وما خفي أدعش!

بات هاجساً، ومصدر قلق لدى كل أسرة سعودية، يؤيده قراءات ودلائل كثيرة. ذلك احتمال أن يكون سفر أحد أفرادها أو جهالة سبب غيابه يؤدي به إلى مواطن نزاع مسلح في العراق، سورية، أو اليمن، إذ إن عبارة «المكتوب على الجبين تراه العين» غير واردة في هذا السياق.

قالت أسر سعودية سابقاً إنها تفاجأت كثيراً بوجود أبناء لها في فريق «١١ سبتمبر»، وخلايا نائمة كانت جزءاً من تنظيم مسلح يحمل اسم «القاعدة» أو غيرها، فنزعة الانتماء إلى مجموعات مسلحة تكاد تكون فايروساً خفياً قابلاً للانتفاض في جسد عدد غير محصور من شبابنا.

توجد في جامعات سعودية كراسي بحثية تحاول فهم الإرهاب سلوكاً، لكن سواد «البشوت» فيها أكثر من بياض الورق المحتوي على جواب شافٍ، أو أنها تعمل وفق المثل البدوي «مصيح في الخلا»، ولا نجد لها جسوراً ممتدة إعلامياً، ولا نعلم عن الاستفادة منها أمنياً.

قالت دراسات صحافية غربية إن «داعش» استقبلت ثلاثة آلاف سعودي، وفي العرف العسكري يكفي هذا الرقم لتكوين لواء عسكري، قادر على فتح جبهة حرب عريضة، لكن حمانا الله بوجود جحيم يكفي لاحتراق حطبهم في سورية، بينما لا تزال غاباتنا السكانية الخضراء قادرة على إنتاج مزيد من الحطب.

يصعب فهم كيفية نمو قرار الرحيل في عقلية الفرد، كذلك رصد أدوات التجنيد، والأصعب عدم مبادرة الشباب للتواصل مع الجهات الأمنية للتبليغ عن قادة التجنيد، حتى بعد تراجعهم عن الفكرة، أو ذهابهم إلى ديار صراع مسلح ثم عودتهم منها.

هناك حيرة إضافية تجاه عودة بعض ضيوف مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة إلى ساحات الصراع المسلح، أو اشتراكهم في أعمال عنف مسلح، على رغم وجود فرصة كبيرة للنجاة من الماضي أو عقابه، فبيت المناصحة يستضيف من ثبت اشتراكهم في أحد خطوط العنف تمويلاً أو تستراً أو حرباً، وبكل تأكيد لدى البيت أجوبة على أسئلة كثيرة.

تتعدد دوافع الانتحار، يؤسس لها احتقار الفرد لحياته، معيشته، أهله، وأسباب غضب على الذات والأسرة، فالسعودية بيئة ممانعة قوية ضد تحقيق الذات، وكذلك فواتير المكافآت المالية والمعنوية أقل من المتوقع دوماً، فالحياة في المنازل، أماكن العمل، أو الشوارع باردة جداً، أقرب إلى درجة حرارة جسد ميت.

يخلو المجتمع السعودي من قضايا نضال جماعي «ثقافية، علمية، فنية، رياضية، أو غير ذلك»، فنحن شعب غير متفاعل مع قضايا السياسة الداخلية، أو التنمية، فاهتمامنا بقضايا جيراننا يفوق اهتمامنا بقضايا وطننا، فلا انتخابات تشعل أو تشغل الناس، حتى إصلاح الشارع الواقع أمام داري ليس من اختياري.

نحتاج إلى أدوات كثيرة (تشغلنا في أنفسنا)، وتحول طاقات الشباب إلى مسارب غير إرهابية، بينما (الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف) آيات تدل عن الرخاء الاقتصادي باب عريض للأمن، فإن لم يك ذلك متاحاً فإن ما خفي أدعش.

يسهل تحويلنا إلى مجتمع مهووس بالرياضة، الثقافة، التعليم، السينما، التقنيات، الكشافة، السياحة، الشعر، الانتخابات، وغيرها إذا أجادت أطراف الحكومة النوايا والأدوات، أو فإن شهادات ميلاد الأجيال القادمة سيكون مكتوباً فيها بديلٌ عن اسم المولود، اسم الانتحاري.

 

الكاتب: خالد الفاضلي

المصدر : الحياة