وحدهم العرب غير مستفيدين من وجود «داعش»

250221501_2014623_35128

تتردد تبريرات عجيبة غريبة عن هوية تنظيم «داعش»، وبالأخص عن منحه فسحة زمنية طويلة ليجمع صفوفه ويستمر حتى الآن في استقطاب مزيد من المتطوّعين لـ «الجهاد». واللافت في تفسير الظاهرة أن الكلّ يتهم الكلّ، فهل يفيد ذلك بأنهم متورّطون جميعاً بلا استثناء، وأن كل طرف يشير الى الطرف الذي يعاديه أو يزعجه، أو الجهة التي يرى مصلحةً في توجيه الأنظار اليها وإدانتها.

 

 

سبق للنظام السوري أن سمّى دولاً اقليمية ترعى الارهاب وتموّله، وبالتالي تعكّر صفو بقائه وسلاسة جرائمه، لكنه صمت دائماً كلما بيّنت الوقائع أنه نسّق قتالياً مع «داعش» وفضّل وجوده في مناطق لا يريدها في يد «الجيش الحرّ»، ولم تُسَجَّل معارك بين النظام و «داعش» إلا في الآونة الأخيرة. يعتقد نظام دمشق ان ربط أزمته بالأزمة العراقية يناسبه لأن «محاربة الارهاب» أصبحت عنوان الاستحقاق الاقليمي الداهم، وهو ما دعا اليه منذ بدايات أزمته قبل نحو أربعة أعوام. وطالما أن هذه المعركة تدوّلت سريعاً، فهي عند نظام بشار الاسد مفتاح اعادة تأهيله ليكون شريكاً فيها، إلا أن الغباء السياسي المتعمَّد يدفعه الى التعامي عما حصل فعلاً في العراق وعن الشروط السياسية التي وضعتها القوى الدولية للتدخّل، وعلى رأسها أن تكون هناك دولة ذات شرعية وحكومة جامعة وحل سياسي حقيقي.

 

 

أما ايران وتوابعها، حلفاء دمشق، فهم بدورهم لم يقاتلوا «داعش» في سورية بل تعاملوا معه كـ «رافد» لهم في معارك انقاذ نظام الاسد، قاتلوا المعارضة السورية لكنهم ركّزوا خطابهم ودعايتهم على «التكفيريين»، اذ أرادوا استثمار حربهم هذه لإيجاد مسوّغ لتمدّد النفوذ الايراني على المشرق والخليج العربيين وتظهير وظيفته بأنه في خدمة محاربة «الارهاب السنّي». كان يُفترَض أن يساهم الحدث العراقي في تأكيد هذه الوظيفة وفي ترغيب العالم بـ «شرائها» وتفعيلها، إلا أن الدول الكبرى المعنيّة كانت تراقب الوضع في العراق واستنتجت باكراً أنه لم يكن هناك جهد ايراني لإضعاف «داعش»، بل تداخل مصالح بين الطرفين، كما أن الادارة الايرانية للأزمة العراقية كانت على العكس تضغط لتأجيج البؤرة الارهابية ولتصنيع مفتعل لـ «البيئة الحاضنة» له.

 

 

وبالنظر الى تطوّر الأحداث الأخيرة في العراق، وتوجّه المجتمع الدولي الى الاعتماد على اقليم كردستان وقوات البشمركة لمواجهة التوسّع «الداعشي»، انعطفت الدعاية الايرانية الى دمج «التكفيريين» في «مؤامرة صهيونية» و «مؤامرة اميركية». واعتبر الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله أن الولايات المتحدة «تغاضت» عن تنظيم «داعش» وسهّلت حركته «لتستفيد منه». قد يكون هذا الاتهام صحيحاً، إلا أنه يعكس خصوصاً استياء ايران من النهج الاميركي الراهن في العراق، ثم أنه اتهامٌ ينطبق على كثيرين، بمن فيهم ايران وأميركا، فلائحة المتغاضين والمسهّلين طويلة جداً، لذلك يتكرّر تعريف «داعش» بأنه «كيان استخباري» نشأ وكبر بفضل المستفيدين منه. لكن نصرالله (وإيران) يتناسى بل يتغاضى بدوره عن التغاضي الاميركي عن دور حزبه وخصوصاً دور ايران في سورية، فالمنطق نفسه يشي بأن اميركا (وإسرائيل) استفادت منهما أيضاً.

 

 

في القاهرة كما في الرياض تتقاطع المخاوف مع دعوات ملحّة الى تعاون أو تحالف أو مؤتمر دولي لمواجهة الارهاب بأشكاله الجديدة، ولا شك في أن عدم الاستجابة دولياً – بالأحرى اميركياً – يكثّف الهواجس العربية، فالمسألة لا تتعلّق فقط بالقضاء على تنظيم «داعش» بل بما هو أكبر وأخطر، أي بما هو مراد في نهاية المطاف من مساهمة أطراف كثيرة في التضخيم المنهجي لهذا الكيان الارهابي، ومن الاستخدامات المشتبه بها للتنظيم سواء لتغيير الخرائط أو لتمزيق النسيج الاجتماعي للمناطق التي يمارس فيها همجيته. من السهل الحديث عن «مؤامرة»، لأن هذا الكمّ من اللاعبين الظاهرين والخفيين يوحي بها، ولأن السعي الثابت الى جعل سورية والعراق بؤرة لتجميع الارهابيين وحصر خطرهم في المنطقة يحقق رغبة غربية سبق أن أبديت في سياق «الحرب على الارهاب». كل ذلك لا يكفي لاختزال الأمر بنظرية المؤامرة، ولا شيء غيرها، فالمعطيات التي نجمت عن الغزو الاميركي للعراق، وعن التغلغل الايراني والاستحواذ على العراق، وعن تداعيات انتفاضات «الربيع العربي» التي زعزعت تماسك الدول… أوجدت وضعاً مفتوحاً على كل أنواع التلاعب والاستغلال، وقد برز «داعش» في هذا السياق لا لدفع التحوّلات العربية نحو الفوضى فحسب بل بالأخص لتأمين تغطية (بعلمه أو من دونه) للأدوار الأخرى. وإذ يُطرح السؤال: من المستفيد من «داعش» وجرائمه؟ فالجواب الوحيد المؤكد سلبي، وهو: ليس العرب.

