4 تحولات مرتقبة في المشهد السوري بعد قمة طهران الثلاثية

يبدو أن المشهد السوري سيعرف تحولات مهمة في المدى المنظور، على ضوء نتائج قمة طهران الثلاثية التي عُقدت في 18 يوليو/تموز الحالي، بين الرؤساء الإيراني إبراهيم رئيسي والروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

وأبرز التطورات المرتقبة هو التسخين المحتمل ضد الوجود العسكري الأميركي في منطقة شمال شرقي سورية، والتداعيات المترتبة عليه سياسياً وميدانياً، بعد تخلي إدارة الرئيس جو بايدن عن المبادرة في سورية لصالح روسيا وإيران.

والتحول الثاني هو رجحان حسم ثنائية مساري أستانة وجنيف، والاتجاه نحو الإبقاء على الأول آليةً لإدارة الوضع من قبل الدول الضامنة الثلاث، وطي صفحة الثاني، الذي لم يحقق تقدماً بعد جولات عديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية، ولكنه أدى الغرض منه لجهة تمكين روسيا من كسب الوقت.

والتحول الثالث هو إمكانية التقارب بين النظام السوري وتركيا، وهو ما تعمل عليه إيران منذ عدة أشهر، وبرز خصوصاً في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى أنقرة في 27 يونيو/حزيران الماضي، ثم إلى دمشق في 3 يوليو الحالي ولقائه مع رئيس النظام السوري بشار الأسد.

والتحول الرابع هو مصير التفاهمات الروسية الإسرائيلية، الخاصة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في سورية، والتي شهدت تغيراً بارزاً في الموقف الروسي بعد الحرب على أوكرانيا.

وخرقت موسكو جدار الصمت الذي دام عدة أعوام، وبدأت خطوات دبلوماسية ضد الضربات الإسرائيلية.

اتجاهات التحولات الأربعة في سورية

وتبعاً لهذه الاتجاهات، يمكن الحديث اليوم عن عدة أجندات خارجية واضحة في سورية: روسية، إيرانية، تركية، وإسرائيلية. وما يميز هذه الأجندات أنها تتقاطع في بعض الأهداف وتتعارض في أخرى، ولا يلغي التوافق في الأهداف تعارضاً في الأجندات.

وتؤدي روسيا دور المحرك للوضع السوري، الذي استثمرت فيه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً طيلة الأعوام السبعة الأخيرة التي تلت تدخلها العسكري المباشر في سبتمبر/أيلول 2015، وحان الوقت كي تجني بعض الثمار.

وبدلاً من أن توظيف المسألة السورية ضدها في سياق أوراق الضغط في حربها على أوكرانيا، اتجهت للهجوم في هذا الاتجاه، وكان هذا أحد أبرز أهداف مشاركة الرئيس الروسي إلى جانب نظيريه الإيراني والتركي في قمة طهران.

تقوم الأجندة الروسية في سورية على تمكين النظام السوري من السيطرة على كامل الجغرافية السورية، وحصل تطوير لها مع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، فدخلت سورية في حساب لعبة أوراق القوة الروسية والأميركية.

وتبعاً لذلك، دعمت الولايات المتحدة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، وفصيل “مغاوير الثورة” الموجود في قاعدة “التنف” الواقعة على المثلث الحدودي السوري الأردني العراقي، وتستخدمها القوات الأميركية قاعدة أساسية لمتابعة الحرب على “داعش” ومراقبة الحضور العسكري الإيراني في سورية.

كما جرى تزويد “المغاوير” بأسلحة نوعية جديدة كُشف عنها في المناورات التي أجراها الفصيل في الآونة الأخيرة.

وتقدمت الأجندة الروسية خطوة أكبر في قمة طهران الثلاثية، من خلال طرح مطلب خروج القوات الأميركية من سورية.

ويعني ذلك مئات الجنود الذين ينتشرون في “التنف”، ومناطق شرق الفرات في محيط مدينة الزور في قاعدة حقل العمر النفطي، ومناطق ريف الحسكة في الشدادي ورميلان وعامودا.

وتهدف موسكو من وراء ذلك إلى بسط نفوذ النظام على هذه المناطق، بما في ذلك استغلال الثروات النفطية والغازية الموجودة فيها والتي تشكل عماد الثروة البترولية السورية.

وإذا نجحت روسيا في ذلك، فإنها تكون قد أبعدت الولايات المتحدة من المنطقة عسكرياً، ما يشكل خسارة كبيرة للأخيرة بعد خروجها من العراق، وذلك في وقت يتجه التفكير الاستراتيجي الأميركي الجديد نحو تعزيز الحضور العسكري وليس الانسحاب.

وتُعدّ هذه القضية امتحاناً صعباً تقف أمامه “قسد”، التي تتلقى الدعم العسكري والمادي والتغطية السياسية من الولايات المتحدة، ويشكل الوجود العسكري الأميركي ضمانة لها، في حين أنها باتت ترتبط بعلاقات جيدة مع كل من موسكو وطهران، وهما لا تريان فيها خطراً.

ولهذا باتت “قسد” تنتشر مع قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية الداعمة له في المناطق نفسها في شمال وشرق سورية، التي تخضع في المجمل لإشراف روسيا، ما يضع تركيا في جانب وروسيا وإيران في جانب آخر.

وستكون هذه المسألة محورية في تطورات الشأن السوري خلال الفترة القريبة المقبلة، بعد أن وضعتها موسكو على جدول أولويات قمة طهران، مستفيدة من الخلافات الإيرانية ـ الأميركية والتركية ـ الأميركية.

وتلتقي طهران مع موسكو عند قضية إعادة تأهيل النظام ولعب الورقة السورية بما يحسن شروط التفاوض الإيرانية في ما يخص الاتفاق النووي.

كما تبدو أنقرة أقرب إلى موقف موسكو منها إلى واشنطن، وتعتبر أن الدعم الأميركي هو السبب الأساسي في تنامي مشروع “قسد” في شمال شرق سورية، وسيطرتها على ثلث مساحة سورية في محافظات الرقة، ودير الزور، والحسكة.

وجرّبت تركيا العديد من أوراق الضغط على الولايات المتحدة من أجل وقف الدعم عن “قسد” وغض الطرف عن عملية عسكرية تركية لتقويض دعائم مشروعها، ولكن إدارة بايدن تصرفت عكس سابقتها، التي أعطت أنقرة الضوء الأخضر للقيام بعملية “نبع السلام” في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وكانت نتيجتها إبعاد قوات “قسد” من رأس العين وتل أبيض.

وتقود موسكو عملية استعادة سيطرة سلطة النظام السوري على منطقة شمال شرقي سورية، وتساندها طهران كلياً في هذا المسعى.

ولذلك لم تتأخر في استقبال وزير خارجية النظام فيصل المقداد في طهران في 20 يوليو الحالي، وكان عنوان الزيارة إخراج القوات الأميركية من سورية، ولا يبدو أن الهدف منها سياسي فقط، بل احتمال تحريك الوضع عسكرياً.

وفي ما يخص الجانب السياسي، فإن المطروح على جدول الأعمال هو تسريع المفاوضات بين “قسد” والنظام السوري، والتي تجرى برعاية روسية وتنسيق مع إيران، من أجل تعزيز التقارب بين الطرفين على الأرض، الذي تقدم على نحو ملحوظ في يونيو الماضي، مع دفع قوات النظام بتعزيزات عسكرية إلى مناطق نفوذ “قسد”، بأرياف حلب والحسكة، لدعمها ضد العملية العسكرية التركية المحتملة شمالي سورية، وفقاً لما نشرته قوات “الدفاع الوطني” الرديفة لقوات النظام السوري.

وانتشرت القوات في مناطق منبج وتل رفعت شمالي محافظة حلب، إضافة إلى مجموعات أخرى انطلقت باتجاه محافظة الحسكة، وهو ما أكدته شبكات محلية موالية لـ”قسد”.

ودخلت إسرائيل سراً على خط هذه القضية، وضغطت على إدارة بايدن حتى تضغط بدورها على تركيا لئلا تشن حملتها العسكرية في الشمال السوري ضد “قسد”، بحسب ما ذكره مسؤولان إسرائيليان لموقع “أكسيوس”.

وأفاد الموقع بأن إسرائيل ترى في قوات “قسد” حليفاً ضد النفوذ الإيراني المتزايد في سورية، ولذلك بقيت تدعمها طوال السنوات الماضية، سواء دبلوماسياً أو بوسائل أخرى.

وهذا ما دفع إيال حولاتا، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، لإخبار نظيره الأميركي جيك سوليفان بأن أي حملة عسكرية تركية جديدة في الشمال السوري، لا بد أن تضر بـ”قسد” بشكل كبير، وهذا ما ستستفيد منه إيران على المدى البعيد، بحسب ما ذكره المسؤولان الإسرائيليان.

ويأتي ذلك بعد اهتزاز التفاهمات الروسية الإسرائيلية في سورية بسبب مواقف إسرائيل من الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي لم تكن على هوى موسكو.

وبعد سنوات من غض النظر عن الضربات الإسرائيلية، توجهت روسيا إلى مجلس الأمن الدولي في 20 يونيو الماضي بطلب إصدار قرار يستنكر الهجوم الإسرائيلي على مطار دمشق، الذي تسبب في تعطيل العمل فيه عدة أيام.

الكرملين يندد بالقصف الإسرائيلي في سورية

وقالت موسكو في الطلب إن القصف الإسرائيلي المستمر على أهداف في سورية يشكل خرقاً للقانون الدولي وعملاً غير مسؤول ولا يمكن القبول به.

ولأول مرة تستخدم موسكو هذه اللهجة، وذهبت حتى استدعاء سفير إسرائيل في روسيا، أليكس بن تسفي، إلى اجتماع في وزارة الخارجية الروسية لتقديم مزيد من التفاصيل حول القصف.

وأكد نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف أن الكرملين لن يسمح بأن تصبح سورية ساحة معركة لدول أخرى.

وتكرر الموقف الروسي في غضون أسبوعين، عندما وصفت وزارة الخارجية الروسية، في 4 يوليو الحالي، الضربات الإسرائيلية على طرطوس بأنها “غير مقبولة”، وطالبت بـ”وقف غير مشروط” للهجمات.

مع العلم أن الاعتداءات الإسرائيلية على سورية مستمرة منذ تسع سنوات. ويبدو أن اعتراض روسيا مرتبط بموقف إسرائيل المؤيد للغرب في ما يتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا.

ورداً على ذلك، أبلغت موسكو إسرائيل أن هذا الموقف قد يعني أن طائراتها قد لا يُسمح لها باستخدام المجال الجوي السوري.

تشابك وتقاطع الأجندات على الأرض السورية يقود إلى مزيد من تعقيد وتصعيد الموقف الميداني، في وقت لا يبدو في الأفق أي مؤشر من أجل حل سياسي خارج مخططات روسيا ومشاريعها.

وكانت إحدى أبرز نقاط الاتفاق في قمة طهران أن منصة أستانة هي الأكثر فاعلية بين المبادرات التي يمكن أن تمهد الطريق لحل الأزمة السورية.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير الرسائل الروسية الموجهة إلى تركيا بعد قمة طهران، من خلال عمليات القصف التي طاولت مناطق تقع ضمن دائرة نفوذها، والهدف منها الضغط من أجل التقارب مع النظام.

المصدر: الشرق الأوسط