أطفال سوريا خلال عقد من الثورة: ضياع للحقوق ودمار للأحلام.. وقتل الطفولة وسرقة الحاضر.. والمستقبل مجهول

أعطونا الطفولة.. أغنية تعود للفنانة اللبنانية ريمي بندلي من إصدار عام 1984، أعادت غناءها طفلة سورية بنت التسع سنوات في أضخم البرامج التلفزية العربية منذ سنوات، تلك الفتاة التي أبكت ملايين العرب في مشهد حزين كئيب.. كانت صرخة استغاثة طفلة لم تستوعب بعدُ ماذا تعني الطفولة، لكن براءتها جعلتها تؤدي الأغنية بإحساس وعينين دامعتين لتنقل معاناة البراعم والصغار.. غنّتها بإحساس وحملت معاناة ملايين من الفتيات والفتيان الأطفال في سورية، بين مهجّرين ونازحين ومشرّدين… يردّدون من خلف أسوار مدمّرة: أعطونا الطفولة….

لم يكن أحد يتوقع أن الفئة التي ساهمت كتاباتها في إشعال فتيل الثورة السورية ستكون هي الفئة الأضعف والأكثر تضررا في الحرب التي تشهدها البلاد.

وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ انطلاقة هذه الثورة في الـ 15 من شهر آذار 2011 وحتى مطلع شهر آذار/ مارس 2021، استشهاد 22238 طفلا دون الـ18 عاما، وقد استشهد 17111 طفل على يد قوات النظام وطائراته الحربية وتحت التعذيب داخل معتقلات النظام..

وتضيف إحصائيات المرصد أنّ 2098 طفلا استشهدوا بقصف الطائرات الروسية، فيما استهدف973 طفلا بقصف طائرات التحالف، و197 طفلا على أيدي القوات التركية وطائراتها الحربية،و84 طفلا من قبل حرس الحدود التركي، و 1230 طفلا على أيدي الفصائل وقسد والجهاديين، و542 على يد التنظيم و3 أطفال على يد إسرائيل.

وقد بلغت الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في سورية أعلى مستوى لها على الإطلاق في العام 2020 بحسب أرقام المرصد، مقارنة بالسنوات السابقة، وارتفعت بشكل حادّ خلال العام الماضي حالات القتل والتشويه وتجنيد الأطفال الّتي تمّ التّحقّق من صحّتها، خلال تصعيد مهول في أعمال العنف في كافة أنحاء سورية برغم ادعاءات أطراف كثيرة وفي مقدمتها روسيا بانتهاء الحرب.

لم تقتصر الحرب على المتقاتلين بل طالت فئة الأطفال التي تعتبر الفئة الأكثر هشاشة وحساسية في أي مجتمع، حيث يعيش أطفال سورية الحرمان الحقيقي من حقوقهم الأساسية مثل التعليم والصحة والحماية من العنف، ليصبح هؤلاء الأبرياء الشريحة الأكثر تضررًا من الصراعات التي شهدتها سنوات الحرب الأهلية المستمرة في سورية منذ عام 2011، وقد تسرّب معظمهم عن التعليم لدعم أسرهم وإعالتها والتخفيف من همّ الحرب والجوع والعراء.

الأطفال هي الفئة الأكثر تضررًا من الحرب في سورية..

وأدّى الصراع المستمر في سورية إلى تفاقم تعطّل التعليم الذي يعيش التفكك الكامل، حيث لم تعُد واحدة من كل ثلاث مدارس داخل البلاد صالحة للاستخدام، بعد تعرّضها للدمار أو الضرر واستخدامها أحيانا لأغراض عسكرية من قبل النظام أو بعض الفصائل، حيث أصبحت هذه الفئة، التي تعتبر مستقبل سورية الغد، غير قادرة على الالتحاق بالمدارس، أو مجبرة على التعلّم في صفوف دراسية مكتظة وغير آمنة وأسقف مدارس مخرّبة ومبانٍ لا تحتوي على ما يكفي من المياه ومرافق الصرف الصحي والكهرباء والتدفئة.

هذه الأوضاع والمشاهد لم تبعث الرفق في قلوب الأطراف المتقاتلة للامتناع عن الهجمات على المرافق التعليمية وطواقم قطاع التعليم في جميع أنحاء البلاد للسماح للأطفال بالدارسة في ظروف أفضل، وقد أكدت الأمم المتحدة وقوع حوالي 700 هجوم على منشآت التعليم وطواقم التعليم في سورية منذ بدء التحقق من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، وحدوث 52 هجوما عام 2020.

التعليم الذي يعدّ الأداة الوحيدة لإخراج هؤلاء الأطفال من الفقر والجوع الذي يترصّدهم يضيع في أتّون الحرب وحالة الدمار ليخيم مستقبل مظلم وغير واضح المعالم على هذا الجيل الذي ظل يحلم بالأمن والطمأنينة ببراءة الطفولة..ولطالما دعت المنظمات الحقوقية الدولية ومن بينها المرصد السوري لحقوق الإنسان، الجهات المعنية إلى الإحاطة بالأطفال ماديا وصحيا ونفسيا وتمويل التعليم بما يساعد على المدى الطويل في تزويدهم بالعلم والمهارات التي ستحتاجها سورية لإعادة البناء.

ويدعو المرصد السوري إلى أهمية توفير الفرص لجميع الأطفال السّوريّين – أينما كانوا وأيّاً كان وضعهم – لكي يحصلوا على حقهم الأساسي بمستقبل أفضل، من خلال وسائل يكون التعليم أبرزها.

الطفولة المستهدفة..

ولا يفوتنا أن نلتفت إلى الأطفال الذين فقدوا ذويهم في الحرب من أم وأب وإخوة، وعائلة بأكملها أحيانا.. مشاهد وقصص مرعبة شوهدت منذ انطلاق الثورة السورية، ما أجبر أعدادا كبيرة على اتخاذ الشارع مسكنا وملجأ في ظل غياب البيت الآمن.. هم ليسوا بأبناء قيادات لتنظيم الدولة أو فصائل متطرفة بل هم أطفال أبرياء استشهدت عائلاتهم في ركام أحد البيوت وأصبحوا “أطفال شوارع ” مشردين بلا مأوى ولا حياة ومستهدفين من قبل أطراف كثيرة.

هؤلاء الأبرياء لم تتحدّث عنهم المنظمات الدولية، وهم الذين ظلوا أكثر استهدافا من قبل التنظيمات الجهادية والنظام والفصائل المسلحة، من مجزرة الحولة التي كان غالبية ضحاياها من الأطفال ومجزرة الكيماوي في خان شيخون، وصولا إلى مجزرة الغوطة، كما قامت المجموعات المرتبطة بتنظيم “القاعدة” بارتكاب جرائم بحق الأطفال من إعدام بطرق شنيعة، بحُجج وأسباب ملفقة، ولا تنسى المجزرة التي قام بها تنظيم “داعش” عام 2017 في قرية عقارب الصافية، حيث أظهرت الصور حينها قتل الأطفال وأمهاتهم بشكل وحشي، كل ذلك في ممارسات همجية تنم عن الاستهتار بالقيم الدينية والإنسانية.

 

أطفال في عزلة…

لقد جعلت الحرب المدمّرة براعم سورية في عزلة لا عن بلدهم ومختلف قراه ومدنه فقط، بل عن العالم الخارجي، طيلة عشر سنوات من الصراع والتفكك، 80 بالمائة منهم يعيشون وكأنهم في القرون الوسطى التي تفتقر إلى مقومات التطوّر والحداثة، فلا مواكبة لثورات تكنولوجية ولا تعليم عن بعد ولا وسائل حديثة للتعلم يمتلكونها أصلا، فقط بعض القوارير والحجارة يستخدمونها للعب بين الفينة والأخرى.. هو مشهد أعمق من الألم لكنه واقع وجب أن يحكى حتى يفهم القاصي والداني أي خراب لحق بسورية وأي ألم طال أبناءها وأي حرمان عاش أطفالها وأي مستقبل حالك ينتظر أجيالا بكاملها.

فعندما يتعرض الأطفال للعزلة ويكبرون في دور هامشي، وعندما يتم نشر الخوف ويُجبرون على تقبل الألم والرعب، تحدث المأساة وتكبر.

ملايين الأطفال السوريين يعيشون سيناريو مأساة أطفال فلسطين قبل أعوام عدة، والمأساة الأكبر تكمن في غياب مواقف دولية قوية وتخلي عديد المنظمات الإنسانية عن أنشطة فعلية تخفف عنهم مرارة الواقع، وتنسيهم وجع الحرب وتداعياتها.. الكثير من الأطفال باتوا يعانون من العدوانية والعزلة والخوف وعدم القدرة على التكيف مع أي بيئة أخرى.

 

جيل كامل من الأطفال بنفسية مدمّرة جرّاء الحرب…

ويبقى الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً في الحرب، وهم الفئة التي فقدت قبل كل شيء طفولتها، واليوم يرفض الكثير من الأطفال الذهاب إلى المدارس ويقيمون حفلات للبكاء إذا ما جهزتهم أمهاتهم للذهاب إليها، حتى أن بعض من يذهب لا يعطي أي اهتمام للدراسة، وتراهم يبحثون عن شيء في هذا المجتمع، ربما نحن الكبار لا نعرفه، وربما كان هؤلاء الصغار يجدون معنى الأوطان أحسن مما وجدناه، ذلك يفسّره المختصون النفسيون بالأمر الخطير والمخيف الذي يساهم في إحداث إرباك في شخصية الطفل واضطرابات قد تحرمه من حياة نفسية آمنة ومستقرة.

الناحية النفسية لدى الأطفال في الحرب تتعمق بسبب قابليتهم العالية للتأثر بمشاهد القتل والعنف وكثيرة هي الأمراض النفسية التي تصيب الأطفال في أثناء الحروب.

ويحذّر المختصون النفسانيون من أخطر الأعراض التي ستعترض سبيل أطفال سورية بعد انتهاء مأساة الحرب كالخوف ومشاكل سلوكية، وفقدان النطق والإصابة بالسلس الليلي، بينما يصاب الأطفال بين 14 و18 عاما بالسلوك العدواني والغضب غير المبرر والانعزالية والانحراف، وهذه الحالات إذا لم يتم معالجتها وإبعاد الأطفال عن آفة العنف والحرب سنكون أمام مخاطر تراكمها وتوسعها في المجتمع وحينها سنكون أمام جيل كامل من المرضى النفسيين.

هذه الطفولة التي تستغيث متأثرة بالصراع تواجه عددا هائلا من التحديات التي يمكن مواجهة معظمها أو إزالتها إذا كانت جميع الدول المعنية قادرة على حشد الإرادة السياسية للقيام بدورها.

وجرم كبير بحق جزء من البشرية أن يواصل المجتمع الدولي تجاهله وعدم تحمل مسؤولية تاريخية تجاه ضحايا الحرب من الأطفال الأبرياء، ولا يزال بالإمكان إنقاذ الجيل السوري الضائع والتائه في ثنايا مرعبة حالكة.

 

المجاعة والعراء…

في سنة 1972، التقط مصور أمريكي صورة لطفلة فيتنامية، تجري عارية خائفة، على أثر تعرض منطقة سكناها لقصف بقنابل النابالم، وهي الصورة التي يسود اعتقاد واسع بأنها كانت أحد الأسباب المهمة لإنهاء حرب فيتنام، تلك الصورة هي جزء من تاريخ بلد بعيد لكن تعلمنا أن صورة الطفل الضحية ربما تفوق في تأثيرها ملايين الكلمات..

وقد ترجمت الأمم المتحدة المأساة السورية بلغة الأرقام حيث أفادت بأن 90 بالمائة من السوريين يعيشون تحت الفقر المدقع بأقل من دولارين في اليوم بينما تتزايد الاحتياجات الإنساني، في ظل تواصل انهيار اقتصاد الحرب، وكثرة العقوبات وغيرهما من الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع المأساوي، زاده حدّة عدم الوصول إلى حلّ سياسي أو تسوية تنهي النزاع الذي تغذيه التدخلات الأجنبية ذات الأهداف المسمومة والغادرة.

وقد رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، حالة من الركود تشهدها الأسواق في العاصمة السورية دمشق وسط تراجع كبير لحركة الشراء والبيع على كافة الأصعدة بسبب الانهيار المتواصل لقيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد والسلع الأساسية الذي تشهده الأسواق وعدم قدرة المواطنين على الشراء.

ووفق المرصد، يعاني الأهالي ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري وضعاً معيشياً سيئاً متواصلاً منذُ أشهر بدءً من النقص الحاد في الخبز والمحروقات وانتهاءً بارتفاع أسعار المواد الغذائية المتواصل، وسط صمت حكومي حيال ذلك، واستياء شعبي كبير لعدم قدرة المواطنين على شراء حاجياتهم الأساسية، هذا النقص زاد من تفاقم الوضع الاجتماعي الذي يهدّد بمجاعة حقيقية حذّرت منها منظمات دولية طيلة سنوات وسيكون الأطفال أكبر متضرّريها وضحاياها باعتبارهم الفئة الأضعف والأكثر هشاشة.

الأطفال والمخيّمات..

هم ضحايا فقدوا بيوتهم ومأواهم الآمن الأول ومأوى كل طفل، ولم تستطيع كل المخيمات استيعابهم أو الحصول على أبسط حقوقهم في الغذاء والصحة والتعليم، بسبب شحّ التمويل وضعف الإمكانات، لينشأ جيل سوري جديد بلا تعليم ولا هوية، جيل سمّي بجيل المخيّمات برغم ما تحمله من مآسي..

ووفق مصادرنا لم تعد حياة الطفل داخل مخيّمات النزوح أفضل من ساحات القتال أو تلك البيوت المدمّرة التي رفض أصحابها مغادرتها .. لا أحد يعرف ماذا يجري داخل هذه المخيمات، برغم متابعة مفوضية شؤون اللاجئين والجهات المانحة لأوضاعهم، وتفقدهم من جمعيات دولية ومحلية، حيث أصبح وضع الأطفال بمثابة مهدداً لحياتهم، فإلى متى يستطيع ذلك الظهر الصغير الذي أصابته الهشاشة تحمّل كل هذه المصاعب والأعباء والجوع والعراء والنوم على البرد وفي الحرّ؟

إضافة إلى ذلك ، تشير عديد الوقائع الموثقة إلى ازدياد نسب الولادات داخل المخيمات

وقد ارتفعت إجمالا 8 بالمائة وفق الأمم المتحدة ليبلغ أعلى مستوى تشهده البلاد منذ 1973.

هو جيل كامل من الأطفال ولدوا في المخيمات في ظروف قاسية وصعبة وغير لائقة بطفولتهم البريئة، مازاد العبء على أهاليهم الذين يفتقدون أصلا لقوت اليوم، وهذا الازدياد دفع نسوة سوريات وناشطات إلى إطلاق حملة “أوقفوا الإنجاب في المخيمات” عبر الدعوة إلى توزيع موانع الحمل للحدّ من استهداف البراءة عبر إنجاب طفل بمصير تائه ووضع صحي وغذائي مزرٍ، تلك الحملة علقت عليها في المقابل أمهات بأنها تعدّ صارخ على حقّهن في الأمومة.

يذكر أنه على الصعيد العالمي، 60 في المائة من وفيات الأمهات سببها الأوضاع الإنسانية المتدهورة خلال الحروب والكوارث الطبيعية.

حياة النزوح الصعبة التي جاءت مرافقة للبراميل المتفجرة وحالاتِ التعذيب والاغتصاب والإعدامات الجماعية والهجمات المستمرة من مختلف الأطراف، هي من سرقت حَيَوات أطفال نيام أبرياء ورمت بهم بين خيام من قماش قد تمزّقها أول ريح.

في هذه الحربٍ الشنيعة التي مزّقت دولةً وزعزعَت منطقة بكاملها، قد تكون الطفولة المدمَّرة والمستقبل المجهول الذي ينتظر الأطفال الأبرياء هما أكثر نتائج هذه الحرب كارثيةً، إلّا أنه -بعكس عواقب الحرب الأخرى – يمكننا التخفيف من حدة هذه العاقبة، إذا حشد المجتمع الدولي الإرادة للتحرك.

ألقت الحرب المُستعرة في سورية منذ عشر سنوات بآثارها الكارثيّة على جميع جوانب الحياة، لتنال الطفولة النصيب الأكبر من هذه الآثار، باعتبارها الحلقة الأضعف، والأكثر قابليّة للتأثر بما يحيط بها، وتأتي أهمية حماية الأطفال زمن الحرب لكونهم يشكلون الرصيد البشري للمجتمع ومستقبل الذي يعول عليه للاستمرار، وتأثر الأطفال بظروف الحرب والنزاعات المسلحة لايتوقف بتوقف مدافع الحرب، بل يستمر معهم تاركاً أمراضا ومشاكل سلوكيّة واجتماعيّة ليس من السهل علاجها.. فأي مستقبل لسورية في ظل جيل من الأطفال التائهين؟

لقد تسببت الحرب في أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية مع نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.