ﻋﻀﻮ اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ اﻟﺴﻮرﯾﺔ ﺳﻤﯿﺮة ﻣﺒﯿﺾ: ﺳﻮرية ﺗﻌﯿﺶ اﻟﯿﻮم أزﻣﺔ ھﻮﯾﺔ.. واﻟﻨﻈﺎم يسعى إلى اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ﺻﻮرﯾﺔ ﻛﻤﺎ ھو الحال ﻣﻨﺬ اﺳﺘﻼب ﺣﺎﻓﻆ الأﺳﺪ اﻠﺴﻠﻄﺔ

تعددت المبادرات التي أطلقتها قوى إقليمية ودولية لوضع حجر الأساس لحل في سورية، إلا أن خارطة السيطرة والصراع تشابكت وتغيرت، برغم كل التطمينات بقرب الحلّ والتسوية السياسية التي شددت عليها موسكو، حيث يرى سياسيون سوريون أن الحل بات صعبا خاصة في ظل التدخلات المقيتة التي صعّدت الأزمة وشعّبتها.

دﻛﺘﻮرة ﺳﻤﯿﺮة ﻣﺒﯿﺾ، ﻋﻀﻮ اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ اﻟﺴﻮرﯾﺔ ﻋﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ تتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن اللجنة الدستورية وأسباب تعطّل أعمالها وعن تمثيل المرأة السورية منذ الثورة.

س- أربع جولات من مباحثات اللجنة الدستورية ولا تزال الخلافات الحادة تشوب جلساتها..ما مستقبل هذه اللجنة برأيك وهل من الممكن إجراء الانتخابات قبل استكمال أعمالها؟

ج- أعتقد أن اللجنة الدستورية تكتسب أهميتها بكونها التوجه السياسي الذي يتضمن أوسع طيف من المجتمع السوري لمحاولة الوصول إلى رؤية مستقبلية قابلة للحياة، لكن الجلسات الأربع التي عقدتها اللجنة المصغرة في هذه المرحلة اتسمت بهيمنة طروحات نظام الأسد وبحرفه المسارَ من مسار العمل الدستوري المؤطر والمحدد إلى مسار التغيير الجذري نحو ما عُرف بـ”المبادىء الوطنية” وهي بمضمونها محاولة لتقاسم السلطة بين النظام والمعارضة وفق نفس الأسس التي كان قائماً عليها، وبعيداً عن تحقيق مطالب السوريين بانتهاء حقبة الشمولية بكافة أسسها.

س- الدور الفاعل مستقبلاً لهذه اللجنة سيتطلب الإلتزام الكلّي بمسار تغيير جذري لتأسيس الدولة السورية وفق ما يحقق مصالح السوريين وبعيداً عن أي تيارات إيديولوجية، وهو الأمر الذي لم يتح العمل عليه إلى غاية اليوم.

ج-سيحاول النظام إجراء انتخابات صورية كما هو حال الانتخابات في سورية منذ استلاب حافظ الأسد السلطة.. مثل هذه الانتخابات غير شرعية ونتائجها غير معترف بها سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أو على الصعيد الدولي وستغرق سورية أكثر في حالة فشل الدولة التي هي عليها اليوم.
استمرارية العمل على الصعيد الدستوري تنبع من حاجة السوريين إلى بناء عقد اجتماعي جديد ينطلق من واقع سورية اليوم وليس من منطلقات تاريخية أو إيديولوجية بعيدة عن الواقع وغير قابلة لخلق الاستقرار والاستدامة.

س- من له مصلحة في فشل أعمال اللجنة الدستورية برأيك؟

ج-فشل أعمال اللجنة الدستورية يؤدي بالضرورة إلى مسار تقاسم السلطة وفق نفس الأطر الحالية للحكم وهو ما تسعى إليه أطراف عديدة، أما التقدم الفعلي بمسار العمل الدستوري فهو يضمن تحقيق الانتقال السياسي كاملاً وانتهاء حقبة الأسد وكل ما يدور في فلكه، لذلك يعمل النظام بشكل حثيث على إفشال المسار الدستوري ويتفاوض على البقاء في السلطة وإعادة إنتاج نفسه بتقاسم الحكم مع أطرافٍ معارضة، وذلك مسار كارثي لسورية التي عوضاً عن العبور إلى الحرية والحداثة والتقدم تسير به نحو تراكمية شمولية جديدة وقيود تجهيل وجمود تمنع عن السوريين أي تقدم ونهوض واستقرار.

س- تتهم المعارضةُ النظامَ بأنه لا يريد تقديم أي تنازلات تؤدي إلى تغيير جوهري في الدستور، ثم الحكم، ويعوّل على كسب الوقت، وإغراق المباحثات بالتفاصيل طالما أن المعارضة متمسكة باستمرار الانخراط فيها دون أي جدوى.. هل تتفقين مع هذا الرأي؟

ج- انجرار المعارضة إلى هيمنة النظام على العملية الدستورية والتناغم الذي ظهر بين هذين الطرفين في الأوراق المقدمة في الجلسة الرابعة تحت مُسمى مبادئ وطنية يشير إلى أن التعطيل كان سمة غالبة على عمل اللجنة في هذه المرحلة ضمن سياق السعي إلى تقاسم السلطة وتدوير أطر المنظومة ذاتها، لذلك فإن رفض هيمنة النظام على عمل مسار اللجنة هو إخراجها من توجهات تقاسم السلطة نحو مسار للتغيير الجذري وهو الحل الوحيد لتؤدي مهمتها بشكل فاعل وحقيقي.

س- يرى مراقبون أن اللجنة الدستورية ليس لها مدة محددة، والعمل بها سيستمر لسنوات، وهي عبارة عن مفاوضات بين تركيا وروسيا لتمرير صفقات على الأرض بين الدول المتحاربة.. ما تعليقك؟

ج- أرى أن حاجة السوريين إلى دستور جديد هو أمر حتمي، فالعقد الاجتماعي الحالي، بتتالياته، لم ينتج دولة مستقرة بل دولة اتسمت بالصراعات الداخلية والقمع والشمولية، وذلك مسار تدهور مستمر منذ قرن من الزمن، وإن أراد السوريون انتهاء هذا المسار فإن الدستور الجديد هو الطريق.. الفترة الزمنية لعمل اللجنة الدستورية تعتمد على مدى فاعلية القائمين على تنفيذ هذه الخطوات وجديتهم وكذلك جدية تنفيذ الرؤية المستقبلية للمنطقة بما تتضمنه من تغييرات على كافة الصعد.. بالتأكيد هناك قوى عديدة إقليمية ودولية لها مصالح مباشرة في ما يحصل في سورية، فهي تتدخل بشكل مؤثر سلباً أو إيجاباً في عمل اللجنة الدستورية، لكن في نهاية المطاف أي رؤية لا تتم بتوافق بين السوريين أنفسهم لن تفضي إلى الاستقرار المطلوب وهي بالتالي ستكون مصدر خلل في المنطقة بأكملها وليس ضمن الحدود السورية وحسب وذلك ما يمكننا الارتكاز عليه للدفع قدماً نحو دستور يضمن الاستقرار والأمن والازدهار للسوريين.

س- من يهتمّ ويلتفت إلى جوع الشعب السوري في ظل أزمات اقتصاد الحرب والعقوبات الدولية المسلطة؟

ج- الجهة الأكثر اهتماما بذلك في ظل أزمات الاقتصاد والعقوبات هي المجتمع المدني في سورية وفي دول المهجر التي تتجرد من أي تبعية إيديولوجية لإعطاء الأولوية لإنهاء هذه المعاناة ليس بالمطالبة برفع العقوبات عن الأسد لأن ذلك سيزيد من طول عمر أزمة ومعاناة الشعب السوري، فرفع العقوبات سيسمح باستمرارية الأسد وباستغلاله لأي دعم اقتصادي ضمن آليات النهب والفساد القائم عليهما وتحويله إلى مزيد من التسليح ودعم المليشيات والمرتزقة التي تعمل بإمرته، ويبقى المواطن السوري تحت وطأة الفقر والجوع، بل مطالب المجتمع المدني تكمن في انتهاء هذه الحقبة وتكريس الموارد والاقتصاد في سورية لكل ما يضمن حياة مستقرة ويضمن الأمن الغذائي والمائي والصحي والتعليمي والإجتماعي، وذلك يتطلب منظومة حكم مختلفة كلياً عمّا هي عليه اليوم.

س- بعد 10 سنوات من الحرب، كيف تقيمين تحركات المعارضة السورية في الداخل والخارج؟

ج- انحرف مسار العمل السياسي بشكل كبير عن تحقيق مطالب السوريين الساعية إلى النهوض ببلادهم والعودة بها إلى مسار الإنسانية، وكان للمعارضة السورية مسؤولية كبيرة إما بحصول هذا الانحراف أو في عدم رفضه والتصدي له وتحديد البوصلة بشكل سليم كما يتوجب، واليوم يمكننا الحديث عن أطياف معارضة وليس جهة واحدة، كثير منها ينضوي تحت تيارات إيديولوجية ضيقة وتشكل قوى أمر واقع لا يمكنها بناء دولة مواطنة تضمن حقوق جميع السوريين بل تنتهج نفس نهج النظام بأسماء أخرى، كما أن هناك تيارات معارضة منقطعة تماماً عن الواقع السوري.
أما في الداخل فمعظم الأطر المعارضة تدور في فلك النظام، لكن ما نشهده اليوم هو ظهور تيارات مدنية وسياسية حديثة تعي الأوضاع وتبحث عن حلول لها من منطلقات موضوعية وواقعية، وهذا ما نحتاجه اليوم بتضافر جهود السوريين بين الشتات والداخل لإيجاد أطر ترسم حلاً مستداماً قابلاً للتطبيق.

س- ماذا يحتاج الوضع المتأزم حتى يهدأ وتحدث التسوية السياسية، لا الحل؟

ج- نحتاج بداية إلى الاعتراف بالواقع السوري كما هو والانطلاق منه وعدم طرح تصورات بعيدة عنه تفضي إلى طرق مسدودة بالبديهة، فالشعب السوري لم تُتح له منذ قرن من الزمن إمكانية بناء دولة وفق عوامل تحقق استقرار المجتمع بل جاءت التصورات تحقق تقاسم مصالح دولية وإقليمية ونتيجة إرث حروب وتسويات فشلت جميعها في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار.. اليوم يحتاج الوضع المتأزم الإنطلاق من البنى المجتمعية المحلية ومن الأطر الجغرافية المتجردة عن أي سمات إيديولوجية والبحث ضمنها عن التسويات التي تحقق مصالح السوريين وإعطاء الوقت الكافي للتأسيس للعقد الإجتماعي بعد تحييد كافة التوجهات الإيديولوجية عن التأثير لينطلق وفق أسس ومسارات سليمة وواضحة.

س- تحدث جيفري، مؤخرا عن عجز إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب عن تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في سوريا، وهي ضمان انسحاب كافة القوات الإيرانية من البلاد ودحر تنظيم “داعش” بالكامل وإيجاد حل سياسي للنزاع الذي يدخل عامه العاشر.. برأيك هل من من الممكن أن ينجح بايدن في ذلك؟

ج- إدارة الرئيس ترامب وضعت مرتكزات هامة في ما يتعلق بالسياسة العامة للولايات المتحدة الأميركية تجاه النظام الإيراني الحالي بكونه مهددات للأمن في المنطقة وفي العالم، لذلك أعتقد أن إدارة الرئيس بايدن ستتابع المسار المحدد وفق أولويات الولايات المتحدة في حماية أمنها ومن ضمن ذلك خروج القوى الإيرانية من المنطقة وذلك يتطلب انتهاء نظام الأسد بشكل بديهي لأنه بوابة عبور إيران إلى المنطقة والممهد لعوامل وجودها وارتباط النظامين ارتباطا ايديولوجيا كاملا. العمل على إنهاء تنظيم داعش يدخل في السياق ذاته من إنهاء أقطاب الإرهاب المتعددة التي كان الصراع بؤرة خصبة لانتشارها في المنطقة في العقد الأخير.
ويتطلب إيجاد حل سياسي في المنطقة توافقاً بين المحاور المؤثرة في العملية السياسية كما يتطلب وضوح الرؤية وإيجاد آلية فاعلة لإدراج المجتمع المدني السوري في صنع وتطبيق الحل بما يحقق مصالح السوريين ولا يتعارض مع ما يحقق الأمن والإستقرار في المنطقة ليكون عامل ارتكاز لاستمرارية أي حل سياسي.

س- دكتورة سميرة، ما موقع وضع المرأة السورية في أجندة العملية السياسية؟

ج- لا يزال وجود النساء السوريات في العملية السياسية غير كاف أو فاعل، كذلك تغيب عن أجندة العملية السياسية أولوية إدراج صوت ورؤى السوريات عن مستقبل سوريا ويتطلب ذلك إدراكا ووعيا لأهمية وجود النساء السوريات، وهذا التوجه ليس كماليات بل هو أساس التقدم المتوازن للعملية السياسية ولمستقبل سورية.

س- بمقابل التمثيل القوي للمرأة السورية في اللجنة الدستورية، يشهد تمثيل المرأة على أرض الواقع تراجعًا في المجالس المحلية والتنسيقيات.. ما أسباب تراجع التمثيل النسائي في ميدان السياسة السوري؟ ومن قبل، ما هي أسباب تردد النساء السوريات في دخول العمل السياسي بعد انطلاق الثورة منتصف مارس 2011؟

ج- يعود تراجع تمثيل المرأة في العمل السياسي السوري إلى مسببات ترتبط بعادات وتقاليد مغلوطة ذات مرجعية مجتمعية وثقافية لا تتقبل عمل النساء بالفضاء العام مما يؤدي إلى تردد النساء السوريات أنفسهنّ عن الإنخراط بهذا المجال الذي يتطلب مواجهة مفاهيم مغلوطة وتقويمها إضافة إلى الإنحرافات الموجودة في الوسط السياسي السوري من تشهير وعدوانية تحاول عبرها الأطراف النابذة للتنوع الجندري أن تقصي النساء عن العمل في مواقع اتخاذ القرار إلا ضمن شروط هيمنة إيديولوجية تقيد الفكر المستقل للنساء السوريات، لكن وبرغم ذلك فالنساء السوريات يتقدمن بسرعة في مجال الاستقلالية الفكرية والسياسية برغم غياب مؤسسة نسوية سياسية قادرة فعلياً على دعمهنّ وحمل آرائهنّ السياسية للتنفيذ.

س- ألا تعتقدين أنّ سورية ستعيش أزمة هوية وتعايش، في مرحلة ما، بعد كلّ الدمار الذي أحاق بالجغرافيا السورية؟

ج- سورية تعيش فعلياً اليوم أزمة هوية نابعة عن تجاهل مستمر للهوية التعددية السورية منذ قرن من الزمن، ويعيش السوريون اليوم أزمة تعايش أيضاً وهى أمر بديهي بعد نصف قرن من التحفيز الطائفي والقومي ذي الأبعاد العنصرية المعادية لأي تنوع.. أعتقد أن علينا التوجه بداية نحو بناء الوجود المشترك والمصالح المشتركة والأهداف المرحلية المشتركة من تحقيق الإستقرار والأمان وتعزيز الوجود الطبيعي للهوية التعددية التي تعكس واقع سورية والمنطقة.
وبخصوص الإسلام السياسي فقد ثبت فشله في تحقيق المواطنة المتساوية في كافة الدول التي وصل فيها إلى الحكم وكانت ممارساته مطابقة لممارسات النظم القمعية ورفضها الجيل الشاب الذي كان له الفضل في رفع راية التغيير في المنطقة، فكلا القطبين يشكلان منظومة واحدة قيّدت الشعوب عن التطور والتقدم وأدت إلى التجهيل والتقهقر على كافة الصعد السياسية والإجتماعية والإقتصادية والتعليمية فكانت نظماً منتجة للإرهاب ومروجة له، من هذا المنطلق لا أخشى من إمكانية وصول حكم الإسلام السياسي في سورية لأن الوعي الشاب تزايد وأدرك الساعون إلى مستقبل أفضل أن التغيير الذي سيسمح فعلياً بتحقيق أهدافهم بحياة كريمة يجب أن يقطع بشكل كامل مع أطر المنظومة القديمة بكافة أقطابها الإيديولوجية الدينية والقومية والشعاراتية التي استنزفت الشعوب لعقود ولم تقدم لها أي استقرار ورفاهية.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد