المرصد السوري لحقوق الانسان

وهم عودة الخلافة

إذا ليس الآن، فمتى؟
إذا لست أنت، فمن؟

لم يكتف الصحفيون الأتراك بالتهليل لرئيسهم رجب طيب إردوغان وهو يصلي في آيا صوفيا، بعد تحويلها من متحف إلى مسجد، بل يطالبون الآن بإعادة الخلافة العثمانية.

ظهر الرئيس التركي، في أول صلاة جمعة بآيا صوفيا، وهو يتلو آيات من القرآن الكريم، فيما صعد الخطيب منبر المسجد وهو يمسك سيف السلطان محمد الفاتح.

وأجج حلم الخلافة بين أتباعه. حلم الخلافة الإسلامية، كما روجت له من قبل كل جماعات الإسلام السياسي. فمنذ ولادة الجماعة الأم، جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والمصحف والسيف يتصدران شعارات جماعات الإسلام السياسي.

الآن جاء الرئيس التركي ووضع المصحف والسيف نهارا جهارا أمام الجميع في آيا صوفيا، وسط تهليل وإعجاب أتباعه ومريديه في العالم العربي والإسلامي.

إن سألت أحباء الخلافة عن أسباب ولههم بالفكرة فستسمع ردودا عن أسباب كرههم للحداثة وتقليد الغرب، والبعد عن الدين، والانحلال الأخلاقي وعدم التزام بعض النساء بالزي الشرعي، إلخ.

فكرة انتخاب الخليفة في حد ذاتها فكرة هزلية، لأنها تسلب عقيدة الخلافة من أساس نشأتها وتحولها إلى نظام لا يختلف كثيرا عن أي نظام علماني

ولكن لن تسمع منهم كلمة واحدة عن نوعية الخلافة التي يحلمون بها وكيف ستطبق في واقعنا الحالي؟ هل ستكون الخلافة مطلقة؟ أم خلافة دستورية؟ أم خلافة رمزية؟

الخلافة المطلقة، تعتمد على فكرة الحاكم “المستبد العادل”، الذي يحكم بشرع الله في منظومة إدارية وسياسية واجتماعية، توحد كل الدول الإسلامية.

شاعت فكرة المستبد العادل بين الإصلاحيين الإسلاميين، في القرنين التاسع عشر والعشرين، من خلال بعض كتابات ومقالات لعبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد)، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدو، وغيرهم.

يفسر هؤلاء فكرة الاستبداد على أنها “الحزم والقوة والعدل” ويدعون أنها تختلف عن المفهوم الغربي للاستبداد الذي يعني “التفرد بالحكم”. وأن الحزم لا يعني الظلم والتعسف.

ولكن حتى لو انطلقنا من مفهوم الإسلاميين للاستبداد، وبأنه فعلا الحزم والعدل، فسنجد أن تنفيذه في أرض الواقع شبه مستحيل. فالإسلاميون لم يحددوا معايير واضحة تمنع الخلفاء من الانزلاق إلى طريق الظلم بعد وصولهم إلى الحكم.

وإن كان ماضي الخلافة هو الحَكَم، فلم يشهد تاريخ الخلفاء، سواء في الدولة الأموية، أو العباسية، أو العثمانية، حالة واحدة استطاعت فيها الشعوب المسلمة أن تمنع ظلم حاكم. بل بالعكس، كل من ثار على الحاكم الظالم اعتبر خائنا ومرتدا. وهذا نفس الأسلوب الذي يتبعه الرئيس إردوغان الآن مع معارضيه السياسيين.

تطبيق العدل أيضا معضلة كبيرة في مفهوم دولة الخلافة. فقد قلص الإسلاميون مفهوم العدل في تطبيق أحكام الشريعة، ولكنهم تجاهلوا كيف كانت المجتمعات المسلمة منذ بداية الدولة الأموية وحتى انتهاء الخلافة العثمانية مجتمعات طبقية بامتياز. فلم نسمع في تاريخ الخلفاء عن حداد وصل إلى سدة الحكم ولا عن نجار أدار شؤون مدينته.

مشكلة شباب الإسلاميين أنهم يحلمون بمجتمعات يكونون فيها هم القادة والأغنياء وعلية القوم. ولكنهم لم يفكروا ماذا سيكون وضعهم إن حكم الزمان عليهم أن يكونوا عبيدا أو خدم أو أغوات في قصر خليفتهم المزعوم.

أما مفهوم “الخلافة الدستورية”، كما يروج لها بعض الإسلاميين، فسعى لها السلطان عبد الحميد الثاني في بداية عهده، وهو الذي أسس مجلسا عموميا، تمثلت فيه كل الولايات عن طريق نوابٍ مُنتخبين، ووضع هؤلاء دستورا للدولة.

ولكن يتناسى هؤلاء أن السلطان عبد الحميد، هو أيضا من عطل الدستور وأعاد البلاد إلى الحكم المطلق. فما الذي يمنع أي خليفة مستقبلي من أن يفعل هذا؟

إن واجهت أحباء إردوغان بهذه السؤال فستجد أن الإجابة جاهزة: “تركيا بلد ديمقراطي”. حتى لو سلمنا بهذا الرد المغلوط، وأغفلنا تسلط واستبداد إردوغان، فالرد يتجاهل كيف أن النظام التركي حالي مبني على أسس علمانية وليس دينية، فإن خسر حزب العدالة والتنمية الانتخابات القادمة (إن سمح مولانا بهذا) فلن يتبنى الرئيس القادم فكرة الخلافة ولن يطبقها.

فكرة انتخاب الخليفة في حد ذاتها فكرة هزلية، لأنها تسلب عقيدة الخلافة من أساس نشأتها وتحولها إلى نظام لا يختلف كثيرا عن أي نظام علماني.

الخلافة سواء كانت مطلقة، أم دستورية، أو رمزية، هي وهم بعيد المنال

أما الخلافة “الرمزية الناعمة”، فيروج لها فريق آخر من مؤيدي إردوغان، ومعظمهم من البرغماتيين. فهم يعترفون ولو ضمنيا أن تفعيل نظام الخلافة في الوقت الحالي صعب المنال. ولذلك يحلمون “بخلافة ناعمة”، تكون فيها تركيا هي البلد الأم، وترتبط بها، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، أنظمة الدول الأخرى التي تدور في فلكها. ولكنهم يناقدون أنفسهم، فهم يرفضون القوميات العربية وغيرها، بينما يهللون للقومية التركية التي هي جزء لا يتجزأ من عقيده الرئيس التركي وحلفائه داخل تركيا من القوميين الأتراك. هؤلاء القوميون لا يريدون المساواة بين العرق التركي والأعراق الأخرى، بل يرون العرق التركي أهم من غيره.

فريق إردوغان يعي ذلك جيدا، ويعلم أن أي إعلان للخلافة، حتى ولو كانت رمزية، من قبل إردوغان، قد يفقده شعبيته داخل تركيا، وينعكس سلبا عليهم إن خسر حزبه الانتخابات القادمة.

والدليل على ذلك، جاء على لسان المتحدث باسم الحزب الحاكم في تركيا عمر سليك، والذي عاد وأكد أن تركيا بلد “ديمقراطي علماني” وأنه من الخطأ خلق حالة من الاستقطاب في المجتمع التركي.

ولكن مع الأسف، لا يفهم العديد من شباب العرب دجل السياسة التركية، ويهللون لفكره هلامية، بدون تصور موضوعي مفصل وواضح.

الخلافة سواء كانت مطلقة، أم دستورية، أو رمزية، هي وهم بعيد المنال. فاستيقظوا يرحمكم الله.

 

 

 

 

الكاتبة:نيرڤانا محمود – المصدر: قناة الحرة

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول