المرصد السوري لحقوق الانسان

وللحروب أمراؤها..

ظهر تعبير «أمراء الحرب» بالتحديد فى بريطانيا فى منتصف القرن التاسع العاشر، بصيغة «لوردات الحرب»، ليصِف أولئك الذين أثروا من الحروب واستغلال المستعمرات واكتسبوا تسمية «نبلاء» ذوى مكانة اجتماعيّة. الفيلسوف الأمريكى أميرسون وصفهم بالقول: «لقد حلّت القرصنة والحرب مكان التجارة والسياسة والآداب، ولوردات الحرب حلوّا مكان لوردات القانون. لقد تمّ الاحتفاظ بالامتيازات لكن مع اختلاف طرق الحصول عليها».

لكلّ حربٍ أمراؤها. هكذا كان حال الحرب العالميّة الأولى، «السفر برّ» ومجاعتها، فى المشرق العربيّ، ثمّ الانتداب وحرب فلسطين. وها هو اليوم مثال الحرب الأهليّة الصارخ فى لبنان أمامنا، بتنصيب أمراءٍ ما زالوا قائمين على أمور البلاد بعد أن أوصلوها عبر الاستغلال الطائفيّ ونهب الثروات والتبعيّة إلى الخارج إلى إفلاسٍ للدولة وإفقارٍ للمواطنين لم يسبق له مثيل.. منذ «السفر برّ».

الانتفاضة السوريّة التى تحوّلت حربا أهليّة وحربا بالوكالة، فى سوريا وعليها، أنتجت هى أيضا «أمراءها»، عبر فرض سلطة «سياسيّة»، بفضل أو فى ظلّ قوّة عسكريّة، بغية الاستحواذ على موارد وتحقيق ريوع اقتصاديّة للهيمنة على مواطنين أو لمنعها عن مواطنين آخرين. ويكمُن الاختلاف الأساسيّ مع ما قبل الحرب فى شحّ الموارد نتيجة الحرب وفى الاعتماد على ما يأتى من الخارج من مساعدات وتحويلات، وكذلك فى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متنافِرة.. وفى غياب الدولة كمؤسسة ناظمة ولو فى أدنى الحدود.. فالحرب تُنتِج إعادة توزيع للثروة وتفرض واقعا جديدا.

بالتأكيد هناك «أمراء حرب» فى مناطق ما يسمّى «النظام» استغلّوا روابطهم مع أعلى هرم السلطة الأمنيّة القائمة وقدرتهم على تجاوز العقوبات الأمريكية والأوروبيّة. ولكن بالتأكيد أيضا ليس كلّ من عمل بالصناعة والتجارة فى هذه المناطق «أمير حرب». ولا ننسى أنّ هناك «أمراء حرب» حقيقيّين أيضا فى مناطق «المعارضة» و«الإدارة الذاتية»، يجنون ريوع موارد طبيعيّة أو سبل توريد بضائع أساسيّة من الخارج وبين المناطق أيضا.. وكذلك يجيّرون لصالحهم «المساعدات الإنسانيّة»، مثل بعض ما يتمّ تسميته «منظّمات مجتمع مدنيى» فى مناطق «النظام».

وتجارة المحروقات ومنتجات الطاقة قائمة بين مناطق «المعارضة» و«الإدارة الذاتية» وتتعارض مع احتكار «شركة وتد» التابعة لـ«هيئة تحرير الشام» وحكومتها «الإنقاذيّة» لاستيراد هذه المواد، خاصّة من أوروبا. وللإشارة هناك حربٌ بين المنطقتين المذكورتين. كما أنّ الهيمنة على قطاعى الكهرباء والهاتف الخلوى وغير ذلك من الخدمات قائمة أيضا فى هاتين المنطقتين عبر «شركات» ذات ارتباط واضح مع السلطات المهيمنة. تماما على غرار توجيه انتفاضة 2011 أسهمها الأولى من خلال استغلال شركات سيرياتيل وغيرها. كذلك هيمن «تجّار حرب» على مجالس محليّة وأضحوا يضخّمون احتياجات المساعدات لإعادة تدويرها فى السوق بأسعارٍ رخيصة، بما فى ذلك مواد غذائيّة تُنتَج محليّا ممّا يمثّل عامل إحباط لهذا الإنتاج المحليّ. هذه «التجارات» كلّها أدّت إلى بروز «أمراء» أضحى لهم وزنهم الكبير فى الاستحقاقات «السياسيّة» لما بعد الحرب.. وإن خلف ستار. كما أنّ تمويلات «التدريب والتمكين»، التى يتمّ احتسابها ضمن المساعدات الإنسانيّة، وكذلك الإعلام الموجّه لسوريا قد أبرزوا أيضا «أمراء» يلعبون أدوارا رئيسيّة على الساحة «السياسيّة»، لقاء أجور تبرزهم كـ«نبلاء» فى ظلّ انهيار الأوضاع المعيشيّة لأغلب المواطنين.
***
هكذا بات لكلٍّ من مناطق التقسيم الفعليّ لسوريا أمراء حربها. أهمّ هؤلاء يعتمدون على التواصل مع قوى النفوذ الخارجيّة فى كلّ منها يمنحها عقودٍ واستثمارات، ويعتمد آخرون على التواصل الاقتصاديّ الذى ما زال نوعا ما ضروريّا بينها. وفى الواقع، سيتكرّس التقسيم أكثر وأكثر كلّما انتصر الأمراء المرتبطون بالخارج على أولئك الذين يعملون على التواصل الداخليّ، فيصبح لكلّ منطقة اقتصادها الخاصّ.. مهما كانت التسميات الخجولة التى باتت معتمدة مثل «شمال وشرق سوريا» أو «سوريّة المحرّرة». وبحيث يغيّر التقسيم الاقتصادى لاحقا هذه التسميات إلى صيغ «سياسيّة» أكثر وضوحا وتعبيرا عن واقعها.

فى هذا السياق، يبرز التنافس الروسي ــ الأمريكى الحاليّ حول قضيّة المعابر. يقترح الروس فتح المعابر الداخليّة بشكلٍ رسميّ وبرقابة من القوى الخارجيّة، مّما سيخفّف الضغط المعيشى الذى تعيش مناطق «النظام» أسوأ أحواله، ولكن أيضا ما سيُبقى التواصل بين المناطق الثلاث حارما «أمراء» التهريب من «الريع» المأمول. أمّا الولايات المتحدة فتدفع الأمم المتحدة إلى فتح عدّة «معابر إنسانيّة» إلى كل المنطقتين الشماليتيّن، مع العلم أنّ ذلك يتطلّب قرارا من مجلس الأمن، لأنّه يخالف القوانين الدوليّة، فى حين يحصرها القرار الحالى بمعبر باب الهوى حتّى يوليو القادم. فى حين أنّ عدّة «معابر تجاريّة» باتت مفتوحة مع تركيا فى أعزاز ومارع وجرابلس لبضائع يهرّب أغلبها إلى مناطق «النظام»، وكذلك معبر سيمالكا مع كردستان العراق تمرّ منه البضائع التركيّة، خاصّة، والإيرانيّة وكذلك العراقيّة. وتركيا ستجد حسابها أكثر إذا صدّرت بضاعتها بشكلٍ أكبر لجميع أنحاء سوريا.

الهدف الروسيّ الواضح هو تخفيف المعاناة المعيشيّة التى أضحت غير قابلة للاحتمال، فى ظلّ اقتراب الاستحقاق الرئاسيّ، لكنّ الاقتراح يخفّف واقعيّا من التقسيم الاقتصادى ويعيد إنعاش التكامل الاقتصاديّ بين المناطق السوريّة ممّا يُضعِف قوّة أمراء الحرب. وواضحٌ أيضا أنّ هدف الولايات المتحدة هو زيادة الضغط الاقتصاديّ على مناطق «السلطة»، لـ«تغيير سلوكها»، إلاّ أنّ ذلك يزيد من مخاطر ترسيخ التقسيم ويُنعِش «أمراء الحرب» المرتبطين بالخارج. هذا فى ظلّ بروز «مهاترات» و«مزايدات» حول أعداد السكّان والمحتاجين فى هذه أو تلك من المناطق تحت غطاء «مراكز أبحاث»، كوسيلة «حضاريّة»، كما فى لبنان وغيرها، لتسوّل المساعدات الإنسانيّة التى يتضاءل حجمها عاما بعد عام رغم تفاقم الأوضاع.

الموقف السياسيّ اليوم لا يعنى الحديث عن «عطب ذات» الأمس الذى ساهم فى أخذ البلاد إلى واقع اليوم. فهذا ليس موضوعا خلافيّا فحسب، بل أيضا لا طائلة من الخوض فيه. وليست «الثورة» تلك التى تقوم على ذات الممارسات التى ثارت الانتفاضة عليها أو على الانتقام من مواطنين أضحوا منكوبين. وليست «الديمقراطيّة» استخدام مظالم سابقة لأطماعٍ حاليّة أو قادمة، وليس «الانتقال نحو دولة المواطنة»، إعادة إنتاج ذات المنظومة القائمة على رقبة الدولة السوريّة ومواطنيها اليوم، ولا حتّى إنتاج تقاسم نفوذ أمراء حرب على غرار التجربة اللبنانيّة. ولا يبرّر الموقف السياسيّ محاولة الرئيس الحالى البائسة إعادة تنصيب نفسه.

الموقف السياسيّ اليوم هو الموقف من قوت المواطنين ومعيشتهم، وفى جميع المناطق، فى ظلّ الكارثة الاقتصاديّة المهيمنة. وهو الموقف ضدّ الدفع نحو تقسيم سوريا أو استحواذ طرفٍ على الموارد دون غيره. إنّه يعنى أوّلا وأساسا الدفاع عن حياة السوريين أينما كانوا وأيّا كانت سبل تعبيرهم عن هويّتهم، مع فضح ممارسات «أمراء الحرب» على الجهات كافة. إنّ هذا يتطلّب جرأة وشجاعة خاصّة من المقيمين فى منطقة النفوذ ذاتها. والموقف السياسيّ أيضا يتطلّب العمل على إعادة تفعيل دولة هى أصلا، حتّى تبعا للدستور الحالى، بكلّ مؤسساتها ومواردها ملكا للمواطنين جميعا، ولطالما انتهكتها السلطة القائمة وأمراء الحرب.. القدماء منهم والجدد… مهما اختلفت مشاربهم ومرجعيّاتهم.

المصدر: الشروق

الكاتب: سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول