70 كلم المتنفس الأخير لتنظيم “الدولة الإسلامية” مع العالم الخارجي

70 كلم… المتنفس الأخير لتنظيم “الدولة الإسلامية” مع العالم الخارجي

زيارات لخلايا دولية، نقاط حدودية عسكرية لإيصال الإمدادات الطبية والمعدات القتالية، ورشاوى للسماح بانتقال المدنيين والتجار.

تمكن نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان من رصد وتوثيق التحركات على الحدود السورية – التركية في مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، بعد انحسار سيطرة التنظيم على شريط حدودي، كان يمتد على طول 250 كلم مع تركيا، وتقلص إلى 70 كلم، منذ مطلع العام الفائت وصولاً إلى صيفه، بعد دحر الوحدات الكردية مقاتلي التنظيم، من الضفة الشرقية لنهر الفرات، بالريف الشمالي الشرقي لحلب، بعد ما كان يسيطر على المنطقة الممتدة من غرب مدينة رأس العين (سري كانيه)، وصولاً إلى الريف الشرقي لمدينة اعزاز، مروراً بتل أبيض وجرابلس وأجزاء من مدينة عين العرب (كوباني)، واعتمد التنظيم على هذه الحدود حتى قبل خسارته لمساحات واسعة منها، في استحضار آلاف المقاتلين من جنسيات عربية وأمريكية وأوربية واسترالية وأفريقية، بالإضافة إلى تدفق مئات السوريين الذين التحقوا بتنظيم “الدولة الإسلامية” قادمين من دول كانوا قد لجأوا إليها في وقت سابق، بالإضافة للمتواجدين داخل تركيا، كما استخدم التنظيم الحدود، كوسيلة استراتيجية وتكتيكية في إدخال أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية ولوجستية.

شهود ومصادر ميدانية موثوقة، أكدت لنشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن ما تبقى من الحدود التركية مع مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا، تشهد رقابة غير مشددة من الجانب التركي، بالتوازي مع حراسة الحدود من قبل عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، فيما تشهد حدود مناطق سيطرة الفصائل والوحدات الكردية مع تركيا رقابة مشددة، تخللتها عشرات عمليات القنص التي أسفرت عن استشهاد عشرات المواطنين وإصابة آخرين بجراح، فضلاً عن الاعتداء على المواطنين الذين يحاولون الوصول إلى الجانب التركي أو العودة إلى الأراضي السورية.

كذلك رصد نشطاء المرصد السوري تقسيمات المنافذ في تنظيم “الدولة الإسلامية” مع تركيا، والتي تقسمت إلى 3 معابر غير رسمية، تخضع لرقابة من الجانبين التركي والسوري، وكل معبر مخصص لفئة معينة، يمرون عبره من وإلى تركيا، وكل في المعبر المخصص له، وهذه المعابر والنقاط هي::

  • النقطة الأولى وهي نقطة العبور العسكرية، أو “المعبر العسكري”، والتي أنشأها تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد تقلص مساحة سيطرته الحدودية مع تركيا، إلى نحو 70 كلم، وهي تقع قرب قرية الحلوانية، إلى الغرب من مدينة جرابلس التي يسيطر عليها التنظيم بريف حلب الشمالي الشرقي، والتي تتمتع على الجانب التركي بطبيعة وعرة، ويتم استعمال هذه النقطة في تمرير الحاجيات والمتطلبات الرئيسة للتنظيم من معدات لوجستية وعسكرية، بالإضافة للإمدادات الدوائية والطبية، وتشرف على هذه النقطة مجموعات عالية التدريب، ومرتبطة بقيادات التنظيم العليا.

  • النقطة الثانية وهي نقطة عبور العناصر، وخصصها التنظيم لعبور عناصره من وإلى الأراضي التركية، ويقع هذا المعبر قرب قرية حاجي ولي وصولاً إلى الأراضي الزراعية بجوار قرية باب ليمون بريف حلب الشمالي الشرقي،  ويطلق عليها محلياً “نقطة عبور باب الليمون”، حيث يخضع العنصر لإجراءات إدارية قبل خروجه من مناطق سيطرة التنظيم إلى الأراضي التركية، ويتم مغادرة عنصر التنظيم، بناء على سبب مقبول، يسمح على أساسه للعنصر بالخروج، كالذهاب للاستشفاء أو إكمال علاجه في مشافي بتركيا، ويحتاج العنصر إلى ورقة من “أميره” المباشر، بعدم وجود أي مانع من مغادرته، وتعتبر هذه الورقة بمثابة تزكية من أميره وضمانة بعودته عند انقضاء الفترة المأذون بها، ليتوجه بعدها العنصر إلى مقر “الولاية” ويحصل هناك على ورقة أذن عبور ممهورة بختم من الوالي، وتأخذ هذه الإجراءات يوماً واحداً في الغالب، يتوجه بعدها العنصر نحو المخفر الحدودي المسؤول عن نقطة العبور في باب الليمون، ويسلم ورقته هناك ليغادر بعدها إلى تركيا، وأثناء عودته من تركيا، يقوم المخفر الحدودي بإعادة ورقة الإذن التي سلمها العنصر إليه، قبيل مغادرته، ممهورة بتاريخ العودة وختم المخفر فيسلمها العنصر إلى مقر الولاية تأكيداً على عودته قبل التحاقه بمجموعته الأصلية، وفي هذه النقطة، علم نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن عناصر التنظيم المغادرين، يخضعون لرقابة خاصة أثناء عبورهم، منعاً لحالات تزوير الأذونات التي تمكن العناصر المنشقة عن التنظيم من الفرار والعبور من هذه النقطة الحدودية.

  • النقطة الثالثة وهي نقطة عبور المدنيين من مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا، باتجاه الأراضي التركية، والتي تقع بالقرب من قرى الشيخ يعقوب – عياشة – الراعي بالريف الشمالي الشرقي لحلب، وتخصص هذه النقطة لعبور المدنيين، والذين تم منعهم مؤخراً من الخروج إلى تركيا، إلا لبعض الحالات الاستثنائية، وبخاصة الحالات المرضية التي تتطلب العلاج، في مشافي خارج مناطق سيطرة التنظيم، حيث يتوجه الشخص لنقاط طبية محددة في مناطق سيطرة التنظيم، والتي بدورها تعطيه “ورقة إحالة” للعلاج في تركيا بعد التأكد من عدم مقدرتهم على علاجه في سوريا، ويذهب أقرباء المريض إلى مقر “الولاية” للحصول على ورقة ممهورة من الوالي لإبرازها للمخفر الحدودي الذي يقوم بدوره إيصالهم إلى أحد منافذ العبور الخالية من الألغام ويتركوهم يعبرون وحدهم، وفي نقطة عبور المدنيين، قد لا يحالف الحظ، المواطنين العابرين، فقد يتعرضون للاعتقال من قبل حرس الحدود التركي، والتي قد تقوم بسجنهم أو إعادتهم إلى النقطة التي قدموا منها، فيما شهدت الأشهر الأخيرة، نقصاً حاداً في عبور المدنيين، نتيجة تشديد الإجراءات على مغادرة المواطنين المدنيين، ورجحت مصادر موثوقة، أن يكون هذا التقليص في عبور المدنيين، باتفاق غير معلن بين التنظيم والقوات التركية، مقابل إعادة تفعيل النقطة العسكرية التي تم ذكرها سابقاً.

كذلك أبلغت مصادر أهلية نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن تنظيم “الدولة الإسلامية” عمد بعد تقلص سيطرته على المساحات الحدودية مع تركيا، وظهور حالات انشقاق بوتيرة غير مسبوقة، وحاجته للمحافظة على النقاط العسكرية الخاصة بعبور عناصره، عمد لزرع الشريط الحدودي بألغام، وترك مساحات خالية منها، وتم ذلك عبر خريطة واضحة يعرفها عناصر الشرطة الحدودية التابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

أيضاً رصد نشطاء المرصد السوري حالات استثنائية، للعبور من الجانب التركي إلى المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا، وهذه الحالات تميزت بعدم حاجتها، لإجراءات روتينية، يتبعها التنظيم مع المواطنين داخل مناطق سيطرته، وهذه الحالات تقسمت إلى 3 فئات رئيسة وهي::

أولاً:: عبور العناصر التابعة للجهاز الأمني في تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهؤلاء لا يخضعون لأية إجراءات رسمية، ويتم مغادرتهم، إلى تركيا ومن ثم عودتهم منها، بمرافقة عناصر من الجهاز الأمني، حيث يتم إيصالهم إلى النقاط الحدود الآمنة، ليتم عبورهم إلى تركيا، ومن ثم عودتهم بعد ذلك للالتحاق بعملهم.

ثانياً::  عبور الزائرين من “أنصار الدولة الإسلامية ومحبيها”، وهؤلاء تم رصد مجموعات منهم، قادمة من دول غربية وعربية، حيث يدخلون إلى مناطق سيطرة التنظيم، لمدة تقارب الأسبوعين، وهو ما يعرف بـ “زيارات لأرض الخلافة”، فيما رجحت مصادر، أن تكون بعض هذه الزيارات، عبارة عن تواصل مع خلايا للتنظيم، في دول أوربية وعربية، أو تلقي القادمين لتدريبات خاصة، ومن ثم العودة إلى بلدانهم التي قدموا منها.

ثالثاً:: عبور المواطنين والتجار، والذي يتم من خلال تزكيات من عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” لعبور أشخاص معينين، ممن هم على صلة وثيقة بهذه العناصر المتواجدة في المخافر والنقاط الحدودية، أو تلقي عناصر التنظيم لرشاوى تصل قيمتها إلى 500 دولار أمريكي، مقابل السماح لهؤلاء الأشخاص والتجار بالعبور.

وتأتي كل هذه الترتيبات الأمنية، لتوضع في دائرة الخطر، نتيجة العمليات العسكرية التي اقتربت من مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” بريفي حلب الشمالي والشمالي الشرقي، بعد تمكن قوات سوريا الديمقراطية من عبور نهر الفرات، ومحاولتها التقدم نحو مدينة منبج، وانتزاع السيطرة عليها من التنظيم، بالإضافة لمحاولة قوات النظام التقدم من جبهة مطار كويرس العسكري بريف حلب الشرقي، نحو بلدات دير حافر وتادف ومسكنة ومدينة الباب، والعمليات العسكرية التي يشهدها ريف حلب الشمالي، ومحاولة الفصائل إبعاد التنظيم وانتزاع قرى حدودية استراتيجية من نطاق سيطرته، وتبقى الأيام والأسابيع القادمة كفيلة، بالإجابة عن التساؤلات المطروحة، حول مدى تأثير المساحات الحدودية للتنظيم مع تركيا، على قوته في مناطق سيطرته داخل سوريا، ومدى استمرار بقائه فيها.