأول استخدام مثل هذه التصريحات ضمن عملية “المبارزة” على المصالح والثروات في سورية، فحينما يتلكأ الأسد في أمرٍ ما، يتم قذف التهديدات المبطنة، ولكن الأسد لا يتلكأ فعليًا، بل هو يقوم بدوره في البيع والشراء، ولهذا لا يبدو أن تصريحاتٍ عابرة ستخيفه، طالما أنه على استعدادٍ لأن يبيع أي شيء، ولأي كان ليشتري البقاء والاستمرار.
أما المسار الثاني، وهو ناتج عن الأول، فهو تكريس للاحتقار المضمر الذي يكنه هؤلاء له، فهم يريدون له أن يبقى في قلقه، طالما هو مستعدٌّ لبيع كل شيء، إذ إنه بالنسبة لهم لم يعد سوى فأر تجارب مخبري، يقومون بقياس التزامه بمصالحهم عبر تطبيق سياستهم عليه، وحين يريدونه ألا يرتاح، يضعونه في الدولاب، كي يجري إلى ما لا نهاية!

 

 

 

 

 

الكاتب:علي سفر – المصدر:العربي الجديد 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول