“يابانجي يوك”.. سوريون في تركيا يواجهون “التمييز”

منذ أربعة أشهر فشلت جميع محاولات الثلاثيني السوري، أحمد السلومي، في البحث عن منزل جديد في مدينة إسطنبول بقسمها الأوروبي، بعد تلقيه بلاغ من صاحب الشقة التي يعيش فيها في حي باغجلر بضرورة الإخلاء في أقرب فرصة، لضرورات تتعلق بهدم البناء كاملا، ضمن إجراءات السلامة التي تشهدها عدة أحياء تحسبا لأي زلزال مرتقب. 

ويقول الشاب في تصريحات لموقع “الحرة”: “في كل محاولة كان الرد الذي أتلقاه من أصحاب المنازل مباشرة أو من خلال المكاتب العقارية (يابنجي يوك) بمعنى لا نؤجر للأجانب. هذه الكلمة تخص جميع الجنسيات لكنها باتت تعمم بشكل أساسي داخل الأوساط التركية على اللاجئين السوريين”. 

وقبل أسبوع وبعد وصوله إلى مرحلة “اليأس”، بحسب تعبيره قرر أحمد الانتقال إلى مناطق بعيدة نسبيا للبحث عن منزل جديد، في الأحياء الموجودة في الشطر الآسيوي لمدينة إسطنبول. 

ويضيف: “الخيار المذكور بات الوحيد أمامي، وعلى الرغم من طول المسافة التي سأسلكها كل يوم ما بين المنزل والعمل إلا أنني أصبحت مضطرا لذلك، خاصة مع الضغوط شبه اليومية التي يفرضها صاحب المنزل الذي أقيم فيه حاليا”. 

ويتجاوز عدد السوريين المقيمين في تركيا، سواء “لاجئين” أو “سياح” أكثر من أربعة ملايين شخص، ويتركز العدد الأكبر منهم في ولاية إسطنبول، لتتبعها ولاية شانلي أورفة الحدودية، وولايتي غازي عنتاب وهاتاي.

ومنذ سنوات يعاني هؤلاء السوريون من رفض بعض ملاك العقارات تأجيرهم المنازل، ويعلل بعضهم ذلك بتعرضهم لمواقف سيئة من قبل غير الأتراك. 

لكن وفي المقابل يرى سوريون تحدث إليهم موقع “الحرة” أن المعاملة المذكورة لا يمكن فصلها عن حالة “التمييز العنصري”، والتي تشمل عدة مجالات في الحياة. وسبق وأن غذّتها تصريحات مسؤولي أحزاب المعارضة التركيةالمتكررة والمستمرة.

“حتى المجنّسين”

حالة الشاب أحمد ليست وحيدة في المدن التركية، وبالأخص إسطنبول التي يقيم فيها القسم الأكبر من اللاجئين السوريين. وإلى جانبه هناك سوريون يعانون من ذات المشكلة، من بينهم المجنسين أيضا. 

الشابة عائشة (20 عاما) تتقن اللغة التركية بطلاقة، وكانت قد حصلت على الجنسية التركية مع عائلتها قبل عامين.

ولم تفض محاولات الشابة لأي نتيجة منذ قرابة ثلاثة أشهر في البحث عن منزل لأخيها القادم من المملكة العربية السعودية للاستقرار في البلاد، وتقول: “على الرغم من حصولنا على الجنسية التركية إلا أن المعاملة لم تختلف كثيرا”.

وتضيف: “فشلت محاولاتنا في ثلاثة منازل بحي الفاتح بإسطنبول. الرد يأتينا من قبل أصحاب المكاتب والمنازل بأننا لا نؤجر الأجانب حتى المجنسين منهم. النظرة واحدة للاجئ السوري سواء المجنس أو غير المجنّس، بمعنى أنك لست مرغوبا لدينا”.

وتشير  عائشة متسائلة: “لماذا هذا التمييز العنصري؟ لا أحد يعلم مع العلم أننا ندفع إيجارات أعلى سعرا من تلك التي يدفعها المواطنون الأتراك، عدا عن الكومسيون الذي يتلقاه صاحب المكتب العقاري والتأمين الشامل الذي تعادل قيمته مبلغ الإيجار الشهري”. 

وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قد أعلن في وقت سابق أنه يبلغ إجمالي عدد السوريين الحاصلين على الجنسية التركية نحو 92 ألفا و280 شخصا، وذلك من أصل الملايين ممن تستضيفهم تركيا حاليا.

وفي الوقت الذي تتسع فيه مساحة “التمييز العنصري” ضد اللاجئين السوريين في البلاد تغيب أية حلول جذرية لمعالجتها، سواء من جانب الحكومة التركية أو من خلال المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني السورية، والتي تنشط في مختلف الولايات التركية. 

لكن وفي المقابل كان لافتا في أواخر عام 2020 الخطوة التي أقدم عليها “معهد حقوق الإنسان والمساواة” في البلاد، حيث وضع غرامات مالية لأي شخص في تركيا ينتهك حظر التمييز على “أساس الجنس”. 

وتبلغ قيمة الغرامة ألف ليرة تركية، وارتبط فرضها في ذلك الوقت بناء على شكاوى لوكلاء العقارات بأن بعض أصحاب المنازل لديهم شروط قاسية، كرفضهم إيجار منازلهم لأشخاص أجانب أو لعوائل فقد دون الأفراد. 

“معاملة خاصة”

“الرحلة الطويلة” التي يسلكها اللاجئون السوريون للبحث عن منزل في تركيا ليست الوحيدة التي باتت تعترضهم في هذا السياق، بل تعدت لتصل إلى “المعاملة الخاصة” التي يواجهونها في قضية أسعار الإيجارات الشهرية ونسبةارتفاعها السنوية.

وقفزت بدلات إيجار المنازل في تركيا ثلاثة أضعاف منذ بدء لجوء السوريين إلى هذه البلاد في عام 2011، بحسب إحصائيات رسمية.

وشهدت الإيجارات قفزات غير مسبوقة مع بدء تفشي فيروس “كورونا”، وما رافق ذلك من أزمات اقتصادية ألقت بظلالها على الليرة التركية وأيضا على أصحاب المصالح والمتاجر والورشات. 

ووفقا لبيانات شركة الإسكان “Endeksa”، في أبريل الماضي، فإن متوسط ​​سعر الإيجار للمتر المربع السكني في إسطنبول 17 ليرة تركية، ومن بين المناطق التي شهدت أعلى زيادة في الإيجارات، في العام الماضي، بيرم باشا وبيليك دوزو وشيلي وباشاك شهير وإسنيورت.

وارتفعت إيجارات المساكن في بيرم باشا بنسبة 24 بالمئةالعام الماضي، و21 في المئة في بيليك دوزو، و20 في المئةفي شيليه، 20 في المئة في باشاك شهير، 18 في المئة في إسنيورت.

“الإيجارات تحلّق”

وعلى الرغم من أنّ القانون التركي يحدّد نسبة الزيادة السنوية الأعلى للإيجارات بـ15.1 في المئة من قيمة بدل الإيجار الشهري، فإنّ ثمّة أصحاب منازل يرفعون البدلات أكثر من ذلك بحجّة تراجع سعر صرف الليرة التركية.

وتوضح الشابة عائشة أن صاحب المنزل الذي تقيم فيه مع عائلتها جدد عقد إيجار المنزل قبل شهر بزيادة تقدر نسبتها بـ21 بالمئة، وتتابع بالقول: “كنا ندفع ألفي ليرة تركية كإيجار شهري، وبعد تجديد العقد أصبح 2400 ليرة تركية”. 

وفي العموم تشهد معظم الأحياء في مدينة إسطنبول ارتفاعا غير مسبوقا في إيجارات المنازل، وخاصة في حي الفاتح ومنطقة “باشاك شهير” والتي تعدى معدل إيجار المنزل الواحد فيها حد ثلاثة آلاف ليرة تركية للمنزل المكون من غرفتين وصالة.

ويتم تحديد نسبة الزيادة في الإيجارات على أساس التضخم الاقتصادي الحاصل في البلاد ويستفيد أصحاب العقارات المؤجرة من رفع الإيجارات بعد مرور سنة على عقد الإيجار حسب نسبة الزيادة المحددة سنويا.

وتظهر البيانات الصادرة عن “معهد الإحصاء التركي” أن التضخم في البلاد صعد إلى 16.59 بالمئة على أساس سنوي في مايو 2021، مسجلا أعلى مستوى منذ منتصف 2019. 

وبحسب بيانات معهد الإحصاء فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين، خلال مايو بواقع 3,92 بالمئة على أساس شهري، فيما بلغ 38,33 بالمئة على أساس سنوي.

وارتفعت أسعار المستهلك بنسبة 14.13 في المئة، وأسعار المنتجين بنسبة 22.24 بالمئة اعتبارا من مايو، مقارنة مع معدلات آخر 12 شهرا.

 

 

المصدر: الحرة