وقف النار في سورية يواجه تحديات

في مقابلة أجريت معه أخيراً، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد نيته استعادة كل سورية عسكرياً. أثار هذا الإعلان ما فسر كتوبيخ علني من قبل موسكو، جاء في شكل تصريحات مبعوثها إلى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين. فقال تشوركين في مقابلة مع صحيفة روسية إن بيان الأسد «يتناقض بوضوح مع الجهود الديبلوماسية الروسية»، وأنه «إذا كانت الحكومة السورية… تتبع القيادة الروسية في هذه الأزمة، سيكون لديها فرصة للخروج من الأزمة بكرامة. أما إذا ابتعدت عن هذا المسار… فسيكون هناك وضع صعب من شأنه أن يشملها أيضاً».

قد فسرت كلمات الأسد وتشوركين كمؤشر على وجود صدع في التحالف الروسي السوري. لكن رد تشوركين ليس تأكيداً للشقاق بين موسكو ودمشق. وإنما هو تأكيد تشامخ روسيا على النظام السوري. وبعبارة أخرى، فإنه يضع الأسد في مكانه.

ليست هذه هي المرة الأولى التي سعت فيها روسيا علناً لوضع نفسها في موقف متفوق على الأسد في سياق الصراع السوري. في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، بعد وقت قصير من بدء حملة الضربات الجوية الروسية في سورية، استدعي الأسد إلى موسكو. كان مظهره مقابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس بصاحب مكانة سيادية بجانب حليف، ولكن بدا كالعميل بجوار سيده.

أصبحت هذه الديناميكية في ميزان القوى الروسية-السورية أكثر وضوحاً في كانون الثاني (يناير) عام 2016، عندما نشر موقع للحكومة الروسية تفاصيل العقد بين موسكو والحكومة السورية المبرم في آب (أغسطس) 2015 في شأن الحملة الجوية الروسية في سورية. ينص العقد على أن «مجموعة الطيران الروسية يجب أن تكون قادرة على عبور الحدود بحرية… ولا تخضع للجمارك أو مراقبة الحدود»، وأن «ليس من حق ممثلي الجمهورية العربية السورية الدخول إلى مكان نشر القوات الروسية من دون اتفاق مسبق مع القيادة الروسية»، وأن «الجمهورية العربية السورية تتحمل المسؤولية لتسوية جميع المطالب التي يمكن طرحها من قبل أطراف ثالثة نتيجة الأضرار الناجمة عن أنشطة المجموعة الجوية الروسية وموظفيها».

وبعبارة أخرى، فإن العلاقة الرسمية بين موسكو ودمشق هي الآن مبنية على الامتثال الكامل من قبل نظام بشار الأسد، وروسيا تذكره بذلك في شكل دوري وعلني.

على رغم خطابه، فإنه من غير الوارد بالنسبة للأسد أن يتصرف بطريقة تعتبر غير مقبولة من قبل روسيا. وقد أكدت موسكو أنه لولا تدخلها في سورية خلال الأشهر القليلة الماضية، لكان لنظام الأسد أن ينهار. هذا التدخل يأخذ المزيد من الشكل العملي مع مرور الوقت، فروسيا توجه العمليات العسكرية من مركز قيادتها في اللاذقية، وكما رأينا في شريط فيديو وزع على الإنترنت، فإنها حتى تقلد ميداليات لضباط الجيش السوري بمثابة مكافأة لأدائهم في المعارك. في الفيديو، يظهر العلمان السوري والروسي جنباً إلى جنب، مما دفع بعض المراقبين إلى تسمية وجود روسيا «احتلالاً».

روسيا تلعب بالتأكيد اللعبة طويلة الأمد في سورية. فقد وجدت في الصراع السوري أداة مفيدة للوقوف في وجه الغرب والحصول على اعتراف من الولايات المتحدة على وجه الخصوص بأنها قوة عظمى عالمية مرة أخرى. وهنا جاءت اتفاقيات وقف إطلاق النار الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة، والتي أبرمت للمرة الأولى خلال مؤتمر ميونيخ وفي وقت لاحق من خلال محادثة بين جون كيري وسيرغي لافروف، لتؤكد لروسيا قيمة موقفها في شأن سورية.

وفيما يأمل الكثيرون أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير سيتم تنفيذه، لا تزال الاحتمالات ضده. إذ تواصل روسيا لعبة القول بعكس الفعل. فهي أطرت توبيخها العلني للأسد لقوله أنه يريد الفوز عسكرياً على أنه تأكيد لالتزامها إنهاء الصراع في سورية. ولكنها تدلي بمثل هذه التصريحات في حين تستمر في شن حملتها الجوية في سورية لاستهداف جماعات المعارضة السورية بحجة محاربة المجموعات الإرهابية.

طالما استمرت هذه الحملة في هذا الشكل، لن تكون هناك إمكانية لوقف إطلاق النار في سورية. القضية ليست مجرد عدم واقعية أن يتوقف المعارضون المسلحون السوريون عن القتال في حين أنهم لا يزالون مستهدفين من الجو. بل هي أيضاً أنه لا يمكن أن يسمح القادة السياسيون للمعارضة السورية بأن تدمر مصداقيتهم من خلال المصادقة على اتفاق لوقف إطلاق النار يتجاهل القانون الإنساني الدولي ويغض النظر عن وضع الجناح العسكري للمعارضة.

نفس الحلقة المفرغة التي شهدناها خلال مؤتمر ميونيخ تتكرر، مع إصرار لجنة المفاوضات العليا للمعارضة على تنفيذ بنود قرار مجلس الأمن رقم 2254 (حول وقف القصف ضد المدنيين، ورفع الحصار، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين) كشروط لقبول أي اتفاق لوقف إطلاق النار، في حين أن الولايات المتحدة وروسيا تعبران عن الاستياء إزاء وضع مثل هذه الشروط، ومن دون أي انتباه إلى قابلية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه.

اللافت في هذه الديناميكية هو أن المعارضة السورية تتخذ موقفاً حازماً في مواجهة الضغوط من قبل الولايات المتحدة وروسيا، ولكن لا يمكن أن يقال الشيء نفسه عن بشار الأسد. في حين أن المعارضة لديها دعم واسع النطاق من الشركاء الإقليميين، يتكل الأسد الآن في المقام الأول على روسيا. حتى إيران، لسنوات الداعم الخارجي الرئيسي للأسد في الصراع، قد اتخذت الآن المقعد الخلفي نتيجة للتدخل الروسي.

وهذا يعني أنه يجب على من يعول على استغلال الخلافات بين الأسد وروسيا أو على نجاح اتفاقيات وقف إطلاق النار الثنائية إعادة حساباتهم. في حين يجب أن يؤخذ موقف المعارضة السورية ومؤيديها في المنطقة على محمل الجد، فإن جدية روسيا نفسها لا يمكن تحديدها إلا من خلال مراقبة سلوكها لا خطابها. أما بالنسبة للأسد، فالمفارقة هي أنه الآن حشر نفسه في دور مساند في الصراع السوري.

 

 

لينا الخطيب

الحياة