 

 

وفي أنقرة قلق من توسّع «داعش» وحسابات قريبة وبعيدة المدى لما يمكن أن تذهب اليه الحرب المتجدّدة على الارهاب وللأدوار التي ترتسم أمام تركيا. فبالنسبة اليها، كما لأطراف دولية اخرى، لم تعد قضية سورية مهمّة في حد ذاتها، ولا قضية العراق، فالبلدان سقطا في أزمتيهما وأصبحا مجرد مسرح للقضية التي تشغل المجتمع الدولي، أي محاربة الارهاب: في العراق أولاً ريثما تترتّب الظروف لاستكمال محاربته في سورية أيضاً. كانت تركيا تعرضت لاتهامات مسندة بأنها سهّلت مرور أعداد كبيرة ممن أصبحوا بعدئذ في صفوف «داعش» أو «جبهة النصرة»، لكنها تتطلّع الى المشاركة في ضرب الارهاب في سورية عندما يحين وقته. وإذ تحاول استشراف «ما بعد» هذه الحرب، فإنها لا تخفي نقداً «مؤامرتياً» للنيات الاميركية والبريطانية والاسرائيلية وحتى الالمانية. ليس معروفاً المدى الزمني لهذه الحرب، لكن أنقرة تتوقع أن تسفر في نهايتها عن «سايكس – بيكو» بإسم آخر تعتمد فيه الدول الكبرى على القوّتين الحاضرتين (تركيا وايران)، أما اسرائيل فيرى الاتراك أنه كانت لديها فرصة للقيام بدور اقليمي في المستقبل، إلا أنها بدّدتها وخسرتها.

 

 

على رغم أن قرار مجلس الأمن يظهر إدراكاً دولياً شاملاً لمختلف جوانب الملف الذي يطرحه الارهاب «الداعشي»، ويحاول الإيحاء بأن المجتمع الدولي بات أكثر جديةً وتصميماً على مواجهة هذا التنظيم، إلا أن التوجّهات الاميركية، والى حدٍّ ما الاوروبية، لا تعكس رغبة في تصوّر شامل أو في جهد واسع مشترك. صحيح أن استناد القرار الى البند السابع قد يشكّل بداية تحرك دولي إلا أنه: 1) ظلّ أقل بكثير من المطلوب بالمقارنة مع الفظاعات التي ارتكبها «داعش» ولن يثنيه أي رادع عن المتابعة، 2) استخدم سلاح العقوبات تجاه تنظيم متفلّت من كل النظم والأساليب التقليدية، 3) استند الى القرارات السابقة التي خيضت ضد الارهاب، إلا أنه لم يدعُ الى بلورة تحالف دولي جديد، لكن الأهم أنه 4) يتعامل مع الشأن «الداعشي» كأنه جاء من فراغ، فلم يتضمّن اي اشارة الى خلفيات الحدث ومسؤولية الأطراف الاقليمية والدولية (أو مسؤولية النظامين السوري والعراقي) وفشل الادارة السياسية والأمنية والديبلوماسية وتهوّراتها في تعقيد الأزمتين…

 

 

لذلك تعمّ الشكوك والارتيابات عربياً حيال الموقف الدولي عموماً والاميركي خصوصاً. فالضربات الجوية تبقى محدودة الفاعلية في تغيير الأمر الواقع الذي خلقه «داعش» في أقل من شهرين. أما تسليح اقليم كردستان فيُعزى طبعاً الى أن القوى الدولية لم تجد طرفاً آخر يُوثق به ويُعتمد عليه، لكنه لا يشكّل بديلاً من جيش «الدولة» العراقية ولا يحمل أي ملامح حلّ للمأزق البنيوي والمهني الذي سقط فيه هذا الجيش (معطوفاً طبعاً على مأزق الجيش السوري). ومن الواضح أن الخطط الدولية الراهنة تتعلق بالعراق وتستخدم «شرعية» حكومته، لكنها لا تتوقع نتائج حاسمة قبل مرور سنة على الأقل، مع افتراض أن الظروف السياسية في بغداد ستتحسّن من خلال حكومة جديدة تعطي دفعاً معنوياً و «وطنياً» للحملة على الارهاب. في هذه الحال، يتوقّع انكفاء «داعشي» باتجاه سورية، فكيف يمكن تصوّر حرب على الارهاب في هذا البلد من دون أفق سياسي؟

عبدالوهاب بدرخان