3 احتمالات خليجية.. أبعاد الاتفاق السعودي الإيراني على سوريا

47

يُطلق الاتفاق الموقّع بين السعودية وإيران تساؤلات بشأن ما إذا كان سيلقي بظلال على ملفات إقليمية، من بينها سوريا، وخاصة بعدما صدرت بشأنها خلال الأيام الماضية سلسلة مواقف مستجدة كررها لأكثر من مرة وزير خارجية المملكة، الأمير فيصل بن فرحان.

وعقب الإعلان عن الاتفاق، الذي رعته الصين، قال بن فرحان في تصريحات تلفزيونية إن “الوضع القائم في سوريا غير قابل للاستدامة، وإن أي مقاربة جديدة ستتطلب حوارا لا محالة مع حكومة دمشق”، مضيفا: “لا بد أن نجد سبيلنا لتخطي التحديات التي يفرضها الوضع القائم، فيما يتعلق باللاجئين والوضع الإنساني داخل سوريا”.

وجاءت هذه العبارات استكمالا لأخرى رددها الوزير السعودي، بعد كارثة الزلزال المدمّر في سوريا وتركيا، وبالتزامن مع محاولات دول عربية إعادة التواصل مع النظام، والحديث عن محاولات إعادة دمشق إلى الجامعة العربية، إذ قال، الأسبوع الماضي، إن “زيادة التواصل مع سوريا قد يمهد الطريق لعودتها إلى جامعة الدول العربية، لكن “من السابق لأوانه” في الوقت الحالي مناقشة مثل هذه الخطوة.

وتعتبر إيران أحد أبرز حلفاء النظام السوري، وكانت قد ساندته عسكريا منذ عام 2012 على الأرض، من خلال الميليشيات التي زجت بها على الأرض، وسياسيا من خلال منصة “أستانة” ومسارات أخرى.

في المقابل تعد السعودية من الدول المؤيدة للحل السياسي في سوريا بموجب القرار الأممي 2254، وكانت قد أبدت على مدى السنوات الماضية دعمها للمعارضة السورية، في وقت كانت تواصل فيه قطع العلاقات مع نظام الأسد، وتتوجس من الدور الإيراني هناك.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان التحول الحاصل سيؤدي إلى انفراج عميق أو دائم بين الرياض وطهران، لكن وسائل إعلام غربية أشارت، خلال اليومين الماضيين، إلى أن “هناك دلائل على أن كلا البلدين يريدان إيجاد طريقة للتراجع عن المواجهة”.

وذكرت وكالة “أسوشيتد برس” في تقرير لها، السبت، أن الاتفاق بين إيران والسعودية قد يكون له آثار واسعة النطاق في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، ويقلل من فرصة نشوب صراع مسلح بين الخصمين الإقليميين، في وقت ألقت نظرة على بعض البلدان التي قد تتأثر بعدما تجددت العلاقات بين البلدين، من بينها سوريا.

واعتبرت الوكالة أن “الاتفاق الدبلوماسي قد يجعل من المقبول بالنسبة للرياض التفاعل مع بشار الأسد، ويزيد من تقوية قبضته المستبدة”، وهي توقعات يرى مراقبون أنها قد لا تكون على المدى المنظور، ولا سيما أن الملف السوري “ثانوي وليس أولوية” عند الحديث عن انعكاسات الاتفاق السعودي – الإيراني.

أولوي أم ثانوي؟

ومنذ السادس من شهر فبراير الماضي – أي تاريخ حدوث كارثة الزلزال المدمّر في تركيا وسوريا – كان لافتا التحوّل الذي طرأ على صعيد المواقف العربية حيال النظام السوري المعزول دوليا.

وعلى اعتبار أن “التحوّل” يندرج ضمن “دبلوماسية الكوارث”، حسب مراقبين، إلا أنه لا يمكن فصلها عن المساعي “القديمة الجديدة” لإعادة سوريا إلى “الحضن العربي”، وبالتالي فتح أبواب “الجامعة العربية” أمام النظام السوري.

ورغم الخطوات التي أقدمت عليها كل من الأردن وسلطنة عمان والبحرين والإمارات، ومؤخرا مصر، كانت الأضواء قد انعكست على نحو أكبر على موقف السعودية، وحتى أنها تسّلطت مجددا بعد الاتفاق المعلن بين الرياض وطهران.

ويرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الإمام، الدكتور عبد الله العساف أن “الاتفاق بين المملكة وإيران مهم جدا وسيلقي بظلاله الإيجابية على ملفات المنطقة بشكل عام، ومنها الملف السوري”.

لكن ومع ذلك يقول العساف لموقع “الحرة”: “لا نعتقد أن هناك توافق تام حول كل الملفات. هناك اتفاق على الخطوط العريضة، ولا يوجد تفاصيل للاتفاق بكامل وأبعاده”.

