وعود جون بولتون المستحيلة

29

يبدو أن الانتقادات «الإسرائيلية» المريرة لقرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب المفاجئ من سوريا، قد وصلت إلى أسماع الرئيس وأركان إدارته، أقوى مما وصلت تحفظات وزير الدفاع الأمريكي المستقيل جيمس ماتيس والتي كانت تعكس تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية ورفضها لهذا القرار، سواء بالنسبة للتراجع عن أسباب البقاء في سوريا التي كان قد أعلنها الرئيس الأمريكي نفسه أو قياداته العسكرية أو حتى مبعوثه إلى سوريا جيمس جيفري، وبالذات الربط بين بقاء القوات الأمريكية ببقاء إيران، ورهن الانسحاب الأمريكي بالانسحاب الإيراني، إضافة إلى هزيمة «داعش»، أو بالنسبة لضرورة احترام الحلفاء، وكان المقصود هنا هو الحلفاء الأكراد السوريين وميليشياتهم التي تقاتل «داعش» بأسلحتهم في منطقة شرق نهر الفرات؛ حيث يتركز الوجود والنفوذ الأمريكي، وهي المنطقة الموازية للحدود مع العراق والتي تشكل فاصلاً جغرافياً بين العراق وسوريا، وتمنع إيران من التمدد إلى سوريا عبر الأراضي العراقية.
صدمة «الإسرائيليين» من قرار الانسحاب الأمريكي لم تكن أقل من صدمة الأكراد الذين تركهم الأمريكيون «عرايا» في الصحراء بين خيارين مريرين: إما الصدام العسكري مع القوات التركية المتحفزة للقضاء عليهم، وهو صدام نتيجته محسومة مقدماً، وإما الاستسلام للنظام السوري والعودة مجدداً إلى أكناف الدولة السورية، وهي نفس النتيجة أي خسارة حلم الاستقلال الكردي. وعى «الإسرائيليون» هذا المصير المؤلم للقرارات الأمريكية المنفردة دون حساب لمصالح الحلفاء، وعبَّر عن هذا المعنى ببلاغة شديدة الكاتب «الإسرائيلي» في صحيفة «إسرائيل اليوم» إيال زيسر في مقاله الذي خصصه للتداعيات المحتملة للانسحاب الأمريكي من سوريا. 
كان زيسر يتحدث عن الأكراد، وفي عمق تفكيره «إسرائيل» ومخاوفها التي وصلت إلى حد الرعب من ذلك القرار الأمريكي الذي اعتبرته، للوهلة الأولى، «تراجعاً أمريكياً غير محسوب عن قرار المواجهة مع إيران وترك «إسرائيل» وحيدة في هذه المواجهة». ومن هنا جاء تعليق إيال زيسر، وهو يتحدث عن الميليشيات الكردية التي درّبتها وسلّحتها واشنطن للقتال ضد «داعش»، ثم تركتها من دون سابق إنذار «معلّقة في الهواء دون حليف»، فقال: «لقد استعملهم الأمريكيون وألقوا بهم». وزاد على ذلك بالقول الأهم الذي تمتد آثاره مباشرة إلى «إسرائيل»: «القوة العظمى تستخدم حلفاءها عندما تخدم الأمور مصالحها، ولكنها في الغالب تتركهم لمصيرهم عندما لا تكون هناك حاجة إليهم».
تغيّر الموقف الأمريكي تماماً في غضون أيام قليلة، إما كرد فعل لهذا الاستخلاص «الإسرائيلي» المرير، وإما لما سمعه الرئيس الأمريكي من تقديرات وتقييمات للموقف العسكري الأمريكي في العراق وسوريا من القادة الأمريكيين الميدانيين ومحادثاته مع الجنرال «بول لاكاميرا» قائد العملية العسكرية الأمريكية ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في العراق، ناهيك عن تلمس ترامب، عن قرب، لمدى خطورة الأوضاع في العراق وسوريا.
بعد هذه الزيارة السريّة التي قام بها الرئيس ترامب للعراق، تغيّر الموقف الأمريكي كثيراً، وقرّر أن يكون الانسحاب من سوريا بطيئاً وبدلاً من 30 يوماً جرى تمديدها إلى أربعة أشهر، والأهم هو إيفاده مستشاره للأمن القومي جون بولتون إلى المنطقة في جولة زار خلالها «إسرائيل» وتركيا، بهدف «طمأنة الحلفاء»، أي «إسرائيل» والميليشيات الكردية.
معالم هذا التحرك الأمريكي عبّر عنه بولتون بقوله، وهو في طريقه إلى «إسرائيل»: إن الولايات المتحدة «ستجعل انسحابها من سوريا مرهوناً بتطمينات تركية بشأن سلامة الأكراد، وإنها ترغب في حماية القوات الأمريكية أثناء الانسحاب»، وأكد أن الولايات المتحدة لا تريد أن تتحرّك تركيا في سوريا إلا بتنسيق مع واشنطن، وهذا يعني حدوث تراجع أمريكي كامل عن «التفويض» السابق أو «التوكيل» الذي أعطاه الرئيس الأمريكي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإكمال مهمة القضاء على «الإرهاب». 
وعندما وصل بولتون إلى «إسرائيل» والتقى بنيامين نتنياهو حدد ثلاثة التزامات أمريكية جديدة، تعبّر عن جوهر مراجعة واشنطن لقرار انسحابها من سوريا وهي: «ضمان أمن «إسرائيل»، ومنع إيران من امتلاك وجود ونفوذ في سوريا يهدد الأمن والمصالح «الإسرائيلية»، وحماية الأكراد، والقضاء على الإرهاب».
التزامات يبدو أن الولايات المتحدة لن تقدر على الوفاء بها، فمطالبها الجديدة من تركيا رفضها أردوغان، ما سيدفع بتركيا لتفاهمات مع روسيا وإيران، وربما مع النظام السوري، ومن ثم ستكون في غنى عن التنسيق مع الولايات المتحدة، وعندها لن تستطيع واشنطن أن تقدّم شيئاً للأكراد الذين سيكون عليهم في نهاية المطاف العودة للدولة السورية وإلقاء السلاح، بتفاهمات مع تركيا أو مع تركيا وسوريا. 
أما وعود ترامب ل «إسرائيل» بخصوص إيران، فهي وعود يدرك نتنياهو أنها غير ممكنة في ظل الانسحاب الأمريكي من سوريا، ومن هنا كانت مفاجأته لجون بولتون أنه «يريد الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان»، وهنا سيكون التحدي الأمريكي الكبير، لأن الرفض لن يكون سورياً أو إيرانياً أو حتى تركياً فقط، بل سيكون بالأساس عربياً في ظل توجّه عربي جديد بالعودة إلى سوريا أو استعادة سوريا

د. محمد السعيد إدريس
المصدر: الخليج