2018.. عام التراجع الكبير لتنظيم “داعش” في سورية

34

واصل تنظيم “داعش” الإرهابي تراجعه في عام 2018، حيث لم يعد يسيطر إلا على أقل من 1% من مساحة سورية بعد أن كان خلال عامي 2014 و2015 يفرض سيطرة مطلقة على أكثر من نصف البلاد.

ويوشك التنظيم على فقدان ما تبقّى له من معاقل في شرق سورية، ليتحول مسلحوه إلى “ذئاب منفردة” في البادية السورية مترامية الأطراف، إذ لم تعد لديه القدرة على تغييرمعادلات الصراع  بسورية.

وكانت للتنظيم بؤر سيطرة في سورية خسر أكثرها في عام 2018 بصفقات هنا ومعارك هناك، لا تزال تطرح أسئلة عميقة عن أسباب ظهور هذا التنظيم الذي كان خنجرا في خاصرة الثورة السورية، إذ تحول التنظيم وفصائل أخرى متطرفة تدور في فلكه إلى مدخل واسع لقوى إقليمية ودولية الى سورية.

وفقد التنظيم خلال عام 2018 معاقله البارزة في جنوب العاصمة السورية دمشق بعد سنوات من سيطرته عليها، حيث خرج مسلحو التنظيم في أيار/مايو من مخيم اليرموك وحي الحجر الأسود جنوب دمشق بعد سنوات من سيطرتهم على الحيين، في صفقة غير معلنة مع النظام، منتقلين إلى مناطق سيطرة التنظيم في البادية السورية، جنوب شرق محافظتي حمص ودير الزور بعد شهر من حملة عسكرية عنيفة كبدت التنظيم خسائر فادحة، ولكنها انتهت بدمار كبير طاول الحيين وخاصة مخيم اليرموك الذي كان بمثابة عاصمة للشتات الفلسطيني.

وكان وجود “داعش” و”جبهة النصرة” ذريعة النظام وحلفائه لتدمير جنوب دمشق وقتل وتشريد أهله في سياق مخطط كبير يستهدف إعادة هندسة العاصمة ديمغرافيا بما يساعد على تغيير هويتها.

ونُقل نحو ألف مسلح من التنظيم إلى البادية السورية مترامية الأطراف بحماية من قوات النظام، حيث اتضحت لاحقا غاية النظام من عقد صفقة مع التنظيم الذي نفذ في أواخر يوليو/تموز هجوما غير مسبوق اعتبر الأقسى على مدينة السويداء وريفها الشرقي. أدى هذا الهجوم إلى مقتل أكثر من 200 مدني بينهم نساء وأطفال في يوم أطلق عليه السوريون صفة “الأسود”.

وأخذ عناصر التنظيم بعد انسحابهم رهائن يقدر عددهم بنحو 40 من قرية الشبكي، معظمهم من النساء والأطفال باتجاه مناطق تمركز التنظيم في البادية الشرقية، كما قام مسلحو التنظيم بحرق بعض البيوت والقيام بعمليات اغتصاب قبيل انسحابهم. وجرى إطلاق الرهائن في تشرين الثاني/نوفمبر بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف على خطفهم في صفقة لم تعرف تفاصيلها ولكن كان للجانب الروسي الدور الأكبر في إبرامها. 

وهدف النظام إلى إرهاب الدروز في السويداء لدفع عشرات الآلاف من الشباب من المحافظة إلى الخدمة في جيش النظام الذي يعاني من نقص كبير في العدد، مذكرا إياهم بهذا اليوم الذي لم تعشه المحافظة الجنوبية منذ بدء الثورة على النظام في عام 2011. وبعد ذلك تمركز مقاتلو التنظيم في منطقة “تلول الصفا” الوعرة في ريف السويداء الشرقي حيث خاض معارك استنزاف مع قوات النظام على مدى أشهر.

وفي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت قوات النظام والمليشيات المساندة له، السيطرة بشكل كامل على منطقة “تلول الصفا” بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر من المعارك المتواصلة في منطقة جغرافية شديدة الوعورة، تكبد خلالها النظام أكثر من 500 قتيل بينهم 50 ضابطا، بالإضافة إلى عشرات القتلى من فصائل المصالحات والمليشيات الأخرى. وفي منتصف عام 2018 طوى النظام صفحة التنظيم المتشدد في جنوب سورية، إذ سيطرت قواته في بداية آب/ أغسطس بشكل كامل على منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي القريبة من الشريط الحدودي مع الجولان المحتل، والحدود مع الأردن والتي كان يسيطر عليها فصيل “جيش خالد” التابع لـ”داعش” بعد معارك لم تستمر طويلا قتل خلالها عدد كبير من مسلحي التنظيم، وأقدمت قوات النظام حينها وفصائل تابعة للمعارضة عقدت مصالحات مع النظام على إعدام العشرات من “جيش خالد” وأفراد من عوائلهم، حاولوا الخروج نحو شرق حوض اليرموك.

وسيطر تنظيم “داعش” على نصف مساحة سورية خلال عامي 2014 و2015 مهددا مدنا كبرى منها حمص قبل أن يبدأ بالتراجع ابتداء من عام 2016، ليوشك في عام 2018 على الاضمحلال كليا من الجغرافيا السورية. ولم يبق للتنظيم إلا جيب صغير في ريف دير الزور الشرقي شمالي نهر الفرات يضم عدة قرى وبلدات تكاد تخرج عن سيطرته هي الأخرى.

ففي منتصف كانون الأول/ديسمبر من عام 2018، سيطرت “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) على بلدة هجين في ريف دير الزور الشرقي، والتي كانت معقله الرئيسي في سورية، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المعارك الشرسة التي استخدم خلالها طيران التحالف الدولي سياسة الأرض المحروقة معيدا سيناريو الرقة والموصل الدموي الذي تسبب بمقتل الآلاف من المدنيين وتدمير المدينتين بشكل كبير. 

وقتل طيران التحالف المئات من مدنيي دير الزور الشرقي للقضاء على التنظيم الذي ضاق الخناق عليه، وربما لم يعد أمام مسلحيه إلا القتال حتى النهاية التي يبدو أنها باتت وشيكة. كما سيطرت “قسد” خلال الشهر الأخير من عام 2018 على كامل الحدود السورية – العراقية الممتدة بين القامشلي والبوكمال شرق هجين في ريف دير الزور الشرقي، لتضيق الخناق على التنظيم في الجيب الأخير الخاضع لسيطرته شرقي نهر الفرات.

وتواصل “قوات سورية الديمقراطية” ضغطها العسكري على فلول التنظيم في ريف دير الزور الشرقي حيث من المتوقع ألا ينتهي العام دون إعلان القضاء على التنظيم في هذا الريف المنكوب الذي يخوض فيه التنظيم معركته الأخيرة في الجغرافيا السورية.

وكان تنظيم “داعش” قد سيطر على هذا الريف في منتصف عام 2014 في ذروة اندفاعة أدت إلى سيطرته على نحو نصف مساحة سورية، وطرد فصائل تتبع للمعارضة السورية من محافظة دير الزور كلها، فوضع يده على ثروة نفطية هائلة كانت سببا مباشرا لبقائه طيلة سنوات. وكان التنظيم يسيطر على معظم محافظة دير الزور ثاني أكبر المحافظات من حيث المساحة التي تبلغ أكثر من 30 ألف كيلومتر مربع، قبل أن تسيطر قوات النظام ومليشيات مرتبطة بالحرس الثوري الايراني على المدينة وريفها الشرقي جنوبي نهر الفرات أواخر عام 2017.

وبقي للتنظيم خلايا متحركة وأخرى ثابتة في البادية السورية عناصرها أشبه بـ”الذئاب المنفردة” التي لا تجمعها قيادة واحدة تغير بين فترة وأخرى على قوات النظام خاصة في محيط مدينة تدمر في وسط البادية وفي بادية دير الزور الواسعة.

ومع انتهاء معارك ريف دير الزور الشرقي تطوى صفحة تنظيم “داعش” حيث تدل المعطيات العسكرية أن التنظيم لم تعد لديه القدرة على تغيير معادلات الصراع على سورية التي بات خارجها خلال عام 2018 الذي كان عام التبدل الكبير في معادلة السيطرة الميدانية  بين مختلف قوى الصراع في البلاد المنكوبة.

أمين العاصي
المصدر: العربي الجديد