وبينما يشير أستاذ الإعلام السياسي أن “الملف اليمني سيحصل على النصيب الأوفر من الاتفاق المعلن”، يتوقع أن “يكون هناك بعض التفاهمات بشأن الملف السوري”، موضحا: “من الجانب السعودي: سيكون على سوريا إغلاق معامل الكبتاغون ومزارع الحشيش وإخراج الميليشيات الأجنبية، في مقابل عودة سوريا للحاضنة العربية وحضورها القمة، ربما على مستوى وزير الخارجية في هذه المرحلة”.

وفي مرحلة لاحقة “سيكون هناك لقاءات بين بشار الأسد وبين الزعماء العرب أو بين المسؤولين السعوديين”، على أن يتم “التوافق أيضا على وحدة سوريا والعودة لمخرجات جنيف”.

ويضيف العساف: “بينما سيكون الحوثي شريكا في حكم اليمن ستكون المعارضة شريكا في حكم سوريا أيضا. ربما هذه أبرز الملاحظات حول الاتفاق السعودي الإيراني”.

من جهته يعتقد الباحث المختص بالشؤون الإيرانية، محمود البازي أن “الملف السوري يبدو أنه ثانوي للعديد من الدول”.

ويرتبط تغيّر موقف الرياض بشأن سوريا، بكارثة الزلزال، إذ اتجهت في أعقابها للحديث “عن محاولة إيجاد حل للأزمة”.

ويقول البازي لموقع “الحرة: “أعتقد بأن الملف السوري سيكون في آخر قائمة الملفات التي تناقشها إيران والسعودية. حيث تعطى الأولوية للملف اليمني وضرورة التفاهم حول حل نهائي لأن ذلك يؤثر على الأمن القومي السعودي”.

وبعد اليمن يأتي الملف اللبناني في مسألة اختيار رئيس للبلاد، ثم الملف العراقي وضرورة ترسيم خريطة النفوذ، وصولا إلى النهاية بالملف السوري، حيث “ستسعى طهران لتطبيع العلاقات السورية السعودية، ومحاولة كسب الضوء الأخضر السعودي لعودة سوريا إلى الجامعة العربية”، وفق البازي.

“على الخريطة.. ولكن”

ولطالما سعت دول عربية من بينها الإمارات، خلال السنوات الماضية لتبديد حالة العزلة العربية التي تحيط بالنظام السوري، منذ اندلاع الحرب الدامية، وفي حين لم يطرأ أي تطور على صعيد تبديد هذه الحالة خلال الأشهر والسنوات الماضية، فإنه لم يكن هناك إجماع على عودة دمشق للجامعة العربية.

وجاءت كارثة الزلزال لتعيد فتح الأبواب الموصدة، في وقت كثر الحديث عن محاولات يقابلها تمهّل وحذر، وهو ما ينعكس على موقف الرياض.

ومن المقرر أن تستضيف السعودية القمة العربية 2023، حسبما أعلن وزير الخارجية السعودي، في ختام أعمال الدورة الـ31 للقمة العربية التي انعقدت في الجزائر في ديسمبر 2022.

ولا يعتقد الدبلوماسي السوري السابق، بسام بربندي أن “التصريحات السعودية تعكس تغيّرا تجاه النظام السوري، بقدر ما ترسل له الشروط التي تحدثت عنها كل الدول العربية”.

ويقول بربندي لموقع “الحرة”: “المشكلة السورية هي بين النظام السوري وشعبه. في حال لم يكن هناك حل لهذه المشكلة لن يكون هناك طريق لإعادة سوريا إلى أي مكان عالمي”.

ويؤكد أن “الطرف السعودي يرسل مرة أخرى رسالة مباشرة وصريحة للنظام بأن طريق عودتك تكون بخطوات، ليس باتجاهنا بل باتجاه شعبك. هذه الرسالة الواضحة ونقلها له العمانيون والمصريون والإماراتيون”.

ويضيف الدبلوماسي السوري السابق: “الموضوع ليس بين الرياض ونظام الأسد. هناك شروط موجهة للأخير بضرورة حل المشاكل مع الشعب، ومنع الإرهاب ووجود حزب الله والحرس الثوري الإرهابي والأحزاب الانفصالية ومنع تهريب المخدرات”.

فيما يتعلق بمدى انعكاسات الاتفاق السعودي-الإيراني على سوريا، وعلاقة الرياض بدمشق يشير بربندي إلى أن “اليمن تتصدّر الأمر وليس سوريا كأولوية”، كما أن هناك ملفات أخرى مثل النووي والنفط.

ومع ذلك لا يعني ما سبق أن سوريا ليست موجودة على الخريطة، بينما يضيف بربندي أن “الأولوية بعد الاتفاق بين طهران والرياض هو الإعلام ثم اليمن ومن ثم الحشد العسكري في الخليج العربي سواء الإيراني أو الغربي”.

ولا يمكن القول إن الاتفاق السعودي الإيراني سينعكس مباشرة على سوريا سياسيا، ولا يراه الدبلوماسي السوري السابق “على المدى القريب”.

ويتابع: “يمكن إذا تحسنت العلاقات بعد 6 أشهر أن نرى انعكاسا على سوريا. لكن بعد الاتفاق على شيء بخصوص اليمن. قد تكون سوريا نتيجة لاحقة في حال استمرت الخطوات الإيجابية”.

وذلك ما يشير إليه أيضا الباحث في الشؤون الإيرانية البازي، بقوله: “أعتقد أن أبعاد المصالحة الإيرانية السعودية على الملف السوري ستأخذ وقتا أطول لثانوية الملف”، معتبرا أن “تغيّر الموقف القطري من سوريا سيكون أصعب من تغيير الموقف السعودي”.

“3 احتمالات خليجية”

والنظام السوري معزول إلى حد بعيد عن بقية العالم العربي في أعقاب الحملة الدامية التي شنها على الاحتجاجات المناهضة لحكم بشار الأسد في 2011.

وعلى إثر ذلك قبل 12 عاما علّقت الجامعة العربية عضوية سوريا، في وقت سحبت العديد من الدول العربية مبعوثيها من دمشق، على رأسها السعودية.

لكن، وفي أعقاب الزلزال المدمّر استفاد النظام السوري من تدفق الدعم من الدول العربية، فيما كان حريصا على تقديم نفسه على أنه يتمتع بالشرعية الدولية، وسلط الضوء على جميع رسائل التعازي التي تلقاها من قادة العالم جراء الكارثة.

ويشرح رئيس “المنتدى الخليجي للأمن والسلام”، الدكتور فهد الشليمي أن “سوريا لن تدخل إلى الجامعة العربية إلا بإجماع عربي، لأن هذا هو ما ينص عليه ميثاق الجامعة: أي قرار يجب أن يكون قرار بالإجماع بكافة الأعضاء”.

وحتى الآن “هناك العديد من الدول العربية تتمنع لعدم عودة سوريا”، ومع ذلك فإن “الكل ينظر إلى المأساة السورية والحرب الأهلية القائمة وتشتت الثورة السورية، ويريدون إنهاء المعاناة”.

يقول الشليمي لموقع “الحرة” إن كارثة الزلزال كانت بوابة إنسانية ومدخلا للحلول السياسية، ويعتقد أنه وفي الوقت الحالي “تنحصر الاحتمالات الخليجية بشأن سوريا في 3 أشياء”.

الاحتمال الأول: “إما تنحي رأس النظام السوري”، وهو ما يراه الشليمي “صعبا في الوقت الحالي، خصوصا مع عدم وجود قوّة على تغييره خلال السنوات التي عشناها، في مقابل الدعم الروسي والإيراني والآخر الصامت مع الصين، وفي ظل الاختلاف الحاصل بين الأوروبيين والأمريكان والروس”.

ولذلك يأتي “الاحتمال الثاني”، والمبني على الظروف الحالية بأن “يتطور النظام السوري، ويقدم عفوا ملمواسا وواضحا ومحايدا، وتحت إشراف جهات دولية وإبداء نوايا كثيرة”.

ويضيف الشليمي: “النظام السوري يحتاج للعرب والمانحين. هو أمام اقتصاد متهاوٍ وشعب ممزق وانشقاق وتمزق اجتماعي و7 مليون لاجئ و4 مليون نازح في سوريا وخارجها. بالتالي حتى النظام يريد أن يحسن صورته ويتلهف للعودة العربية”.

في غضون ذلك يرى المتحدث احتمالا ثالثا يذهب إلى “مشاركة النظام في سوريا، أي أن تكون مجموعات المعارضة مشاركة في صنع القرار السوري. هذا الطرح يمكن أن يصعب هضمه على النظام في سوريا، لكن هناك أثمان يجب أن يدفعها”.

ويعتقد أن “الصيغة الأفضل والمقبولة عربيا ودوليا: هي الشعب يريد تطوير النظام. إلغاء الرقابة والأمن والمحاسبة وعدم العمل بالنظام القديم وبالتالي يكون هذا حلا مقبولا لدى مجلس الأمن والأوروبيين، مع أخذ ضمانات لسلامة اللاجئين عند عودتهم”.

“السعودية مع تطوير النظام ودول الخليج، كذلك. النظام السوري لن يعود إلى  الجامعة إلا بموافقة جميع الأطراف كلها. هي مهمة صعبة عليه، لأنها مرهونة بتصويت بلد واحد بـ(ضد)”، وفق الشليمي.

————————————————————-

المصدر: الحرة

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.